دفتر الفراغ "قصة قصيرة"

نغم داود

دفتر
دفتر
هواءُ الحجرة الصغيرة كان يُشعِرها بالدّوار، بسبب المعقِّمات المستعمَلة وحجمِ المرض والحزن. لم تكن تتوقّع أن ينتهي بها الأمرُ يومًا في مستشفًى ريفيّ. نظرتْ إلى جارها العجوز خلسةً. كان قد استيقظ من غفوتِه. جفناه كانا الشيءَ الوحيد الذي تغيّر منذ الصباح؛ الشيءَ الوحيدَ الذي تحرّك وأبعد الشكوكَ، أو أجّل الميعادَ ساعاتٍ أو لحظات.
دخلت الممرِّضة. أعطتهُ حقنةً، ثمّ ابتسمتْ وخرجتْ، فأُغلِقَ الجفنان على خلاصة سبعين عامًا وآلافِ الحكايات المحتشدة بالتفاصيل.

استرجعت النوبةَ القلبيّةَ المفاجئة التي أصابته، وكيف أسعفوه، ثمّ تركوهما في المستشفى وحدهما بعد أن أبت المغادرة. وتذكّرتْ أنّها حملتْ، في اللحظات الأخيرة، دفترًا صغيرًا وجدتْه في جيب سترته، حين أخذتْ أوراقَه الرسميّة إلى المستشفى. تردّدتْ في التعدّي على خصوصيّات العجوز، ثم وجدتْ نفسَها تفتحه برجفةٍ وتقرأ: «أودّ أن أشكرَ أثاثَ هذا المنزل. في الواقع، لم يرحلْ كلّ شيء. فما بقي من الأشياء يَختصر كلَّ ما ذهب ومَن ذهب، ويطويه في ثناياه. أحبّ أن أشكر طاولةَ الزِّينة الخاصّة بزوجتي، وصورتَها وهي تحمل الورودَ في ليلة عرسِنا. وأحبّ أن أشكر الشّرفة والجدران. ملاحظة: كنتُ أرغب في التخلّص من الساعة...».

تبعتْ ذلك صفحاتٌ بِيض، ومن ثمّ صفحةٌ كُتِبَ فيها بالخطّ العريض: «أنا قلقٌ جدًّا. أودّ أن أتخلّص من المرآة. أصبحتُ عجوزًا قبيحًا. لن أخرج من المنزل أبدًا.»                                                      
ابتسمتْ وهي تتابع القراءة. أمن المعقول أن يكون ذلك هو سببَ امتناعه عن الخروج كلّ هذه الفترة؟ ولكنّها صادفت الجوابَ في الصفحة التالية: «جارتنا امرأة طيّبة جدًّا. لقد أعادت إليّ، بزيارتها، أشياءَ كثيرةً خِلتُ أنّني قد فقدتُها. أنا متفاجئٌ بأنّها وحيدة؛ فهي لطيفةٌ جدًّا، وابتسامتُها ودودة. قال لي أبو محمود إنّ زوجها هجرها لأنّها لم تُنجِبْ، وإنّ أحدًا من الرجال لم يعرضْ عليها الزواجَ بسبب انتشار هذا الخبر».

صفعتْها كلماتُه بالحقيقة. تحسسّتْ وجهَها بيدها: كان باردًا كالثّلج.
الصفحة التالية كانت مكتوبةً بخطٍّ رديءٍ جدًّا. ولكنّها استطاعت، بعد جهدٍ، أن تتبيّن العباراتِ الآتية: «أشعرُ بأنّني أصبحتُ عديمَ الفائدة. لم أعد أستطيع التعبيرَ عن همومي ومشاكلي. أصلًا، لا أحد سيسمعني حتّى لو فعلت!» وتلا ذلك بضعُ صفحاتٍ فارغة، ثم صفحةٌ كُتبتْ عليها عبارةٌ واحدة من أغنيةٍ لفيروز: «ما عاد في إلّا هالنّطْرة والضّجر». وتذكّرتْ أنّها كانت، بالفعل، تلمحه أحيانًا جالسًا على شرفته وهو يغنّي مع فيروز، ويبدّل أشرطتَه في جهازه العتيق.

في نهاية الدفتر كتب العجوز، بعد أن ملأ الكثيرَ من الصفحات بالرسوم غير المفهومة: «ما كان يجب أن أشتري هذا الدفتر. ولكنّ نصائح أبي محمود رديئة. فهو يظنّ أنّ كلّ الناس مثله: تقضي شيخوختَها محاطةً بالعائلة والأصدقاء، وأيّامُها متنوّعة تستحقّ أن تُطوى في دفترِ يوميّات. أمّا أنا فقد قتلني تشابُهُ أيّامي. لا شيء في هذه الحياة إلّا الخواء. لم أعد أودّ الكتابة».
عند هذه النقطة، أغلقتِ الدفترَ الصغير وأعادته إلى جيبها بحزن. بالتأكيد، لا يمكنكَ أن تكتب من دون رغبةٍ داخليّة. وفكّرتْ: كم كان هذا العجوز مسكينًا حين ظنّ أنّ الكتابة أمرٌ في منتهى السهولة.

غير أنّ ذلك الدفتر أيقظ فيها مواجعَ كثيرة. فقد تذكّرتْ تجربتَها في الكتابة، وتذكّرت استخدامَها الكتبَ وسيلةً للنّسيان. وها هي الآن تقف وجهًا لوجه أمام الحقيقة: حقيقةِ أنّ عالمها لم يكن كلّه غافلًا عنها. إنّها لتلمحُ نفسَها الآن في دفترٍ صغير، لعجوزٍ سبعينيٍّ لم تتبادلْ معه أكثرَ من تحيّاتٍ وزيارةٍ يتيمة، لكنّها تجد نفسَها موصوفةً بما لم تُرِدْه يومًا! وفكّرتْ: هو تزوّج وأنجب، غير أنّه عانى الوحدةَ هو كذلك، وها هو بعد كلّ السنوات التي عاشها في كنف عائلة لا يجد سواها إلى جواره على فراش الموت.

حاولتْ أن تطردَ هذه الأفكار من رأسها لأنّها كانت تمنحُها شعورًا بالشَّماتة والخِسّة. ثمّ غلبها النّعاسُ فنامت.
في الصباح، كان العجوز قد توفّي. تلقّت الخبرَ بشيءٍ من البرودة، لدرجة أنّه كان يصعب التفريقُ بين التعبير المرتسمِ على وجهها والتعبيرِ المرتسم على وجه الممرِّضة الواقفةِ إلى جانبها. لكنْ إذا كانت الاثنتين قد تمتمتا بعباراتٍ تشي بتفاهة الحياة، فإنّ أسئلةً أبعدَ من ذلك بكثيرٍ ارتسمتْ في ذهنها، هي بالذات:

إلى أين ذهب العجوز؟ أتراه ذهب إلى فردوس اللّه؟ أمْ تراه ذهب إلى مَطْهر دانتي، حيث يقف مئاتِ الأعوام عند مدخله منتظرًا صعودَ الجبل والتطهّرَ من الجرح العميق الذي خلّفه في قلبها؟     
لاحقًا، في الجنازة وبعدها، حضرتْ وراحت تصبّ القهوةَ المُرّةَ وتقدّمها إلى وجوهٍ غريبة، وإنْ قليلة فالعجوز لم يكن اجتماعيًّا، ولم يكن يفتح بيتَه إلّا ليخرجَ منه أو ليدخلَ إليه هو بنفسه. ولم تدرِ ما الذي دفعها إلى أن تقف مع هذا العجوز في آخر أيّامه وبعدها، ولماذا كانت تُحِسّ أحيانًا بالرعشة عندما يأتي المعزّون على ذكرِ أحلامه التي لم يحقّقْها. وحين يسألها أحدُهم عن قرابتها بالمتوفّى كانت تجيب بأنّها جارتُه، ثمّ تتوقّف قليلًا وتتذكّر أنّها -مثل هذا العجوز- وحيدةٌ، وأنّها ستظلّ كذلك إلى النهاية، فتعتريها آنذاك رغبةٌ مفاجئةٌ في أن تجلبَ دفترًا صغيرًا تضعُه في جيب سترتها، لتدوّنَ فيه أيّامَ الفراغ والوحدة.