صورة الآخر في سيرة (الحبشة) للحيمي

وهيب سالم السعدي

صورة الآخر في سيرة (الحبشة) للحيمي
صورة الآخر في سيرة (الحبشة) للحيمي
ويقدّم الحيمي في رحلته (الآخر) المختلف، ويبّن صورته المغايرة، وأول صورة تلقانا في رحلته هي صورة أتباع السلطان (سنحيم) في (بندر بيلول)، ويوضح الحيمي أن هؤلاء القوم من المسلمين، وليس لهم من الإسلام إلا الاسم.
ولتوضيح صورة الآخر يقول الحيمي: «ولمّا اجتمعنا بالسلطان سنحيم وقد معه من جيار البدو المتصلين بذلك المحل خلق كُثر، منكرين الصور، خالين من التخلق بشيء من أحكام الشرع الشريف المطهر، وذلك لما شاهدناه من اختلاط رجالهم بنسائهم وكلهم عراة لا يسترون عوراتهم، ولا يتسترون بمنكراتهم، كأن المنكر عندهم من المعروف، والبدع لديهم من الأمر المأنوس والمألوف، ولسانهم أعجمي بلغة تخصهم ليست من لغة الحبشة..». 

إن هؤلاء المسلمين يختلفون كثيراً عن المسلمين الآخرين، فهم، كما يراهم الحيمي، منكرو الصور، أصحاب تهتك وسفور وبدع وفجور، ومن هنا كان حكم الرحّالة عليهم بأنهم ليس لهم من الإسلام إلا اسمه، أما لغتهم فمن الطبيعي أن تختلف عن لغة العرب، وعن لغة الحبشة.
ويواصل الحيمي إظهار صورة الآخر/ أهل (بندر بيلول)، فبالإضافة إلى بدعهم فإنه يصفهم باللصوص وقطاع الطرق، وفي ذلك يقول: «ولقد حكى لنا بعض العارفين بأخبارهم أن كبيرهم الذي يقتدون بأقواله متزوج باثنتي عشرة امرأة، وغيره يعمل بمثل ذلك على ما ظهر لنا من النقل ممن يعرف أحوالهم، ومع هذا فإنهم يريدون الاطّلاع على أحوالنا والتجسس عليها، وهل يمكنهم الوقوف لنا على الطريق التي نمر فيها، والوصول إلى شيء مما في أيدينا، أو غير ذلك مما يفعله المحتربون والأكراد والمختطفون من أهل الفساد؟».

وتستمر نظرة الحيمي لمن أسماهم البدو في عين ملي، فيذكر المعاناة الكبيرة، وقلة الطعام، وصعوبة الحصول على الماء، ومن تلك المتاعب أيضاً ما ذكرها بقوله: «ومع كل هذا سوء مخالطة من يخالطنا من البدو المذكورين، وما نشاهده منهم من البدع في الدين، وكثير ما يتفق بيننا وبينهم من الأسباب، ما يثير دفائن شرهم، ويظهر معه سوء مكرهم، ولا يفزعون إلا إلى أسلحتهم ومن كان معنا كذلك..».

وتستمر نظرة الحيمي الدونية للآخر، حيث يذكر وصولهم إلى منطقة الأمير (بعل جادة)، واستقبال الأهالي لهم، ويصور ذلك بقوله: «ولمّا ضربت البنادق وفيها الرصاص، وكان لها صوت عند خروجها هالهم ذلك، واستعظموه، ولقد رأيناهم مع جمعهم العظيم إذا ضربت البنادق انحطوا برؤوسهم راكعين نحو الأرض، ولمّا وقعت أبصارنا عليهم رأينا صوراً قد أذلّها الله عز وجل، وألبسهم لباس الصغار، وهم ينظرون إلينا كالمبهوتين، ويتسللون تسلل الأذلين، كأن السلطان لنا عليهم..».

وتتأكد صورة الآخر/ المغاير في رحلة الحيمي عند حديثة عن (القالة)، الذين يسكنون منطقة قريبة من (عين ملى)، وقد رسم لهم صورة (مخيفة)، يقول الحيمي فيهم: «اعلم أن هؤلاء القالة أمة شديدة البأس، متينة المراس، كثيرة العدد، إذا توجهوا للحرب على أحد من الناس من الكفار أو غيرهم كالمسلمين في مدينة (أوسة) وما إليها فقد يبلغ عددهم نحو مائة ألف أو ما يوازي ذلك، ثم أنهم مع ذلك أهل قوة في أبدانهم، وصبر على طول الأسفار واحتمال المضار، ولقد حكى لي من له خبرة بأحوالهم أن الرجل منهم إذا صرخ بأعلى صوته عند ملاقاة الحرب وسمع ذلك بعض الكفار من النصارى انفلق قلبه فيموت من نفس الصوت..».

ولمّا كانت الرحلة في الأصل «هي إنباء عن الرحّالة وتصوير لمكونات (الوعي الثقافي) عنده أكثر ممّا هي حديث عن البلد موضوع المشاهدة، وإخبار عن القوم أهل البلد والإقليم موضوع الزيارة». فإننا نرى الحيمي يتجه إلى إظهار صورة الآخر المختلف دينياً (النصارى)، وتتجلى في قوله: «وهؤلاء النصارى على عمومهم ليس فيهم شيء من أمر المروءة ومكارم الأخلاق التي لا يمنعها شؤم الكفار ولا تخلو ملّة من الملل عن الاتفاق على أنها من صفات المحامد وخصال الأماجد، أما هؤلاء القوم فرأيناهم في اللؤم وشدّة البخل كأنهم جميعاً أخلاق رجل واحد، إلا أن تكون عليهم يد غالبة وسلطان قاهر، فمن جملة لؤمهم أنا بتنا في هذه القرية طاوين الطعام، ولم ندخل أماكنهم إلا بالقهر لهم والغلبة عليهم..».

وقد يظهر من خلال تمثيل الآخر الاعتداد بالذات والإعلاء من مكانتها بطريقة ضمنية، وأحياناً يظهر ذلك بصورة جلية واضحة، فالحديث عن الآخر يقود إلى الذات.