من عجز عن مكافحة الغش في مراكز محدودة لا يمكنه السيطرة على سنوات دراسية في مدارس متعددة

عدن «الأيام» خاص

 استنكر أستاذ جامعي بجامعة عدن القرار الذي اتخذته وزارة التربية والتعليم، في حكومة الشرعية، مؤخرا، بإلغاء الامتحانات الوزارية النهائية للمرحلة الأساسية (الصف التاسع) وجعْلها امتحانات داخلية لكل مدرسة على حدة، كباقي السنوات الأخرى.

وقال أستاذ إدارة الأعمال المشارك بجامعة عدن وعميد كلية العلوم الإدارية الأسبق، د.توفيق سريع باسردة، في مقال له بعنوان “التعليم مسؤولية الجميع”، أمس الأول الخميس: “إن هذا الامتحان (الوزاري) مهم من الناحية النفسية للتلاميذ كون الأسئلة تأتي من خارج البيئة التي تعودوا عليها خلال 9 سنوات، كما أنه يعد مؤشرا هاما على فاعلية العملية التعليمية من مدرسة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، والأمر الآخر أن التلميذ يشعر بأهمية الانتقال من مرحلة دراسية إلى أخرى”. وأضاف باسردة: “جاء قرار الوزارة فيما يتم تداوله من مبررات ليصب في منع تكرار ظاهرة الغش ولكون الامتحان الوزاري ليس تقييماً حقيقياً للمرحلة الأساسية.. ولكن لم يُنظر عند اتخاذ هكذا قرار يمس الأجيال إلى الآثار السلبية التي سيحدثها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

أولا: إن تقسيم العملية التعليمية إلى مراحل دراسية لم يكن اعتباطا أو مزاجية؛ بل جاء لمراعاة الجانب النفسي والسيكولوجي وتعزيز التنافس الإبداعي لدى التلاميذ، فكان الخطأ في الجنوب سابقاً بدمج التعليم الابتدائي والإعدادي في مرحلة واحدة من ثمان سنوات تسمى المرحلة الموحدة وإضافة سنة للتعليم الثانوي، ثم تحول بعد الوحدة إلى المرحلة الأساسية من تسع سنوات وهي طويلة على التلاميذ كمرحلة واحدة، وأخيراً جاء قرار الوزارة بإلغاء الامتحان الوزاري للصف التاسع اعتبارا من العام الحالي 2018/ 2019 ليزيد الطين بلة، وينمي الشعور لدى التلاميذ أن لا فرق بين مرحلة التعليم الأساسي والثانوي عدا في المسمى، فيصبح الصف الأول الثانوي بدلاً من الصف العاشر وهكذا، وسينظر له كمرحلة واحدة طويلة جداً ومملة تتكون من اثني عشر سنة، وهذا له آثاره النفسية والسيكولوجية في تلقي المعارف وبناء القدرات الإبداعية لدى التلاميذ.. وسيرى التلميذ أن شهادة الصف التاسع هي تحصيل حاصل لعملية حسابية تقوم بها الوزارة ولا تعني له الكثير، فيما يرى أن دوره هو نفس الدور الذي مارسه في السنوات الثمان السابقة.

ثانيا: إن القول بأن هذا القرار سوف يساعد على إلغاء ظاهرة الغش أو التقليل منها على الأقل، ربما هو قول غير واقعي، فهو قد يقلل من تكاليف إعداد أسئلة الوزاري وطباعتها وتوزيعها ومراقبة الامتحانات وتصحيحها ورصد الدرجات.. لكن ربما تكون نتائجه أكثر خطرا على العملية التعليمية بتوسع ظاهرة الغش والتغشيش والتعديل للدرجات وربما التزوير في الثلاث السنوات الأخيرة (السابع والثامن والتاسع)، بحجة رفع معدل تلاميذ المدرسة في شهادة التعليم الأساسي، وخصوصا في ظل دور للوزارة أقل ما يطلق عليه غير فعال. فعند العجز عن القضاء على تسريب أسئلة الامتحانات الوزارية في حلقة مغلقة تمتد من معدي الأسئلة إلى موزعيها على التلاميذ يوم الامتحان، وعند العجز عن مكافحة ظاهرة الغش في مراكز امتحانية محدودة وفترة زمنية محدودة.. لا يمكن القول بأنه سيتم السيطرة على سنوات دراسية متعددة في مدارس متعددة.

ثالثا: الامتحان الوزاري الموحد المنضبط والمسيطر عليه، يعد مؤشرا هاما ومرشدا يحدد الاتجاه العام للعملية التعليمية من المدرسة، مرورا بالمديرية والمحافظة، وصولا للعملية التعليمية على مستوى البلد بشكل عام، بما يكشف لمتخذي القرار نقاط القوة والضعف عند تقييم إستراتيجية التعليم على مستوى المناطق الجغرافية.. وكلما كانت مركزية الامتحان أعلى كان التقييم أشمل، ولكن قرار الوزارة الأخير يجعل الامتحانات داخلية لكل مدرسة وليس لكل محافظة أو حتى مديرية، وهنا لا نستطيع أن نحكم أيهما الأفضل هل التعليم مثلا في مدرسة أساسية في كريتر عدن؟ أم في حديبو سقطرى؟ أم في حوف المهرة؟ خصوصا إذا كان معدل التلاميذ واحدا.

رابعا: إذا كان الامتحان الوزاري للصف التاسع لم يعد مؤشرا حقيقا للمرحلة الأساسية - وهذا يبدو صحيحا - فتصحيح هذا الأمر ليس بإلغاء الامتحان الوزاري، بل بالبحث عن حلول أخرى ناجعة لا تمس سلامة العملية التعليمية ولا تحدث آثارا سلبية على المدى القريب والبعيد.. فلماذا لا تُعطَ مثلا نسبة 50 % أو 40 % للامتحان الوزاري في شهادة التعليم الأساسي وباقي النسبة تستخرج من محصلة التلاميذ في الصف الثامن والسابع؟ وحتى هذا الحل يكون مجرد رأي شخصي أو رأي خبير أو رأي شخص مسؤول أو غيره.. والذي لا ينبغي اعتماده إلا وفقا لدراسات موثوقة، لأن الأمر يمس مستقبل الأجيال القادمة صناع المستقبل للبلد”.

واختتم عميد كلية العلوم الإدارية الأسبق بجامعة عدن، د. توفيق باسردة، مقاله بالقول: “ندعو لإقامة مؤتمر علمي شامل للتعليم يحدد معالم واضحة لإستراتيجية وهيكل التعليم في البلد يتضمن تحديد المراحل الدراسية وكيفية الانتقال بينها، وتحديث المناهج الدراسية التي تواكب التطورات المتسارعة وتنمي وتصون قيم التلاميذ عقائديا ومعرفيا وسلوكيا وبيئيا.. كما ينبغي من خلال هذه التظاهرة العلمية الوقوف على إيجابيات وسلبيات الفترات السابقة وتجارب الآخرين الناجحة، وكذا تحديد الثوابت التي لا ينبغي المساس بها إلا بدراسات ومبررات علمية ومنطقية، وأن التغيير يجب أن يكون للأفضل على المدى القريب والبعيد.. فالتعليم مسؤولية الجميع، ونجاحه نجاة للجميع وفشله غرق للجميع”.​