الأمم المتحدة وتعليق الأزمة.. حسابات قاتلة في اليمن

د. باسم المذحجي

بالنظر لسياسات الأمم المتحدة في اليمن، فيما يخص الخطوط العريضة مثل تحقيق السلم والأمن، منع نشوب الصراعات، وصنع السلام، نزع السلاح، وتنسيق مساعدة، وحماية المدنيين في حالات الصراع المسلح فكلها في حكم المعلقة Pending.
الأمم المتحدة تشرف على حلقة مفرغة من أعمال العنف في اليمن، فمنذ مشاورات ستوكهولم، فالنازح ما يزال نازح، وكل مواقع التماس الحيوية والإستراتيجية معطلة؛ بل تفاقمت مأسات النازحين، وكان الحاصل بأن الأمم المتحدة تدخلت في اليمن لتحفظ ألوف متوقع أن يقضوا نحبهم في المعارك، ليتم ترتيب الأوضاع، ويتبلور مسرح قتالي يحصد أرواح مئات الآلاف من اليمنيين.

اليمنيون في كل مكان يرون أن الأمم المتحدة عمدت إلى تعليق الأعمال القتالية في بعض المناطق اليمنية بهدف جعلها لاحقًا مواقع أشد خطورة ولا يشعرون فيها بالأمان.

لو قارننا ما بين ما حدث في المخا والحديدة فالفارق شاسع، فعندما منحت قوات الجيش والمقاومة فرصة لتحرير مدينة وميناء المخا فالنجاح العسكري الذي تحقق انعكس على معيشة واستقرار ألوف من المواطنين في المخا، في حين تعليق العمليات العسكرية في الحديدة قادنا إلى تكديس عدد أكبر من المقاتلين، وتحشيد مجاميع أكثر، وفوق ذلك مرور الوقت، والنزوح ضرب استقرار المواطنين، بحيث فاتورة معركة الحديدة المعلقة تجاوزت بعشرات المرات تكلفتها الفعلية، أي لو كانت تمت عملها العسكري الحاسم في ذلك التوقيت.

الأمم المتحدة ارتكبت حسابات قاتلة بحق اليمنيين، فقد ركزت على وقف العمل العسكري حرصاً على المدنيين، ولم تنتبه إلى أنها تماهت مع مشروع شرد مئات ألوف لأجل غير مسمى، وفي نهاية المدة ستستمر المعارك لكن بحشود أكبر، وبزخم أكبر وبنطاق جغرافي أكبر كلفة وتدمير.

الفكرة ذاتها، والتي تبنى على نفسها وعلى فكر منع نشوب صراعات، هي نفسها التي منحت الوقت الكافي للإعداد لصراع كبير وضحاياه برقم محال توقعه.
ليس هناك طريق لبناء مجتمع سلمي ديمقراطي في نطاق مواقع تعليق الحرب؛ بل هناك طرائق لزراعة الألغام، وتفجير المنازل، والقيام بقتل أكبر عدد من الأبرياء، وبذلك حسم المعارك هو الخيار الأنجع لإعادة نهج بناء مجتمع سلمي ديمقراطي لما بعد الحرب، والحديث عن معارك حاسمة ومصيرية.

في اليمن لسان الواقع يقول إن الإرهاب ليس ظاهرة جديدة، وأن له جذورًا سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسانية عميقة. وأنا على اعتقاد راسخ بأن الإرهاب خطر يجب أن يخمد، ولكن على العالم والأمم المتحدة أن يدركا بأن تعليق العمل العسكري، واستمرار متوالية النزوح، وغياب الأمن، والاستقرار سيعد بيئة خصبة للإرهاب طالما والإرهاب الطائفي الميليشاوي يجد فرصاً ليعيد التموضع والتحشيد، وتخليق فرص جديدة للعمليات الإرهابية التي هجمات الدرونز نموذج بسيط تم الاعتماد عليه.

لقد ألحقت أضرارا جسيمة بالهياكل الأساسية اليمنية المدنية والأمنية، وتمخضت عن ذلك أزمة إنسانية ومتصلة بحقوق الإنسان في اليمن. وبغية معالجة هذه الحالة تم بناء اتفاق ستوكهولم النظري، وعلى الرغم من عدم وجود توافق آراء بشأن هذه الاتفاق عمليًا، إلا أن قدرتها على توليد زخم صوب حل سلمي للصراع في اليمن حظيت باعتراف واسع النطاق في المجتمع الدولي ,وبروباغاندا لم تزد الواقع اليمني إلا مآلات كارثية.
أبسط معيار لاتفاق ستوكهولم بأنه إلى هذه اللحظة لم ينجح في تشكيل فريق محايد لتقصي الحقائق، ثم لإعداد تقرير دقيق عما حدث، وبذلك فنحن أمام مهزلة دولية أكثر ما توصف بأنه نموذج تعليق لصراع محدود، ثم يتحول إلى صراع شامل.

أبسط معيار آخر هو الإطار الزمني، والذي لم يعد يدار بناء إنجازات إعادة انتشار كما يريدها المراقبون الدوليون برئاسة لويسغارد؛ بل الحاصل بأننا أمام إفساح المجال لاستكمال التحشيد، وإعداد خطط بديلة، أو القيام بأعمال عسكرية أكثر تدمير وفتك، ما كانت لتحدث لولا هذا التعليق القاتل لحسم المعارك العسكرية في اليمن.

نحن اليمنيين نواجه تعليق مؤقت للحرب لصالح جماعة الحوثي المليشاوية، وليس أن يتم التوصل فيها إلى اتفاق حاسم بإنهاء الحرب في اليمن كما تم، ويتم الترويج له بكل ابتذال، بمعنى لا مكان لنزع السلاح؛ بل استقدام المزيد والدفع بالكثير اللامسئول لمحارق الموت.

الخيار أمامنا واضح في اليمن: فإما أن نستمر في زيادة جهودنا لاستعادة الدولة بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي 2216، تم تحقيق النظام، والعدل الدوليين عن طريق التفاوض وتوافق الآراء، وإما نبقى في موقع تعليق العمل العسكري، وتعطيل الدولة، والقضاء على الحياة المدنية، وذلك يعني أن نعود إلى عهد سابق عندما كان تضارب المصالح بين الدول يُحَل بوسائل أخرى، وهي تقسيم الدول، وثرواتها، ونشر الفوضى الخلاقة.

الخلاصة بعد إجراء تقييمات الآثار الإنسانية المترتبة على تعليق الحرب في اليمن، وعلى وضع منهجية موحدة لتقييم الآثار التي يمكن أن تلحق بالفئات الضعيفة من السكان من جراء تعليق الحرب، فإن تدخل الأمم المتحدة بموجب اتفاق ستوكهولهم، توصف  بتدخل ذو حسابات قاتلة، وهي التي جعلت كلفة الحرب اليوم تكون كلفة قاتلة وكارثية على اليمنيين، ويا ليتها لم تتدخل يومها قط.​