جياع في زمن الشرعية

تقرير/ وئام نجيب

جياع في زمن الشرعية
جياع في زمن الشرعية
أم عبدالله: نسكن بصندقة وإذا لم نمت بالجوع سيهلكنا المرض

“كيان” طفل رضيع لا يتعدى عمره خمسة أشهر، كتب عليه القدر أن يولد في زمن الحرب والتشرد، نزحت أمه، والتي تنتمي إلى منطقة شرعب بمحافظة تعز، إلى العاصمة عدن منذ سنتين جراء الحرب الدائرة في المحافظة بين قوات الشرعية ومليشيات الحوثي لقرابة خمس سنوات.
تقول أمه في سردها للمعاناة التي تقاسيها هي وأولادها: “أجبرت بسبب اشتداد المعارك إلى النزوح إلى مدينة عدن، ولكنه كان نزوحاً إلى المجهول، فلا سكن لنا هنا ولا مصدر رزق، ولتجاوز مشكلة السكن استأجرنا “عشة” وكنا نسدّد قيمتها ممّا نتحصل عليه من سؤالنا الناس، إلى أن أتى فاعل خير واقترح علينا أخذ عشة أخرى، وبالفعل أخذ لنا صندقة في جبل بالتواهي أعلى منطقة الشولة، وهي حالياً من تأوينا وزوجي، وتكاد تخلو من غالبية المستلزمات الضرورية، وجزء كبير من سقفها مفتوح، وهو ما يسمح لأشعة الشمس بالدخول للمنزل بشكل كبير، أما عن حياتنا اليومية فنسيرها بشق الأنفس، ومن خلال ما نتحصل عليه من الناس”.


مرارة النزوح
وتضيف في حديثها لـ “الأيام”: “أخرج بمعية أطفال عند الساعة السادسة صباحاً إلى هذا الموقع الذي اعتدت عليه بجانب سور كلية الطب مديرية خورمكسر؛ لسؤال الناس وطلب مساعدتهم، فيما يذهب زوجي للبحث عن أي عمل عضلي، ولا نتوقف عن هذه العادة، وإذا ما قدر الله وأصيب أحد أطفالي بوعكة صحية فأعالجهم في المنزل، وأضطر إلى أخذ طفلي الرضيع معي في كل صباح لعدم وجود أقارب لدي أضعه عندهم، ونظل في المكان حتى الساعة الثانية عشر ظهراً، على الرغم من تعرضي في بعض الأحيان لمضايقة من بعض المارة، كما أنني لم أتمكن من إرضاع طفلي بسبب سوء التغذية، ولهذا أخشى على أطفالي من الموت بسبب الجوع أو المرض، خصوصاً أن ولدي مصطفى (10 أعوام) يُعاني من مرض الصرع بسبب دهسه من قِبل سيارة منذ فترة، وإذا ما أتته نوبة الصرع ونحن في الشارع يصبح في حالة يُرثى لها، ولا أستطع أن أقدم له شيئاً وأسلم أمري إلى الله..”.
الطفلان مصطفى ومحمد
الطفلان مصطفى ومحمد

وبمرارة تضيف: “إننا نُعاني كثيراً.. حتى الملابس يقوم أطفال بالبحث عنها في مكبات القمامة لارتدائها بعدما أقوم بغسلها، أما فيما يتعلق بالغذاء؛ فأتحصل عليه مما تبقى من الزبائن في بعض المطاعم، وأعود به للمنزل، وهناك فاعلو خير يمدوننا بعض المواد الغذائية، وحينما يضيق بي الحال أعمل على بيع ما تبقى منه بغية شراء حليب لطفلي الرضيع، ويُعد يوم الجمعة أصعب الأيام التي تمر عليّ وعلى أطفالي، كوننا لا نخرج فيه لعدم وجود حركة في الشارع، وهو ما يجعلني أتخبط هنا وهناك من أجل إسكات صراخ وبكاء أطفالي من شدة الجوع، وقد يبيتون دون طعام، فأجبر إلى الذهاب للبقالة لأستدين منه، وفي أحيان كثيرة يرفض إعطائي لتراكم ديوني له، وما نتحصل عليه في يومي أنا وزوجي العامل في العمل العضلي غير المنتظم لا يوفر لنا قوتنا اليومي، وفي الغالب ما تكون وجبة العشاء عبارة عن خمسة أقراص روتي وحبتين بيض، وعندما تنعدم السُبل يدفع الجوع بأطفالي سؤال الناس المتواجدين في المطاعم للحصول على كسرة خبز مما تبقى لديهم، وأجعلهم يسألون الناس في جولة البط، وحقيقةً لا أخاف عليهم وأستودعهم الله لقلة حيلتي، ولا يوجد لدي سوى خيارين، وهما أن يموت أطفالي من الجوع، أو أجعلهم يسألون الناس وأدعهم لحفظ الله، ومن خلال صحيفتكم “الأيام” لا أريد إعطائي أي أموال، فكل ما أتمناه هو أن يتولى فاعل خير أو جمعية خيرية توفير طعام لأبنائي وعلبة حليب وحفاضات لصغيري وملابس نظيفة لهم، وفي حال توفرت تلك الأشياء سأمكث في بيتي وأجنب أولادي أي أذى قد يصيبهم، لاسيما وأنه لا يطيب لي الجلوس هنا، وأحمل الحكومة ما وصلنا إليه”.

وجميع أبنائها الخمسة ما زالوا أطفالاً؛ فعبدالله - وهو الأكبر - يبلغ من العمر 11 عاماً، ومصطفى 10 أعوام، ووحيد ستة أعوام، ومحمد أربع أعوام، إضافة إلى الرضيع.
وأم “كيان” واحدة من الأسر التي اكتوت بنيران الحرب الجارية من عدة سنوات في محافظة تعز وغيرها من محافظات.

حرب أشعلتها مليشيات الحوثي وما تزال نيرانها مشتعلة وفي استعار مستمر، أبرز ضحاياها من المواطنين، فمن لم يقتل بآلة الحرب مات جوعاً أو اكتوى بلظى التشرد والنزوح.
الطفل كيان
الطفل كيان