مآس إنسانية في الحديدة ترويها «الأيام» لأول مرة

تقرير/ خاص

مآس إنسانية في الحديدة ترويها «الأيام» لأول مرة
مآس إنسانية في الحديدة ترويها «الأيام» لأول مرة
مواطنون: الميليشيات تقصفنا وتهددنا بعدم كشف الحقائق

من ينقذ الحديدة؟ تساؤل طرحه أحد مواطني محافظة الحديدة لـ “الأيام” في بدء حديثه عن معاناة أهالي المحافظة جراء الحرب التي طال أمدها ولا انفراجة قريبة تلوح في الأفق، وأضاف بينما كان يتجول في الحي الذي يسكن فيه: ما لنا غير الله.. هنا توفت سلمى برصاص معدل، وطفلان توفيا بمرض الكوليرا، وجارة أخرى قتلتها قذيفة، وأنا سأتوفى بسبب الجوع”.
حكايات وقصص تلخص المشهد المأساوي الذي بات يعيشه أبناء هذه المحافظة، الذين عُرف عنهم البساطة والسلام، منذ أربع سنين بسبب الحرب التي أهلكت الحرث والنسل.

وفي الوقت الذي التزمت فيه القوات المشتركة من الحسم العسكري وفقاً لاتفاق السويد، تزايد أعداد الضحايا في صفوف المواطنين جراء رصاص وقذائف المليشيات الانقلابية، كما رصد التحالف خروقات كثيرة لها، وجميعها لم تلقَ أي رد فعل من قِبل الأمم المتحدة، على الرغم من تعمّد الانقلابيين إطلاق قذائفهم على الأحياء السكنية، والتي يُعد حي الربصة بمديرية الحالي أبرزها من حيث الاستهداف والقصف العشوائي للميليشيات، كان آخرها سقوط قذيفة على أسرة، وهي آمنة في منزلها، راح أفرادها ما بين قتيل وجريح.

ضحايا قصف حوثي
يقول الأخ الأكبر في الأسرة: “كنتُ في البيت بمعية أمي وأبي وشقيقاتي وعند الساعة الواحدة والنصف ليلاً، وفي الوقت الذي كانت الدنيا هادئة، فجأة سمعنا صوتا غريبا وسبقه ريح قوي، كانت قذيفة قد سقطت على الشجرة الواقعة في حوش البيت، ومن ثم سقطت على المطبخ وهدمته كاملاً لكونه مبنيا من “الزنج”، فيما سقطت نصف القذيفة في زاوية الغرفة التي تتواجد فيها أمي وأخواتي، توفيت أمي في الحال وأغمي على شقيقاتي وظل والدي متسمراً في مكانه غير مستوعب لما حدث، ذهب في الحال ليجد أمي تنزف ورأسها قد شُج وأسنانها متناثرة حولها، كانت أختي تشكو من ظهرها وتصرخ أمي، وسرعان ما حضر الجيران، وتم أخذنا إلى المستشفى، وكانت أمي قد استشهدت، وأختي أصيبت بشظية بمكان خطير بجانب العمود الفقري، وجد الأطباء صعوبة في استخراجها حتى الآن، فيما أصيب والدي بيده اليمنى وبطنه بشظايا.. إنها فاجعة وصدمة بكل المقاييس”.

وأوضح عدد من جيران هذه الأسرة لـ “الأيام” أنه وصل طقم تابع للميليشيات بعد سقوط القذيفة مباشرة، ودخل أفراده إلى المنزل للبحث عن أجزاء القذيفة، واستمروا كثيراً بالبحث عن جزء معين منها، وكان هذا الجزء قد سقط في منزل أحد الجيران وقتل محمد ابنهم الوحيد.. فأخذوه مع توجيه تهديد للأهالي من الحديث عما حصل، كما طالبوا من الجميع، إن طلب منهم التحدث عما جرى، بأن يجيبوا بأن العدوان هو من استهدف منازلهم.

وفي حي النجدة توفت شابة برصاص معدل اخترقت شباك المنزل، في الوقت الذي كان والدها قد وصل منفذ الوديعة ذاهباً إلى السعودية حيث عمله، ليعود من هناك ليدفن ابنته التي تركها وهي تودعه ليعود هو ليودعها بكفنها المضرج بدمها.
كما حصدت الاشتباكات المستمرة أرواح الكثيرين من المواطنين في حارة الربصة القريبة من المطار، حيث ودع أبناؤها الإثنين الماضي ثلاث فتيات جراء قذيفة سقطت على منزلهم.

الحرمان من الخدمات
ومن يسلم في هذه المحافظة من آلة الحرب وقذائفها الطائشة والمتعمدة بالقنص أو الألغام، يكتوي بنيران الحرمان من الخدمات، لاسيما خدمة التيار الكهربائي، المنقطع عن المدينة المعروفة بدرجة حرارتها المرتفعة خصوصاً في فصل الصيف.
تسكن أم سلمى في منزل شعبي وسط المدينة، ونتيجة لانقطاع راتب زوجها العامل في صندوق النظافة والتحسين، لم تستطع شراء طاقة شمسية لتشغيل مروحة تغنيهم عن فناء المنزل الذي قد تصله بقايا قذيفة أو رصاصة على أفراد الأسرة، كما حصل للكثير من المواطنين.

وتقول في حديثها لـ “الأيام”: “أطفالي لا يقدروا يناموا في الحر بداخل الغرفة، ما في قدامي إلا نفرش الحوش وننام ونقول الله خير حافظ” وتضيف: “والله نخاف ونحن نسمع الاشتباكات وصوت الرصاص والمدافع لكن أيش نعمل حتى لو كانوا خلوا لنا الكهرباء والعة كنا شغلنا المكيفات ونمنا بغرفنا، الناس كلهم معرضون للموت، اللي يناموا بسطوح بيوتهم واللي يناموا بأحواشهم”.

ظروف معيشية صعبة
ويصف مواطنون في أحاديث لـ “الأيام” بأن الحديدة أصبحت مقبرة، ويسكنها الخوف من كل مكان بعد أن كانت شوارعها لا تنام، يقول أبو سلى، مالك ورشة: “كنتُ أعمل حتى الفجر، وماتزال الشوارع والعة والدنيا حياة، أما الآن أغلقت الورشة عند الساعة التاسعة مساء كحد أقصى، فيما يغلق الكثيرين محالهم التجارية في وقت مبكر”.
وقال زياد القدسي: “جاءت الحرب وقطعت أرزاق الناس، فمثلاً كان جاري محمد عيسى يعمل حتى منتصف الليل في بوفيته، ومن يخرج السوق في الفجر سيجد سامي بائع المخمر، وحالياً أصبحت الناس ما عاد قادرة على الشراء في النهار بسبب الفقر الذي حل بهم والخوف من الخروج ليلاً حتى لا يتم القبض عليهم من قبل ميليشيات الحوثي تحت ذريعة الاشتباه وما إلى ذلك والذين ينتهي بهم الأمر بالسجن في القلعة”.

ويضيف أكاديمي في جامعة الحديدة متسائلاً: هذه الانتهاكات والمجازر بحق المدنيين من يتحمل مسؤوليتها، هل المبعوث الأممي أم من أوقفوا المعركة بعد أن كانت على موعد مع النصر؟
 وزادت الحرب واشتد الخناق على المدينة من قبل الميليشيات من مضاعفة الحالة المعيشية لدى المواطنين، ولجأ بعض التجار وسائقو المركبات وسيارات الخضرة بالبحث عن بديل وطرق لتزويد أهالي المدينة بالبضائع والخضروات، وإيصال المساعدات، غير أن طول المسافة وبعد الطرق التي يسلكونها زادت من قيمة المواد الغذائية وغيرها.

كما تسبب الحرب بنزوح الكثير من الأطباء والتجار والمعلمين وفضل كثير النزوح نتيجة فرض الميليشيا عليهم ضرائب لمصلحة ما أسمته “المجهود الحربي”، الأمر الذي جعل الحصول على طبيب متمكن صعباً للغاية. فضلاً عما يتعرض له المواطنون من حرمان من المساعدات الإنسانية المقدمة لهم من المنظمات الدولية.​