قصة أول أمير عربي يردّ على الأتراك بالفُصحى!! (2-2)

عهد فاضل

قصة أول أمير عربي يردّ على الأتراك بالفُصحى!! (2-2)
قصة أول أمير عربي يردّ على الأتراك بالفُصحى!! (2-2)
التكلّم بالفصحى رداً على النفوذ التركي
لكن لِمَ كان حيص بيص يفعل كل ذلك: يتكلم بالفصحى، ويتزيّا بزي أعراب البوادي، ويتقلد سيفه أينما ذهب؟ وكيف تحول إلى نموذج تهزأ منه الناس، في الوقت الذي كان فيه نموذج لشيء مناقض تماماً؟
توضح المصادر العربية، أن حيص بيص كان يتعمّد التحدث بالفصحى، وارتداء زي العرب، رداً منه على النفوذ الأجنبي التركي في الدولة العربية، كما تقول المصادر، ومنها الحديثة التي جمعت ديوانه كاملاً.

كان حيص بيص يعيش في عز الدولة السلجوقية التي سيطر فيها العنصر التركي على جميع مرافق الدولة العربية في بغداد، ويبدو أن تكلّمه بالفصحى، كان تفاصحاً يتقصد منه إبراز الهوية العربية للدولة، ومنه حرصه على ارتداء زي أعراب البادية وتعليق سيفه على خصره أينما ذهب.
وجاء في دراسة مطولة أجراها المحققان العراقيان مكي السيد جاسم وشاكر هادي شكر في تقديمهما ديوانه عام 1974، أن حيص بيص الذي يتزيا بزي عرب البادية ويتكلم باللهجة البدوية الفصيحة، ويتقلّد السيف أنى ذهب، ويبدو في شعره كما لو أنه “أعرابيّ”، وتظهر قصائده كما لو أنها مكتوبة في صدر الإسلام أو العصر الجاهلي، فإن كل ذلك سببه ردّ فعل لما أحدثه عصره في نفسه من نقمة ومرارة، لغلبة العنصر التركي على كل ما في البلاد من أمور السياسة والاقتصاد.

كان حيص بيص يمارس نوعاً من المواجهة غير السياسية، مع التغوّل التركي في بلاده، وهذا هو سبب تعمده ارتداء زي البادية العربية واستعمال الفصحى حتى لو “تقعّر” في كلامه، كما كان يوسم في بعض المصنفات القديمة.
وبالاستناد إلى جملة من مصادر الإخباريين والرواة العرب، فإن محققي ديوان حيص بيص، ينقّحون ما وهم به مصنفون آخرون استغربوا تكلّمه بالمُعرَب كما يقول ياقوت الحموي، أو بالكلام العربي، كما يقول ابن خلكان. لقد كان الرجل يتعمد أن يبدو في صورته تلك، كما لو أنه خارج زمنه، كان يواجه السيطرة التركية على مقاليد البلاد، بترويج لغة العرب وحتى أزيائهم، بل إنه كان يكتب الشعر كما كانوا يكتبونه في صدر الإسلام أو ما قبله في العصر الجاهلي “فكان قصارى ما يستطيع فعله، أن يبذل كل ما في جهده لإبراز الشخصية العربية ممثلة في شخصه”.

الأمير يعيش مجازفة
هكذا يظهر أن السمات الشخصية لحيص بيص، والمسمّى أميراً بمرسوم، وظهوره بمظهر الخارج عن زمنه، كانت متعمدة وردّ فعل، باستعماله الفصحى رداً على النفوذ التركي وقتذاك، ولم تكن سلوكاً يجيء عفو الخاطر، خاصة أنه كان يتكلم بالفصحى حتى بين عامة الناس، وكانت إحدى تلك الجُمل لقباً عليه وصارت اسماً له (حيص بيص).
ومن الجدير بالذكر، أن إطلاق لقب حيص بيص، على الأمير الشاعر، لم يكن محاولة التشويه الوحيدة المقصودة التي تعرض لها، بل تم اختلاق قصة ملفقة عليه للتقليل من شأنه وتشويه صورته بين الناس، وهي بأنه قام بقتل كلب يعوي عليه، بسيفه الذي لا يفارق خصره، وهي قصة وضعها صاحبه “خبيث اللسان” الطبيب هبة الله بن الفضل.

ومن العبارات الشهيرة المنقولة عن لسانه، أنه إن سئل عُمره يقول: “أنا أعيش في الدنيا، مجازفة”، كما ورد في (وفيات الأعيان) الذي سبق وميّزه بالفصحى، وها هو يميزه بعربيّته أيضاً “وكان يلبس زيّ العرب، ويتقلَّد سيفاً”.