صيام الأطفال في مدارس ألمانيا.. البعض يراه عقوبة وآخرون دافعا «للتعايش»

تقرير/ أدونيس الخالد

أطفال «الثقافة الثالثة» بين تشجيع بعض أسرهم لهم على الصيام ورفض سياسي ألماني حرصاً على صحتهم.
هل يجب على الأطفال الصيام أصلاً؟ وما هي ملاحظات المعلمين في المدارس؟

«شكراً للنصيحة اللطيفة، ولكن سأصوم لأنه ديني، وهذا قراري الشخصي وأنا راض». هكذا يرد الشاب السوري اليافع شريف، عندما سُئل عن تجربته في صيام رمضان في ألمانيا. وصل شريف (14 عاماً)، قبل ثلاث سنوات ونصف إلى إحدى مدن ولاية شمالي الراين وستفاليا، ومنذ وصوله يحاول التأقلم مع ثقافة جديدة.
«أحياناً لا يتم مراعاة حقيقة أنني صائم في المدرسة، ففي إحدى الحصص (اقتصاد المنزل) التي يتوجب علينا فيها الطبخ، حاولت الاعتذار عن الحصة لأنه من الصعب علي شم رائحة الطعام خلال الصيام، لكن عدم المشاركة كان سيقابل بعلامات سيئة، ما أجبرني على المشاركة»، يقول شريف.

يواجه الأطفال مع بداية شهر رمضان في العالم، وبالتحديد المقيمين في ألمانيا، تحدياً كبيراً يتمثل بجدل سياسي حول صيامهم.
وزيرة الأسرة الألمانية فرانسيسكا جيفري (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) ترفض بشكل كلي إجبار أطفال المدارس على الصيام، وقالت الوزيرة في حوار مع صحيفة «دي فيلت»: «يحتاج الأطفال للشرب والأكل بانتظام، وإلا فإنهم سيفقدون التركيز في الدراسة، ويتأثر نموهم بشكل سلبي، وهذا الأمر ينطبق أيضاً في شهر رمضان». أما وزيرة العدل في ولاية هيسن الألمانية، إيفا كونيه هيرمان، فقد ذهبت خطوة أبعد من ذلك في تصريحاتها حول تأييدها معاقبة الأهالي الذين يجبرون أطفالهم على الصيام في ألمانيا وقالت في حوار مع صحيفة «بيلد» الألمانية: «إن من يدفع الأطفال الصغار إلى الصيام في رمضان، يمارس ضغطاً خطيراً على صحتهم». ويمكن أن تصل عقوبة هؤلاء الأهالي إلى 3 سنوات سجن.

الأطفال غير مطالبين بالصيام
رئيس مجلس المسلمين الأعلى في ولاية ساكسونيا السفلى، د. صادق الموصللي، لا يرى أن التصريحات الرافضة لصيام الأطفال أمر يتعارض مع حرية ممارسة الدين في ألمانيا، ولكنه يرى أنها قد تؤجج الاستقطاب في المجتمع. وقال في تصريح خاص لـ DW عربية: «الأطفال غير مفروض عليهم الصيام أساساً، إذا وجد هناك أسر تريد أن تدرب أطفالها على الصيام فهذا يكون في الغالب في أيام العطل لكي لا تؤثر على دراسة الطفل أو صحته، فالحفاظ على صحة الطفل هو أمر أساسي».

من جهة أخرى، تلفت رندة تلمودي، مدرسة ثانوية في مدينة كولونيا من أصول تونسية، إلى أن تأثير زملاء الصف الواحد يجب أن يكون محط نقاش أيضا، فبعض أسر الأطفال ليست متشددة ولا تطالبهم بالصيام، لكن زملاءهم من أسر متشددة يمارسون الضغط عليهم في المدرسة مما يجبرهم على الصيام، في بعض الأحيان يخرج الطالب من المدرسة أكثر تشدداً إسلامياً مما كانوا عليه مع أسرهم، ففي المدرسة تلعب المجموعة دوراً في ذلك أيضا».

وتلاحظ تلمودي تفاوت أداء التلاميذ الصائمين واختلاف إيقاع تفاعلهم اليومي بسبب ساعات الصيام الطويلة جداً في ألمانيا، والتي تصل إلى 16 ساعة، بالإضافة لقلة النوم بسبب الإفطار المتأخر أو بسبب السحور. وتضيف تالمودي: «التعب يبدو واضحاً بشكل خاص على محترفي كرة القدم الذين يتوجب عليهم إكمال التدريبات خلال رمضان». أمرٌ تطرق إليه أيضاً «الاتحاد الألماني لحماية الأطفال» حين أوضح أن المدارس والأندية الرياضية ملزمة بالتدخل إذا لمست تأثيرات صحية سلبية على الأطفال خلال شهر رمضان، مشيراً إلى أنه في مثل هذه الحالات يكون من المجدي أن يبحث الآباء مع أطفالهم عن حل ممكن، كأن يصوم الأطفال بضع ساعات فقط في اليوم.

أما عن بعض المواقف التي قد تحدث بشكل عفوي في الصف، فتقول تلمودي: «اضطررت في بعض الحالات للتدخل، فأحد الطلاب قام بشكل عفوي بتقديم الحلوى لطالب مسلم صائم كان جالساً بجانبه ما أثار سوء تفاهم، لذلك كان يتوجب علي الشرح قليلاً ماذا يعني أن يصوم المرء، أحاول كمدرسة عدم التطرق لذلك إلا في حال وجود حالة تستوجب ذلك، فبعضهم لا يفضل مناقشة صيامهم أو عقيدتهم. وأنا حريصة على خصوصيتهم وقراراتهم الشخصية».

الصيام يساعد على الاندماج
بعيداً عن الجدل الديني والسياسي حول صيام الأطفال، يرى د. صادق الموصللي أن الصيام لا يشكل أي عقبة في طريق الاندماج «سواءً من تجربتي الشخصية أو تجربة أطفالي لا يؤثر الصيام سلباً على عمليه اندماجهم مع زملائهم من أديان وثقافات أخرى، بل على العكس يشكل هذا الأمر مناسبة للحديث، وبالتالي الصيام يساعد على الاندماج من خلال فهمهم لبعضهم البعض في المدرسة».

ويشير د. الموصللي إلى نجاح الكثير من أطفال المسلمين في المجتمع الألماني ودخولهم سوق العمل في مختلف التخصصات الأكاديمية والفنية.
أما رندة تلمودي فإنها تفضل من جهتها استخدام مصطلح (العيش المشترك) بدلاً من الاندماج، وتؤكد على أهمية النقاش في هكذا مواضيع ولكن دون المبالغة فيه، غير أن شريف، طالب المدرسة اليافع، لم يفهم معنى كلمة «اندماج»، بل يجد بالصيام فرصة حقيقية للشعور بالفقراء «إنه من الجيد أن أضع نفسي في مكان الفقراء في أفريقيا. حيث لا يجدون ما يأكلون».

وزيرة العدل، إيفا كونيه هيرمان، في ولاية هيسن أشارت إلى المادة (171) من قانون العقوبات الألماني، القاضي بمعاقبة أهالي الأطفال الذين يخالفون واجب رعاية أطفالهم. وقالت: «إن هذه المادة لا تكفي لتأمين الحماية الكاملة للأطفال والشبان لنمو شخصيتهم وتطورها بدون عوائق»، وذلك في حوار مع صحيفة «بيلد».
وجاء في حوار وزيرة العدل في ولاية هيسن مع الصحيفة الألمانية، أن إجبار الأطفال على الصيام يشكل خطراً على صحتهم، وقالت: «يجب محاكمة الأهالي الذين يربون أطفالهم على التعصب الديني».

وفي هذا السياق يشير د. الموصللي قائلاً: «أعتقد أن هناك نقطة هامة جداً في هذا الموضوع، وهي أن عملية التربية والتعليم في البيت مكفولة للعائلة بالدستور الألماني. ولا يسمح لأحد التدخل فيها إلا إذا وجد هناك خطر داهم».

* نقلاً عن DW عربية

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى