رمضان في لحج.. طقوس وموائد خاصة

تقرير/ هشام عطيري

هناك الكثير من العادات والتقاليد الدينية التي تشهدها مدينة الحوطة وضواحيها بمحافظة لحج أثناء استقبال شهر رمضان الفضيل كموروث ديني، غير أن بعض هذه العادات والتقاليد الروحانية اختفت وانتهت بمرور الزمن وتغيّر حال المجتمع بفعل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن البسيط، فيما ما تزال الأسر اللحجية متمسكة بالأخرى حتى اليوم.
ويوضح الباحث والمهتم بالتراث اللحجي، محسن كرد، أن «ليالي رمضان كان لها في الماضي جو وروحانية خاصة لدى أبناء المحافظة وقراها المنتشرة، بدءاً بالترحيب بقدوم الشهر من قبل فقهاء وأئمة المساجد، فيما تسود بين الناس أجواء التسامح والعفو وتصفية القلوب والتعامل برقي، مع البعد عن الغلو والتطرف والإرهاب والتكفير للآخرين».

ويضيف بشيء من التفصيل عن العادات المتبعة في شهر الصيام بالقول: «كل البيوت في هذه المدينة يتنافسون في رمضان بإعداد وجبات الإفطار المحلية ويتبادلونها فيما بينهم، وهذه العادة لم تكن مقتصرة على الأهالي فحسب بل حتى في بيوت السلاطين والأمراء، حيث تخرج وجبات الإفطار من البيوت لإطعام الفقراء، وعند قرب الإفطار يطلق مدفع رمضان والذي كان يقع بجانب ملعب قصر الروضة قصر السلطان الثائر علي عبدالكريم العبدلي رحمة الله ( كلية الزراعة حالياً)، وهو ما يجعل المرء يشعر وكأن أهالي الحوطة وقراها أسرة واحدة وبيت واحد».

ويشير كرد  في حديثه لـ «الأيام» إلى أن مدينة الحوطة كانت عامرة في شهر رمضان، من خلال مجالس الذكر وأحاديث دينية وسرد القصص بعد الانتهاء من صلاة التراويح، وإذا ما حلّ وقت السحور يقوم المُسحراتي  (سالمين) وآخر يدعى (السليط) بالطواف في أحياء وحارات المدينة لتنبيه النائمين بموعد تناول وجبة السحور، وهو يدق على الطبلة وينادي بصوته القوي (سحورك يا صائم)، وعند مروره أمام المنازل يُقدم له وجبة السحور، وعندما يحين وقت الفجر يطلق المدفع طلقة الإمساك للصيام، موضحاً أن أحد أسباب انتهاء هذه العادات والتقاليد الرمضانية وهو أن الجيل الجديد لم يعد يتعامل مع هذه العادات كجيل الآباء والأجداد الذين كانوا يتعاملون معها كتقاليد وعادات دينية واجتماعية وموروثات ثقافية.

التخلي عن العادات المتبعة
وأكد المخرج الإذاعي أحمد محبوب أن «ظروف البلاد الحالية وما تشهده من حرب تشنها المليشيات الحوثية للسنة الخامسة على التوالي، أثرت تأثيراً كبيراً على حياة الناس، وأجبرت بعضهم على شطب الكثير من تلك العادات والتقاليد من قاموسهم».
وأضاف لـ «الأيام»: «يكتفي المواطنون باستقبالهم هذا الشهر الفضيل بالعقيدة ويتركون غيرها، فحالياً لا يفكرون إلا بأبنائِهم الذين يقاتلون في الجبهات دفاعاً عن وطنهم وعقيدتهم، فالجميع في دعاء مستمر بأن ينصرهم الله على تلك المليشيات الإرهابية، وهذا ما شغلهم كثيراً وجعلهم منهمكين بما هم فيه، وترك تلك العادات والتقاليد التي كانوا يحيونها ويستقبلون بها هذا الشهر، كما أن هذه الحرب الدائرة هي التي أجبرتهم على التخلي عن تلك الموروثات الدينية التي كانت سائدة فيما مضى، فضلاً عن الغلاء الفاحش الذي شمل جميع المنتجات الاستهلاكية وغيرها، حتى أصبح الكل لا يفكر إلا بتدبير لقمة العيش له ولأولاده».

وعبّر محبوب عن أمله بانتهاء الحرب والانتصار على المليشيات لتعود الأوضاع في مدينة الحوطة المحروسة وضواحيها إلى سابق عهدها.

ظروف مادية صعبة
وأرجع الشخصية الاجتماعية فضل العجيلي، غياب الموروث الديني خلال الشهر الفضيل لهذا العام، إلى الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة في حياة المواطنين البسطاء في المدينة وضواحيها.
وقال: «في الماضي البعيد لم تكن الظروف الاقتصادية بأفضل من الوقت الحاضر ولكن نرى أن ثقافاتنا الموروثة، سواءً الدينية أو الشعبية أو الثقافية باتت تتراجع وتكاد تختفي إن لم نقل إنها اختفت»، معيداً أحد أسباب التراجع الحاصل لهذه العادات الرمضانية إلى «تطبع الأجيال المتعاقبة بثقافات دخيلة على المجتمع الإسلامي».

«وجهاً مشرقاً»
الشخصية الأدبية ورئيس فرع اتحاد أدباء الجنوب بلحج محمود المداوي قال: «حتى فترة قريبة كان للعادات والتقاليد حضورها الجميل في حياة بنات وأبناء المحافظة، غير أن هذه العادات والتقاليد شهدت تراجعاً ملحوظاً بعد حرب عام 94م، بسبب الأفكار الخاطئة التي حملتها الأحزاب المتشددة والتي ما برحت تهيمن على كثير من عقول الشباب حتى اللحظة الراهنة، مما أدى إلى غياب المبادرة الذاتية الفردية والجماعية على حد سواء، لإحياء تلك العادات والتقاليد والتي تعد وجهاً مشرقاً لمدنية لحج وحضارتها».

ولفت إلى أن احتفاء الإنسان اللحجي بالشهر الفضيل شمل مواضع متعددة ولم يتوقف على فئة عمرية محددة بعينها، تضمنت عادات وتقاليد وفنون إبداعية تتمثل في التهيئة والإعداد الجمعي من قبل دخول شهر رمضان، بدءاً من الأيام الأخيرة لشهر شعبان، مادياً وذلك بتوفير الاحتياجات الضرورية للعديد من المأكولات الشعبية، التي تزخر بها البيت اللحجي، المتوارثة جيلاً وراء جيل.
وأوضح المداوي لـ «الأيام» أن «هناك المتوارث من العادات والتقاليد معنوياً كالألعاب والأهازيج الطفولية التي تبعث بمعاني الفرح والابتهاج، مواكبة لتلك التحضيرات منذ بداية شهر رمضان وحتى نهايته، إضافة إلى إقامة المنتديات الشعبية (المبارز) التي كان لها برامجها الخاصة في بمثابة لمّ شمل الناس ومن عينات وفئات مختلفة في جلسات وحلقات يتم فيها التثقيف بالكتب الدينية، وأيضاً بقراءة الكتب الأدبية، وأيضا كان للمقاهي في لحج نفس الدور الثقافي»، مؤكداً بأن الموروث الشعبي لا يمكن له أن يختفي ويندثر متى ما كان له حضوره في ذاكرة أهل المكان، وأهل لحج هم أهل تراث ثقافي زاخر، وهو جزء من شخصيتهم وهويتهم الاجتماعية.

وجل ما نأمله هو أن يتم إحياء هذه الهوية والعمل على تشجيع الأجيال الصاعدة على ذلك تربوياً وثقافياً.