في ظلال آية

قال الله تعالى في كتابه الكريم في سورة النور: "الله نور السَّماواتِ والأرض مَثَلُ نورهِ كَمشكاةٍ فيها مِصباحٌ المصباحُ في زجاجةٍ الزُّجاجةُ كأنّها كوكبٌ دُرِّيٌ يُوقَدُ من شجرةٍ مُباركةٍ زيتُونةٍ لا شرقيّةٍ ولا غربيّةٍ يكادُ زيتُها يُضيءُ ولو لم تَمسسهُ نارٌ نورٌ على نورٍ يهدي الله لِنورهِ من يشاء ويضرب اللهُ الأمثال للنَّاسِ واللهُ بكل شيءٍ عليمٌ".

وقد حملت هذه الآية الكثير من المعاني والصور، وإعجازًا علميًا، إذ تحدث الله تعالى في هذه الآية عن نوره، وشبه نوره بالمصباح الذي وقوده الزيت، الذي ينبعث منه الضوء، وأنّ هذا الزيت يكاد يبث الأشعة الضوئية، وقد فسّر الكثير من الصحابة والعلماء هذه الآية الكريمة بعدة تفسيرات سيتحدث هذا المقال عن بعضًا منها.

جاء تفسير الآية الكريمة كالتالي: "اللهُ نور السَّماوات والأرض": فسر الصحابة عليهم السلام هذه الآية بأنّ الله هادي أهل السموات والأرض، وهو الذي يدبر الأمر فيهما، أيّ يعني النجوم والقمر والشمس، وفسرها البعض بأنّ الله يقصد بها المؤمن الذي جعل الله والقرآن في صدره. "مَثَلُ نوره": وفسرها الصحابة على أنّ الضمير يحمل قولين: الأول أنّه عائد لله تعالى، وعن هُداه في القلب المؤمن "كمشكاه"، والثاني أنّ الضمير عائدٌ للمؤمن الذي ذُكر في سياق الكلام، أي مَثل نور المؤمن الذي في قلبه، كمشكاة، فشبه قلب المؤمن الصافي بقنديل زجاجه شفاف، وما يستهديه من القرآن كالزيت الذي هو وقود للقنديل. "كَمِشكاةٍ": ويقصد بها الكوة التي لا منفذ لها، تكون في الجدار ويوضع فيها المصباح، لينعكس النور، وقيل أيضًا عن ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن كعب: أنّ المشكاة هنا يقصد بها موضع الفتيلة من القنديل، وهذا القول أولى؛ لأنّ الله تعالى قال: "كمشكاة فيها مصباح" أي أنّ المصباح هنا هو النور الذي في الذبالة. "المصباح في زجاجة": أي الضوء المشرق في زجاجة صافية، وواضحة. "كَأنّها كَوكَبٌ دُرٍّيٌ": ويقصد بها أنّ المصباح شديد الإنارة، ونُسب إلى الدر لشدة صفائه وحسنه، حتى إنّ كان الكوكب أكثر نورًا من الدر، لكنه يفضل الكواكب بضيائه. "يُوقَد من شَجرةٍ مباركةٍ زيتونةٍ": أي أنّ المصباح يستمد نوره من زيت زيتون شجرة مباركة.

 "لا شرقيّةٍ ولا غربيّةٍ": أي أنّ الشجرة تقع في مكان متوسط، وتتعرض للشمس نهارًا وليلًا، لا هي في شرقي بقعتها فلا تصل إليها الشمس من أول النهار، ولا في غربي بقعتها فلا تصيبها الشمس قبل الغروب، لذلك يكون زيتها مميزًا، وصافيًا ومباركًا، وقال بعض الصحابة، أنّ هذه الشجرة تكون في الصحراء، ولا يظلها شيء. "يَكادُ زيتُها يضيء ولو لَم تَمسَسه نارٌ": ويُقصد بها أنّ زيتها يضيء من صفاوته، حتى وإن لم تمسسه نار. "نورٌ على نور": قال العوفي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: يعني بذلك إيمان العبد وعمله، وقيل: يقصد بنور المصباح على نور الزجاجة، وقيل عن السدي: إنّه نور النار ونور الزيت، إذ لا يضيء واحد منهما دون الآخر. "يهدي اللهُ لنورهِ من يشاء": أي أنّ الله يُرشد إلى هدايته من يشاء من عباده، لنوره: أي لدين الإسلام، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد أنّه عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنّ الله خلق خَلقه في ظلمه، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذٍ، فمن أصاب يومئذٍ من نوره اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله عز وجل".
"يضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم": أي أنّ الله تعالى ذكر هذا المثال للناس؛ لتسهيل سبل الإدراك، وأنّه يعلم لمن ذكر هذا المثال فهو العالم من يستحق الهداية، ومن لا يستحقها.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى