الأمطار في عدن تكشف المستور

تقرير: محيي الدين الشوتري/ فردوس العلمي/ وئـام نجيب

الأمطار تغرق عدن وتكشف رداءة التنفيذ بمشاريع الطرقات ومدى المتاجرة بها

عاشت العاصمة عدن، مساء السبت الماضي، ليلة عصيبة عقب وصول المنخفض الجوي للمدينة وتساقط الأمطار الغزيرة مصحوباً برياح شديدة فاقت توقعات خبراء الطقس الذين لم يتوقعوا تساقط الأمطار بهذه الشدة لتبلغ كمية الأمطار وحدها في المدينة بحسب محطات الرصد 77 مليمتر، وهي النسبة الأعلى المسجلة في عموم اليمن مساء السبت، وكشفت الأمطار جملة من العيوب التي تعاني منها المدينة، حيث غاب التيار الكهربائي لساعات طويلة عن المدينة، كما غابت المياه لتصدر الحكومة بياناً بعدها، عدن والمناطق المجاورة لها مناطق منكوبة لتطلب الإغاثة من المنظمات الدولية الأمر الذي ولّد حالة من السخط والاستياء العام في المدينة إزاء تعامل الجهات الحكومية كجهة مسؤولية مع هذه الكارثة، والتي تسببت بكارثة بشرية وبيئية واسعة في المدينة سقط خلالها ثلاثة ضحايا وسط مخاوف من ضرب حمى الضنك للمدينة بقوة أكبر في ظل انتشار برك المياه الراكدة في أنحاء كثيرة من المدينة.


وأوضح الكاتب جمال باهرمز أن ما سببته الأمطار بعدن في السبت بالذات يعتبر كارثة بكل المقاييس لم تنكشف بعد أبعادها وآثارها على سكان المدينة وأحيائها وشوارعها ومتنفساتها ومبانيها وآثارها ومعالمها بشكل عام، ووفقاً لباهرمز، فإن السبب الأول الذي تسببت به الكارثة هو عدم الاهتمام بالبنية التحتية من قِبل كل حكومات صنعاء وعدن منذ بداية الوحدة، حيث كانوا دائماً يأتمروا للنافذين في نظام عفاش وعملا بقوله بأنه سيجعل من عدن قرية.

وأضاف باهرمز في حديثه لـ«الأيام» أنه في بعض الأحيان يأخذ الحياء بعض المسئولين المحليين حين تقع مثل هذه الكوارث ويبدؤون بالتحرك لإسكات الأصوات الغاضبة؛ لكن كعمل حقيقي وإستراتيجي وحلول مستدامة لا توجد، وأردف قائلا: “الحكومات مسئولة مباشرة لأنها لم تُهيأ مؤسسات الدفاع المدني، ولم تمنع وتحارب البناء العشوائي، والذي بسببه أيضاً انحصرت مياه الأمطار ولم تأخذ مجراها إلى البحار؛ بل عادت إلى الشوارع والمنازل والأحياء مسببة كوارث ستظهر بعد أيام.

وأشار باهرمز إلى أن “الحلول الترقيعية لن تجدي نفعاً وأمامنا مواسم منبئة باستمرار الأمطار، ولذا يجب إنشاء منظومة دفاع مدني وغرف مشتركة وفتح المنافذ والمعوقات لمياه الأمطار لتصريفها للبحار وللبيارات، وأن يساند ذلك نشاط مجتمعي كبير”.
 
بنية متهالكة
من جانبه، قال الناشط والكاتب أكرم المسلمي إن الحال اليمني بشكل عام والجنوبي بشكل خاص دائماً ما يبحث عن شخص يحمله سبب الفشل أكان فشل شخصي أو مجتمعي، ولا وجود لروح المبادرة أو التغيير، واستطرد بالقول: “شهداء وجرحى ضحوا بأنفسهم من أجل وطنهم وأصبحت أسرهم لا تجد حقوقها، ورغم ذلك يظل المجتمع صامتاً، وعامل نظافة ضحى بسنوات عمره في خدمة مجتمعه وعند وفاته ينقلون جثته للدفن بسيارة نظافة بدون أي مراعاة وشعور لآدميته، والمجتمع صامت وكأن شيئاً لم يحدث.


وتابع حديثه لـ«الأيام» بالقول: “مدينة كانت تسمى في فترات سابقة بلندن الصغرى تغرق اليوم بمياه أمطار لم يتجاوز هطولها ساعة زمن، ولولا لطف الله بنا لأصبحنا على حافة كارثة إنسانية بكل المقاييس، ولنكن صريحين؛ عدن بنيتها التحتية متهالكة إن لم تكن منتهية، لا وجود لمشاريع بنى تحتية حقيقية، اكتفت الحكومات المتعاقبة بما بنته بريطانيا رغم أن سكان عدن في العشرين سنة الأخيرة صاروا عشرات الأضعاف بالإضافة للبناء العشوائي والبناء في ممرات ومخارج السيول البدائية، ناهيك عن عدم وجود لمشاريع حقيقية لتصريف مياه الأمطار رغم أن هناك مليارات صرفت في مشاريع سفلتة الشوارع، والذي لا يكاد يمر عام حتى أعادوا سفلتتها مره أخرى، فإن دل ذلك إنما يدل على حجم الفساد المستشري في كلاً من مكتب محافظ عدن قطاع المشاريع ووزارة الأشغال العامة والطرق والحكومة الشرعية بشكل عام”.


وأبدى المسلمي استغرابه من غياب دور الجهات الحكومية ممثلة بمحافظ عدن سالمين عن الكارثة البيئية التي تعرضت لها عدن جراء الأمطار والرياح، مضيفاً: “لم نسمع تصريحاً رسمياً أو تنبيهات مسبقة لأخذ الحيطة والحذر، لاسيما وأن الأمطار كانت غزيرة وأدت لانقطاع مفاجئ للتيار الكهربائي وصعوبة في الحركة والتواصل مع مديريات عدن الأخرى، ناهيك عن تهدم وتضرر منازل ومحلات تجارية وتلف بعض الطرقات العامة، ولا وجود لتصريح رسمي عن عدد الوفيات والجرحى، لا وجود لغرف عمليات مشتركة تربط كافة مديريات عدن ببعضها تحسباً لكل طارئ”.

الحرمان من أبسط الحقوق
وقال الناشط فيصل الدقم إنه “طيلة الفترة السابقة وخاصة بعد الحرب كانت عدن وما زالت تُعاني من عدم وجود مسئول ينتشلها من وضعها المزري، فالناس استبشرت خيراً بعد خروج الحوثيين منها بأن التحالف سوف يقدم لها الدعم غير المحدود لتكون نموذجاً لباقي مدن اليمن؛ ولكن الحقيقة كانت مغايرة للأحلام الوردية التي لطالما حلمت بها الناس، فأصبحت عدن مرتعاً للفساد والنهب والسرقة، ومن طلع مسئول عمل فقط لملء خزينته من أموال الدولة، فلا يوجد شارع في عدن إلا وفيه طفح للمجاري والحفر”.

وتابع: “عدن ما زالت تقدم خيرة شبابها في الجبهات، ولكن أسرهم تعاني من أبسط الحقوق المعيشية من ماء وكهرباء، وتحولت الأمطار مؤخراً إلى نقمة للمواطن فيها بسبب سوء الإدارة من الحكومة والسلطة المحلية في عدن، فلا يوجد شارع فيه خدمات تصريف للمياه، فعدن بمجرد سقوط الأمطار تتحول إلى برك ومستنقعات لتراكم البعوض مما ينتج الأمراض والأوبئة للمواطن فيها وتحصل الوفيات بسبب الأمراض الناتجة عن البعوض القاتل”.

غياب التخطيط السليم
وأرجع يسار فضل المأساة الكبيرة التي سببتها الأمطار في المدينة إلى عدم التخطيط الصحيح والسليم في وضع تصريف للمياه نحو مصارفها المناسبة، بالإضافة إلى عدم وجود إمكانيات مادية مناسبة ومتطورة في الدفاع المدني وعدم التأهيل المناسب لرجال الدفاع المدني، ناهيك عن البناء العشوائي من خلال البناء في الجبال وغياب الخطط المدروسة وتجهيزه من قِبل السلطات المحلية والاستعداد اللازمة لمجابهة مثل هذه الطوارئ.

أما الباحث د. مختار المشوشي فأكد أنه لا يمكن تحميل هذه الأضرار التي خلفتها الأمطار غير الدولة لكن الدولة في مثل هذه الظروف لها مبرراتها ناهيك على أن الحلول المتاحة هي الحلول الإسعافية كشفط المياه والرش للشوارع، أما الحلول الجذرية فتحتاج إلى دراسات لمشاريع ووقت وإمكانيات للتنفيذ.

كريتر القطيع
كريتر القطيع

ولفت المشوشي في حديثه لـ«الأيام» إلى أن “الاستغلال السياسي لهذه الأحداث كان حاضراً من خلال التوظيف السياسي الذي يستخدمه الخصوم ضد بعضهم وتباكٍ أمام المواطن كبكاء التماسيح”.

أضرار كبيرة
وتسببت الأمطار في مديرية صيرة (كريتر) بأضرار كبيرة في مناطق القطيع وشِعب العيدروس والخساف، وامتلأت العديد من المنازل بالمياه والأوساخ والأتربة، كما تسببت بخسائر مادية في المنازل الأرضية والمحال التجارية.
وشرع العديد من المواطنين خلال السنين الماضية بالبناء على خط مجري السيول ونحت الجبال، وهو ما أدى إلى تضييق مجاري السيل.

المعلا
المعلا

في منطقة القطيع كان غضب الناس واضحاً تجاه قيادة المحافظة ومدير عام مديرية صيرة خالد سيدو، نتيجة لضعف المشاريع الخاصة بسفلتة الطرق، والتي تسببت في إخفاء الكثير من مسارب تصريف المياه في منطقة، وكذا ترك بقايا مخلفات الرصف في منتصف الطرقات وغياب الرقابة على المقاولين.

المواطنة فاطمة، أحد ساكني المنطقة، تعرض منزلها الأرضي لاجتياح مياه السيول لأكثر من غرفة، وهو ما أجبرها على نقل (عفش) البيت إلى الغرف الداخلية، مع تضطر الكثير من الأجهزة والكنب وبطاريات الشحن.

تقول فاطمة في حديثها لـ«الأيام»: “هذا حالنا.. حكومتنا كرّهتنا بالمطر، والعشوائية في سفلتة الطرقات الضعيفة قتلنا، وأقول لمن يقتسمون هبات المنظمات تحت مسمى بناء البنية التحتية لمدينة عدن وشوارعها، لو أعطوا مخصصات هذه المشاريع للأهالي لقاموا بالواجب في رصف طرقات هذه المنطقة، ونجوا من الخسائر التي تتسب بها مياه الأمطار في أجهزتهم وأثاثهم المنزلي، علماً بأن عمارة أحد الساكنين في المنطقة تعرض سقفها للسقوط نتيجة هذا المطر، ونخشى أن تتكرر هذه المأساة في المنازل الأخرى”.


وأخذ بأطراف الحديث أحد المواطنين وأضاف: “عملية رصف الطرقات لم تكن بالمستوى المطلوب، وكما هو معروف منطقة القطيع منخفضة مما جعلها مكاناً لتجميع المياه.. وحالياً نجد صعوبة في العبور بل حتى الخروج من منازلنا”.
مديرية المعلا هي الأخرى تعرضت العديد من مناطقها لأضرار كبيرة جراء تساقط الأمطار الغزيرة خلال الأيام الماضية، وكان لمنطقة “الكبسة” وبعض الطرقات الرئيسة والخلفية والدائري نصيب وافر من الخراب.

د. أنهار فيصل قائد تعرض منزلها للغرق بهذه المنطقة، وتتساءل متعجبة أن تغرق منطقة محايدة للبحر ورصيف المعلا.
وأوضحت لـ«الأيام» بأن السبب خلف ما حل بها ولآخرين في منطقة الكبسة هو الردم والبناء العشوائي، والذي أدى بالتالي إلى منع مرور المياه وتصريفها بشكل صحيح في المنطقة.

وتواصل بألم: “تركت الناس بيوتها وكل شيء فيها واكتفت بما عليها من ملابس.. وليس هناك من ألم كوجع أمي المقعدة وأنا أحملها بكرسيها والصعود بها إلى الطابق العلوي بعد أن غرقت غرفتها”.

ضعف الإمكانيات
من جهته، قال مدير عام مديرية صيرة، خالد سيدو: “قمنا بالنزول منذ الوهلة الأولى لسقوط المطر لعمل ما يتوجب علينا عمله في مثل هذه الظروف، وكانت فرق الطوارئ الخدمية تقوم بعملها على أكمل وجه من صرف صحي وكهرباء غير أن قلة الإمكانات وعدم توفر الآليات بشكل كامل خاصة سيارات الشفط وفتح السداد فضلاً عمّا تتصف به كريتر من خصوصية جبلية تؤدي إلى تجمع المياه ومن ثم انحدارها بقوة مشكلة سيول تتأثر جرائها بعض المناطق المنخفضة خاصة منطقتا القطيع والخساف، وتسببت ببطء شديد في تسريع العمل، ولكن مع هذا قام العمال كأفراد بمجهود جبار وبحضور القائم بأعمال المؤسسة شخصيا معنا بالموقع، وبالمجمل دون توفير الآليات الكافية وغياب الدعم المطلوب لمؤسسة المياه والصرف الصحي لن يستطيعوا أن يقوموا بواجبهم على أكمل وجه”.


وتمنى سيدو خلال تصريحه لـ«الأيام» أن يتم دعم الإخوان بالمؤسسة بالآليات المطلوبة وتوزيعها على مختلف المديريات بدل من أن تعمل كل مديرتين أو ثلاث بآليتين فقط، كما تمنى الابتعاد عن المركزية وإعطاء صلاحيات أوسع  للمديريات”.

غرق بعض البيوت
وقال الحاج عبدالرؤوف منصور عبدالجليل: “فاجأنا بهطول الأمطار بشكل قوي ولكون منزلنا أرضي ومنخفض تدفقت المياه إلى كافة أنحائه وشكلت بحيرة بداخله، وهو ما دفع بشباب الحي إلى مساعدتنا في إخراجه، بعد أن تدفقت بقوة من باب الحوش والمطبخ، مختلطة بمياه الصرف الصحي”.

وأضاف في حديثه لـ«الأيام» لقد تسبب بتلف بعض من المواد الغذائية والاستهلاكية والمشمع، لافتاً إلى أن سيارة الشفط إليه ولكن في وقت متأخر جداً”.

وقاطعت حديثه ابنته بالقول: “هناك تحذيرات أطلقها مركز الإرصاد الجوي من سابق حول حدوث منخفض جوي في العاصمة عدن، ولكن ما شهدناه هو عدم رفع الجاهزية وغفلة المسئولين في العسل، فبعد أن هطلت الأمطار وغرقت المناطق ومنازلها تحركت سيارة الشفط؛ بل وتأخرت بسبب قطع الطرقات العامة وإغلاق الشوارع، بل لم يعِ المسئولون بأن عدن باتت منكوبة جراء الأمطار، وبحسب ما يتداول أن المنخفض الجوي لا زال مستمراً بالأيام القادمة، وفي المرة القادمة حتماً سيغرق منزلنا”.

منزل أحد المواطنين من الداخل
منزل أحد المواطنين من الداخل
ولفتت إلى أن هذه الأمطار كشفت رداءة البنى التحتية في المدينة، مطالبة في الختام الجهات المعنية بإزالة كافة المنازل العشوائية التي تم بناؤها على مجرى السيل، وبفتح المجرى وتنظيفه وإعادة الشفاطات بالقرب من المنازل لتصريف مياه الأمطار التي تتدفق من أعالي الجبال”.

استياء ومخاوف
وعبّر العديد من المواطنين في أحاديث متفرقة لـ«الأيام» عن استيائهم جراء صمت الجهات المعنية بالأمر، وأضافوا: “لقد مضى يومان على هطول الأمطار، وما تزال الشوارع مليئة بمخلفات الأمطار ومياه الصرف الصحي وأكوام من القمامة”.
فيما أشار مالك بقالة صيرة إلى تراجع حركة البيع والشراء نتيجة لتجمع المياه بجانب بقالته”.​

خاص «الأيام»

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى