الأغاني الصباحية.. في مقبرة النسيان!

أحمد النظامي
أحمد النظامي
يوم أن كان الفن رسالة إنسانية سامية، يهدف إلى تنمية الذوق وتغذية الوجدان وتعزيز التربية الجمالية في النفوس، يومها ولدت الأغنية الصباحية كخفقات حيوية في قلب الأغنية بشكل عام، وقد لا يخلو مشوار أي فنان من تضمين ألبومه أغنية صباحية.

وبالتالي لا يخفى على أحد الدور الفني والقيمي الذي أسهمت به الأغنية الصباحية في تشكيل وتشذيب الوجدان الجماهيري، إذ تعد بمثابة كبسولات صباحية، أو فناجين بُن يرتشفها المتسمع في صباحات محشوة بالتفاؤل وقيم المحبة والتجلي وثقافة السلام.. كما مثلت رافدا مهما للمكتبة الإذاعية محليا وعربيا.

إنها بسملات الروح، وتراتيل الزمن الجميل، على ذبذباتها تطاير النعاس وتفتحت النوافذ، ودبت الحركة في المدائن والأرياف، بكل عنفوان التفاؤل، ذلك لأنها فلاشات عطرية، إذا سقطت على القلب لا تكسره ولا تخدشه، بل تسافر به في مقامات البهاء.

الأغاني الصباحية لا يكتبها إلا شاعر شاعر شاعر، ولا يغنيها إلا مطرب حقيقي يمتلك الحاسة العاشرة، وليس كالأصوات البلاستيكية اليوم التي تخدش طبقة الأذن.
كم تتقاذفك أمواج الدهشة وأنت تردد مع مطربة عدن الكبيرة صباح منصر:

يا حبيب يسعد صباحك
وترتشف أصابع الشمس، وتمضغ رائحة الضحى، وأنت تستمع للفنان محمد سعد عبدالله:
صباح الخير من بدري
أمانة شلها يا طير
وصحي اللي نوى هجري
وقل له يا صباح الخير
وتتقاذفك رعشة لا متناهية مع صوت العملاق أيوب طارش:
صباح الخير يا جنة فؤادي
صباح الخير يا كل الودادي
حينها تحس رموش قلبك تكتحل بزقزقة العصافير، ورنين الفراشات المتطايرة في صباحات الجمال.

وتطفئ فضول العطش مع الفنان هود العيدروس:
صباح الخير ي اجمل ما خلق ربي
قمر ليلي ونبض الحب في قلبي
وتحلق مع الفنان طلال مداح:
صبح صباح الخير
من غير ما يتكلم
ولما غنى الطير
ضحك لنا وسلم
وتدعو الأغنية الصباحية إلى ثقافة العمل وتجنب النوم والكسل، بالإضافة للاستمتاع بروائع الفجر:

صباح الخير
لأهل الخير
صباح نادي على الحلوين
وقم يا احمد
من المرقد
مع الشادي تكونوا اثنين
يا اخا النوم افق فالفجر لاح
ودع النوم فديك الفجر صاح
والعصافير على غصن الأقاح
عزفت احلى أغان للصباح
وغيرها الكثير والكثير من النماذج والأمثلة الحية والنابضة بالدعوة للحب..  للأرض.. للإنسان.. للطبيعة.. للسلام.. لتنمية الذوق العام.

اليوم اختفت الأغاني الصباحية من يومياتنا وجفت على أوتار فنانينا.. توارت خلف مقبرة النسيان؛ لتصبح مواجيدنا في صحارى الظمأ.
غابت الأغاني الصباحية وغاب معها التفاؤل، وتجعد وجه الشروق، وانكسر هديل الضوء، وتثاءبت السنابل في رحاب المدرجات.

غابت الأغاني الصباحية، لتحل محلها الأغاني الخشبية والوجبات السريعة التي تسبب المغص والكوليرا.
غابت الأغاني الصباحية لتحل معها الشيلات المدبلجة التي تستبيح القيم وتثير الغريزة وتستهتر بالفن والثقافة والذوق العام.

لا ندري لماذا يحجم شعراء وفنانو اليوم عن تناول مجالات الفن الصباحي، وفتح نوافذ تواكب مجريات العصر الذي أصبح بحاجة ملحة لمن يزرع تباشير الأمل في بواكير الصباح لشعب دائما يردد: «الظفر في البكر».
أصبح شعراء اليوم، ومعهم بعض الفنانين، متقوقعين في دائرة الفن السطحي والغرل الهابط حد الابتذال واللاهدف.. وهذا سر تراجع الأغنية في الوقت الراهن.

يبقى الأمل في بعض الفنانين الشباب، تجديد وتطوير هذا الفلك الجميل، كما هي دعوة للباحثين لتحقيق فتوحات ملفتة في فن «الأغنية الصباحية»؛ علما أن مثل هكذا مجال ما يزال بكرا من الدرجة الأولى.​