تاريخ من المحطات بين طهران وواشنطن.. من "الموت لأميركا" إلى "لا نريد حربا معها" (الجزء الأول)

أحمد الشيتي

بين أدبيات الموت لأميركا ولا نريد حرباً مع أميركا، تتضح سياسة إيران بلا "مكياج"، فمن أقصى درجات الكره التي تجسدت بعبارة "الموت لأميركا" إلى أعلى درجات الودية والوداعة "لا نريد حرباً مع أميركا"، وفي قصة هذا اليوم أنصح بالبحث جيداً بعد القراءة، فالموضوع لا يحتمل وجهات نظر متعددة بحسب رأيي ككاتب.
تبدأ قصة العلاقات الأميركية الإيرانية في التاريخ الحديث عام 1923، عندما أرسلت الولايات المتحدة آرثر سي ميلسبو مستشاراً للإصلاح المالي إلى بلاد فارس، كما كانت إيران معروفة آنذاك، لإحداث تغيير في بلد يعوقه عدم الكفاءة الإدارية، واستمرت المهمة حتى عام 1928

أوباما... والقنبلة النووية
وبعد 80 عاماً منذ ذلك التاريخ، يصبح الرئيس باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأميركية عام 2008 ليطلق للإيرانيين أرصدة مالية ضخمة من البنوك العالمية بعد الاتفاق النووي الذي عقده مع إيران. وأعلن الرئيس أوباما أن الاتفاقَ النووي مع إيران يوائم المصالح القومية الأميركية ويجعل العالم أكثر أمناً، وأشار بعد سبع سنوات من الرئاسة إلى أنّ الاتفاق مع طهران كان أولوية بالنسبة إلى واشنطن وللكثيرين من شركاء الولايات المتحدة، وأن الأمن القومي سيتهدَّدُ إذا امتلكت إيران قنبلة نووية.

وبعد 90 عاماً من نهاية خدمة آرثر سي ميلسبو، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق المبرم عام 2015 والذي اعتبره الديمقراطيون انتصاراً لسياسة أوباما الخارجية، وكان ينص الاتفاق الذي وُقّع بين إيران والدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن على التزام إيران التوقّف عن أي أعمال تخصيب في برنامجها النووي لـ 10 سنوات للحيلولة دون امتلاكها قدرة تطوير أسلحة نووية، أما حصّتها من كل هذا الاتفاق فكان رفع العقوبات عنها وإطلاق الأرصدة المجمدة والتي ساعدتها في بسط نفوذها في العراق وسوريا واليمن بحسب تقارير استخبارية رصدت نشاطاتها والميليشيات المرتبطة بها عسكرياً وعقدياً.

حزمة عقوبات
في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، أخذت الولايات المتحدة تطبّق حزمة عقوبات وصلت إلى قطاع النفط في إيران، وقامت واشنطن بإعفاء تسع دول وسمحت لها باستيراد النفط ظرفياً حتى تتمكّن من إيجاد مصادر بديلة عن النفط الإيراني، وبخلاف ذلك، ستواجه كل من (اليونان واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وإيطاليا وتركيا والصين والهند) عقوبات مالية.
 وفي 22 من أبريل (نيسان) 2019، طالبت الولايات المتحدة الدول التسع بالتوقف عن استيراد النفط الإيراني ملوحةً بالعقوبات في حال التعامل مع إيران.

أهم المحطات التاريخية بين إيران والولايات المتحدة
وفي عام 1951 قبل محاولة الانقلاب على النظام السياسي القائم في طهران، اجتمع مستشار الرئيس الأميركي للسياسة الخارجية هاري ترومان مع رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، وفي 20 أغسطس (آب) 1953 أعلن الانقلاب بعدما تبنت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية خطة بالتنسيق مع الاستخبارات البريطانية للإطاحة بالأخير، ووافق الرئيس دوايت أيزنهاور على خطة الخلع بسبب مخاوف بريطانية من صادرات النفط الإيراني وعلاقة رئيس الوزراء مع السوفيات، وأدى الانقلاب والإطاحة بالسيد مصدق، إلى أن يصبح الشاه محمد رضا بهلوي ملكاً لإيران.

اتفاقية تعاون نووية
وفي الخامس من مارس (آذار) 1957 وقّعت الولايات المتحدة وإيران اتفاقية نووية للتعاون، تنطوي على استخدام مدني للطاقة الذرية كجزء من برنامج الرئيس أيزنهاور، ويسمح للولايات المتحدة بتأجير كيلوغرامات عدة من اليورانيوم المخصّب إلى إيران ليدخل في الاستخدامات السلمية لهذه الطاقة.
وفي يوليو (تموز) 1968 وقّعت إيران على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وهي واحدة من بين 51 دولة وقّعت على هذه المعاهدة التي صادق عليها البرلمان في فبراير (شباط) 1970.

وفي 15 مايو (أيار) 1975 أمر الرئيس الأميركي جيرالد رودولف فورد أن تفتح الولايات المتحدة التكنولوجيات النووية لإيران في مذكرة عمّمها وزير الخارجية هنري كيسنجر، والتي "تسمح بتصنيع المواد التي ترسلها أميركا كوقود في إيران لاستخدامها في مفاعلاتها النووية".
كما يسمح للإيرانيين بشراء وتشغيل محطة إعادة تصنيع المواد النووية الأميركية الصنع لاستخراج مادة البلوتونيوم من وقود مفاعلها، وهذا ما أكده هنري كيسنجر في مقابلة مع صحيفة الـ "واشنطن بوست" عام 2005 واصفاً الصفقة بالقول "لقد كانت إيران دولة حليفة، وكانت هذه صفقة تحمل صفة تجارية، لم نسأل الإيرانيين يوماً ما إذا كانوا يتحركون لامتلاك أسلحة نووية".

الإطاحة بالشاه
وفي 16 يناير (كانون الثاني) 1979 أُطيح الشاه في ما سمّوها الثورة الإسلامية، وبعد ثلاثة أيام، كتب الخميني رجل الدين المنفي إلى الرئيس جيمي كارتر، ليصرح بهذا الرئيس الأميركي في مؤتمر صحافي له بعد أيام أعقبت الإطاحة بالشاه قائلاً "إن الشاه في مصر الآن، وسيأتي لاحقاً إلى بلدنا، لكننا نتوقع أن تكون علاقاتنا طيبة مع إيران ونأمل في أنها ستستمر في المستقبل على هذا النحو".

وفي 29 يناير 1979 أي بعد 12 يوماً من هرب الشاه، ألغى شاهبور بختيار رئيس وزراء إيران العمل بالمنشآت النووية قيد الإنشاء والتي قُدرت بقيمة 6.2 مليار دولار لغرض بناء محطتين للطاقة النووية، وقد أنفقت إيران 240 مليون دولار على تلك المصانع، في مقاطعة خوزستان الغنية بالنفط.

الخميني يصل إلى طهران
وفي شباط فبراير 1979 وصل الخميني إلى طهران آتياً من أم الليبرالية في العالم فرنسا ليدعو على الفور إلى طرد الأجانب من البلاد قائلاً "أدعو الله أن يقطع كل أيدي الأجانب الشريرين ومساعديهم". في إشارة واضحة إلى الغرب الذي احتواه في المنفى، لتقوم وزارة الخارجية الأميركية بإجلاء 1350 أميركياً هرباً من الحكومة الثيوقراطية التي لا تزال قائمة في السلطة حتى اليوم.

اقتحام السفارة الأميركية
وفي الرابع من نوفمبر1979، أظهرت محطات التلفزة العالمية صوراً لمسلحين إيرانيين يقتحمون السفارة الأميركية، البعض قال إنهم طلاب، وقنوات أخرى قالت إنها ميليشيات تابعة للنظام الثيوقراطي الجديد، احتُجز الموظفون الأميركيون كرهائن للضغط على الولايات المتحدة بغية إرجاع الشاه الذي كان مريضاً بالسرطان ويتلقى علاجه في أحد مستشفيات مدينة نيويورك، وقد حظيت هذه الأفعال بمباركة الخميني الذي جلب الهلاك إلى إيران والمنطقة بعد وصوله من فرنسا إلى بلاده.

أما رد الرئيس الأميركي كارتر فكان يقضي بعدم تسليم الشاه إلى إيران مع وقفٍ لكامل واردات النفط والتعاملات معها مطالباً طهران بإطلاق سراح المحتجزين الأميركيين. وهنا يأتي الرد الإيراني بإطلاق سراح 10 أميركيين ستة منهم من ذوي البشرة السمراء وأربع نساء، وكان رأي الخميني الفقهي أن الرجال من ذوي البشرة السمراء كانوا مُجبرين على العمل مع الحكومة الأميركية، وأن النساء من الضعفاء اللواتي لا طاقة لهنّ في تغيير نهج الأخيرة.

السلوك العدائي
الخميني كان يتصرف بطريقة غريبة وكأنه لم يقم في دولة أوروبية من قبل، أو أن التخطيط لمنطقة شرق أوسط جديد آنذاك، دفع الرجل ليسلك هذا السلوك العدائي في غضون بضعة أشهر منذ وصوله إلى بلاده في فبراير 1979 أي قبل 40 عاماً من يومنا هذا.
في 24 أبريل 1980 فشلت محاولة سرية لإنقاذ المحتجزين الأميركيين في طهران بدعم من الرئيس كارتر الذي أطلق عليها اسم ديزرت وان، وقُتل ثمانية من قوات الكوماندوس الأميركية، وبعد المحاولة الفاشلة واستمرار احتجاز الرهائن، تضررت العلاقات الثنائية بين البلدين بشكل كبير.
«اندبندنت عربية»

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى