إستراتيجيات الصراع الأمريكي الروسي على القارة الأفريقية

هبة المنسي

باتت القارة السمراء، رغماً عنها، جزءاً من خطوط تماس الصراعات بين واشنطن من ناحية وروسيا والصين من جهة أخرى، حيث تتنافس الدول الثلاث للفوز بكعكة المستقبل، في فصل جديد من الحروب المشتعلة على مناطق النفوذ الجيوسياسي والاقتصادي.
إذ لا ينفصل السباق المحموم على القارة الإفريقية عن الحرب الباردة الدائرة بين واشنطن وبكين، حول عسكرة بحر الصين الجنوبي والاستراتيجية الأمريكية لمواجهة تنامي النفوذ السياسي والاقتصادي للصين والتي ساهمت في تقارب غير مسبوق بين موسكو وبكين، وتحول نوعي في العلاقات بين الدولتين اللتين صنفتهما استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، التي أعلنها الرئيس ترامب عام 2018، بأنهما «المنافسان الاستراتيجيان» للولايات المتحدة.

لهذا ليس من المستغرب أن يشعر المحللون الأمريكيون بالقلق المتزايد من الزخم متعدد الأوجه في العلاقات الصينية الروسية، حيث لاحظ مدير المخابرات الوطنية دان كوتس، في أحدث تقييم لمجتمع الاستخبارات حول التهديدات، أن بكين وموسكو أكثر توافقاً من أي وقت مضى، منذ منتصف الخمسينيات، وعلى الرغم من أن المراقبين الأمريكيين ظلوا يخشون من مثل هذا التقارب لعقود، غير أن هناك أدلة وافرة على أن العلاقات بين البلدين هي أقرب في الواقع مما كانت عليه منذ الانقسام (الصينى – السوفييتي) في أوائل الستينات.

ففي يوليو 2017، أجرت القوات البحرية للبلدين مناورات مشتركة في بحر البلطيق لأول مرة، كما شاركت الصين في مناورات فوستوك العسكرية الروسية السنوية، في سبتمبر عام 2018، وباعت روسيا المعدات العسكرية المتقدمة للصين، بما في ذلك نظام الدفاع الجوي (S-400) و24 طائرة مقاتلة من طراز (SU -35).
ووفقاً لبيانات الحكومة الصينية، نمت التجارة الثنائية بين البلدين من (69.6) مليار دولار في عام 2016 إلى (84.2) مليار دولار في عام 2017، وإلى (107.1) مليار دولار في العام الماضي، وهي المرة الأولى التي يتجاوز فيها هذا الرقم 100 مليار دولار. علاوة على ذلك، على الرغم من النكسات التي تواجهها في مسارات التنويع بعيداً عن الدولار الأمريكي، فإن بكين وموسكو تقومان بمزيد من التبادلات التجارية، وإن كانت لا تزال بكميات صغيرة، بعملاتهما الخاصة.

أصبحت روسيا أكبر مورد للصين من النفط الخام في عام 2016، مما أدى إلى إزاحة المملكة العربية السعودية، وتم التعاقد على بيع الصين 1.3 تريليون قدم من الغاز المكعب سنوياً لمدة ثلاثة عقود، ابتداءً من هذا العام، من خلال خط أنابيب «باور أوف سيبيريا».
أخيراً، زار الرئيس الصيني، شي جين بينغ، موسكو أكثر من أي عاصمة أخرى منذ توليه السلطة. اعتباراً من أغسطس 2018، التقى هو ونظيره الروسي فلاديمير بوتين 26 مرة. في يونيو 2018، فضلاً عن ذلك منح «شي» الرئيس بوتين أول ميدالية صداقة للصين على الإطلاق، واصفاً إياه بأنه «أفضل صديق لي والأكثر حميمية».

طريق الحرير وجه آخر للصراع بين أقطاب النفوذ العالمي، حيث يعد امتداداً للتهديدات المتزايدة من جانب الصين، وخطورته دفعت الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في استراتيجيتها في الشرق الأوسط وأفريقيا، فواقع الأمر أن واشنطن لم تكن تولي اهتماماً بالقارة السمراء سوى على صعيد القضايا الأمنية والسياسية والنفط، غير أن صعود التنّين الصيني وطرحه لمبادرة الحزام والطريق، ارتأت بها الإدارة الأمريكية تهديداً لمصالحها في كل من آسيا وامتداداً إلى الشرق الأوسط وحتى أفريقيا، حيث إن الطريق من شأنه شل منظومة الطرق التي تربط أوروبا بالشرق، وأيضا اليابان التي يتمسك بها المعسكر الغربي، وأفريقيا التي تتمسك بها الولايات المتحدة. وهو ما تجسد فى تأكيدات مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، في ديسمبر الماضي، بأن أمريكا ستتصدى لنفوذ الصين وروسيا في أفريقيا، واصفاً ممارسات شركات البلدين بـ «الفساد» و«الاستغلال».

وقال بولتون في تصريحات، في مؤسسة (هريتدج) للأبحاث «إن الأولوية الأهم لدى واشنطن ستتمثل في تطوير علاقات اقتصادية في المنطقة لإتاحة فرص للشركات الأمريكية وحماية استقلال الدول الأفريقية وكذلك مصالح الأمن القومي الأمريكية». وأضاف «إن المنافسين على القوة العظمى، وتحديدا الصين وروسيا، يوسعون نفوذهم المالي والسياسي على نحو سريع في أنحاء أفريقيا». وأدان بولتون بالمطلق دور الصين في أفريقيا باعتباره يضر تمامًا باقتصادات دول القارة.

الاستراتيجية الأميركية التي طرحها بولتون باتجاه أفريقيا ليست جديدة ولكنها اكتست فقط بشعارات المرحلة، حيث تركز في جوهرها على إنشاء قوة مضادة للصين وروسيا الرامية إلى الحصول على «ميزة تنافسية» في أفريقيا، إذ لايزال النهج الأمريكي قائماً على المبادرات العسكرية والتجارية وتقديم المعونة، وذلك لتطوير شراكات اقتصادية وسياسية وأمنية في جميع أنحاء القارة الأفريقية. وخاصة مع تلك التي تعتبرها واشنطن معرضة للاختراق من جانب الصين وروسيا، إضافة إلى التصدي لمحاولات كوريا الشمالية وإيران تعزيز نفوذهما في القارة السمراء، من خلال الدفع باستثمارات ومشروعات اقتصادية ومبيعات للأسلحة.

وتقدم الولايات المتحدة منذ سنوات ما بين تسعة وعشرة مليارات دولار سنوياً كمساعدات تنموية لأفريقيا. ووفقاً لبولتون، بلغ في عام 2017 حجم استثمارات الشركات الأمريكية في أفريقيا، حد 50 مليار دولار. ومن المقرر مضاعفة أموال المؤسسة الدولية لتمويل التنمية، وهي وكالة أمريكية جديدة لتشجيع الاستثمار الخاص في البلدان النامية، مقارنة بمنظمة سالفة، إلى 60 مليار دولار. ثم هناك المليارات التي تتدفق عبر مؤسسات كبيرة مثل مؤسسة فورد أو مؤسسة بيل وميليندا جيتس.

إعادة تفعيل واشنطن قد يتضمن إضافة لتجديد وسائل تدخلها، وإطلاق مبادرات جديدة، كإصدار تشريع جديد لتحديث كل من قانون «تحدي الألفية»، كان قد صدر في عهد بوش الابن سنة 2003، وتحديث قانون «الفرص والنمو الأفريقي»، الذي كان قد صدر في عهد بيل كلينتون سنة 2000، تعزيز العلاقات مع كينيا، الحليف القديم للولايات المتحدة، ومواصلة الشراكات مع الصومال ومالي.
ومع ذلك فإن السياسات الأميركية قد تصطدم بتصريحات ضد مساعدات التنمية، ووعد بشطب المليارات. فضلاً عن اتهام الصين باستخدام الرشوة، واتفاقات غير شفافة والاستخدام الاستراتيجي للديون لربط الدول في أفريقيا برغبات ومطالب بكين وهو ما لن تقبله أي حكومة أفريقية، يضاف إلى ذلك منظومة القيم المتعلقة بالديمقراطية أو التحرر من الفساد والحوكمة الموثوقة والتي تعمد الولايات المتحدة إلى تصديرها. كما أن النزاع التجاري القائم سيجعل الدول الأفريقية مضطرة إلى الميل لأحد الجانبين: الصين أو الولايات المتحدة، بما يعني إعادة هيكلة التحالفات في القارة بمنطق «الحرب الباردة».

«الوطن العربي»