مرضى: نحن ضحايا سماسرة من طلاب الوطن في الهند وتشخيص دكاترتنا الخاطئ

تقرير/ سليم المعمري

 تمتلك دولة الهند إمكانيات غير عادية في مجال التقدم التقني الطبي والكادر التخصصي البشري، تضعها في مصاف الدول التي لا يستهان بها، وذلك حسب دراسات حديثة بهذا الشأن.
كما أصبحت هذه الدولة قبلة اليمنيين المرضى إذ يزورها شهرياً الآلاف من المرضى ومرافقوهم، حيث تشير الدراسات إلى أن عدد الواصلين إلى مطار مدينة مومباي العاصمة الاقتصادية للهند إلى أكثر من 800 مسافر أسبوعياً، فيما كان العدد أكبر قبل عام 2015م، وتكمن المشكلة في قلة عدد الرحلات الجوية القادمة من مطار عدن لظروف الحرب.

ومعظم الزائرين للهند يأتوا لغرض العلاج، والبعض الآخر للدراسة أو السياحة أو التجارة، وأمام هذا العدد الكبير تبرز العديد من الصعوبات والمشاكل التي تواجه المسافرين، خصوصاً المرضى الذين يشكون من عمليات نصب يتعرضون لها من قِبل بعض المستشفيات بمشاركة بعض الطلاب اليمنيين لاسيما بعد انتشار هذه الظاهرة في السنوات القليلة الماضية والتي تتمثل بإجراءات في مجملها سلبية مع بروز عوامل إيجابية ضئيلة ليست بظاهرة للعيان.

سمسرة
وأوضح د. رمزي أحمد القعيطي، وهو أكاديمي وباحث في علم الصيدلة في جامعة عليجار بالهند: “المشكلة محورها الطلاب (سماسرة) والسفارة من جهة، والمنظومة الطبية الهندية من جهة أخرى، وتشمل كلاً من الأطباء والمستشفيات والعاملين الصحيين، والضحية بينهما المريض”.
وقال لـ«الأيام»: “أعددت بهذه الخصوص بحثاً استهدفت فيه ثلاث مدن شهيرة، وأكثرها استقبالاً للمرضى اليمنيين نتيجة لكثرة المستشفيات فيها ولوجود بنية تحتية متطورة وحديثة، وهي: (بونا، حيدر آباد، بنجالور)، وتم خلال تلك الزيارة عمل حوار موسع مع جميع أطراف المشكلة، وأخذنا أراء تلك الأطراف، وتم التعرف على كثير من الخفايا والأسرار، ومن ثم تحليل المواقف من خلال التدقيق العملي لجُل المعلومات المطروحة من قِبل المشاركين، فحينها وجدنا مبالغة في المثالية غير المنطقية والمرفوضة عملياً، فمن غير المقبول طرح فكرة أن العمل إنساني خالص دون وجود دوافع مادية لتحقيق ربح يصل في بعض الأحيان إلى الإتجار غير المحدود وبدون سقف لمكنون الضمير الإنساني الحي، ولا يخفى على أحد أن الطلاب اليمنيين أيضاً يحققون أرباحاً سريعة على غرار العمل بالسياحة في الدول السياحية الكبرى، ولكن هنا في الهند يُحقق ذلك على حساب المريض المستجير من الرمضاء بالنار، في الوقت الذي يترك الكثير منهم دراستهم والتي يفترض بهم جاءوا للظفر بها وإفادة أنفسهم وذويهم، وبالتالي إعادة النفع لبلدهم لاسيما أنها ذريعة فقط للإقامة في الهند يزعمون أنهم وكلاء لأبناء جلدتهم، فيما يقومون بالتحايل عليهم واقتيادهم إلى أطباء من ذوي الخبرة المحدودة أو مستشفيات ليست بتلك الكفاءة المأمولة.

ويضيف في بونا بإقليم “مهراشترا”: “تم اللقاء مع بعض الطلاب لاستيضاح الكثير من أعمال السمسرة الطبية والتي يمتهنوها وهم يصرون أنها أعمال مشروعة من خلالها يتم تذليل الصعاب وتخفيف كثير من الإشكالات التي يوجهها المرضى وهم يؤكدون بكل ثقة أنهم وكلاء لأبناء جلدتهم لتسهيل كثير من الأمور الحياتية الاستثنائية الطارئة عليهم”.
طالب الدكتوراه في جامعة بونا (خ. م) تحدث لـ«الأيام» بهذا الخصوص بالقول: “هناك مستشفيات خاصة كبرى في “بونا” تتفق مع طلبة يمنيين يقومون بجلب المرضى لأطباء شبان مقابل إعطائهم نسباً معينة، في إشارة إلى أطباء حديثي الخبرة وأصحاب قدرات طبية متواضعة وليس لهم عمل فاعل ومؤثر في المنظومة الطبية الهندية (شبه عاطلين عن العمل)، وهم بهذه الطريقة يحققون فارق ربح رهيب لكون ما تأخذه المستشفيات وأطبائها القليل في مقابل ما يدفعه المريض من مبالغ كبيرة”.

وأوضح أحد طلاب الماجستير (ع. ش) (إدارة الأعمال) في مدينة بونا، بأن المرضى لا يجيدون اللغة الهندية أو الإنجليزية، فيصبحون فريسة سهلة لبعض لطلاب اليمنيين ممن يمتهنون (السمسرة) في هذا المجال كمساعدة في علاجه وسكنه وتنقلاته، وفي جميع نواحي معيشته وإقامته في البلد.
وفي رده عن الدخل الشهري لهؤلاء الطلاب العاملين في هذه الأعمال، أجاب قائلاً: “هناك فروقات مسجلة عن كل حالة، ولكن يبلغ المتوسط تقريباً من 3 آلاف إلى 7 آلاف دولار شهرياً”.

ولفت د. رمزي القعيطي في تصريحه لـ«الأيام» إلى أنه وجد في منطقة (كوندوا) الشهيرة أعدادا كبيرة من السماسرة اليمنيين يستأجرون فيها شققاً مفروشة ويؤجرونها بأسعار مضاعفة على المرضى في استغلال واضح لهم، وكذا في قيمة تكلفة نقلهم بواسطة سياراتهم الخاصة.
سمير عبدالعزيز
سمير عبدالعزيز
ويشير الباحث سمير عبدالعزيز إلى أن “كثيراً من الطلبة اليمنيين في مدينة حيدر آباد عاصمة ولاية “تلنجانا” قاموا بتغيير طبيعة تواجدهم في الهند كطلاب، وامتهنوا أعمال السمسرة الطبية على أبناء بلدهم الوافدين للعلاج، إضافة إلى عملهم في الشقق السكنية المفروشة القريبة من المستشفيات المهمة ذات التركيز الأعلى للمرضى اليمنيين، حيث يقومون بحجز عشرات الشقق من الهنود (استئجارها) مقابل مبالغ زهيدة، ما بين 10 إلى 15 ألف روبية شهرياً، ثم يقومون بتأجيرها للمرضى بالأجر اليومي ليصل المبلغ إلى أضعاف، ما بين 25 إلى 35 ألفاً للشقة الواحدة”.

وأضاف: “إن ما يزيد عن مجموعة من الشقق يسيطر عليها الطلاب ذوو الوزن الثقيل فقط (الهوامير)، في إشارة إلى انتشار مجموعات أخرى تمارس نفس الأعمال في أماكن متفرقة في المنطقة تبعد قليلاً عن مركز المدينة الساخن بالأحداث وبشكل منفصل كأفراد أو مجموعات صغيرة”.
وأوضح الباحث د. القعيطي لـ«الأيام» أنه عند استفساره عبر مصدر هندي بمكتب تسجيل الطلاب الأجانب في حيدر آباد بخصوص هذا الموضوع أكد صحة المعلومة، مضيفاً: “إن كثيراً من الطلاب اليمنيين مسجلين في كليات مختلفة ولكن طبيعة تواجدهم تغيرت إلى امتهان أعمال أخرى مربحة للغاية، الأمر الذي أدى بطرد عدد من المخالفين منهم لشروط وقوانين الإقامة كترك بعضهم للدراسة”.

إبراهيم عبدالخالق
إبراهيم عبدالخالق
إبراهيم عبدالخالق (مرافق) قال: “بإمكان السفارة اليمنية تنظيم عملية التطبيب التي يسافر اليمنيون لأجلها من خلال تعيين ملحق طبي أو تكليف مندوب تابع للسفارة متفرغ يتولى تنظيم العملية والتنسيق مع مستشفيات محترمة ذات سمعة مهنية وأدبية عالية، وبشكل رسمي يشبه التعاقد”.
وأضاف محمود المقطري، وهو الآخر مرافق لمريض: “على عاتق الجهات الحكومية اليمنية متمثلة بالسفارة الاتفاق مع الجهة الحكومية الطبية في الهند وبعض المستشفيات الكبرى على القيام بجملة من الإجراءات النظامية والخطوات القانونية مما من شأنه إلزام تلك الجهات بتوفير مترجمين رسميين، أو مترجمين توفرهم السفارة هي نفسها وتدفع تكاليفهم المستشفيات الخاصة التي يتم التعامل معها، حيث إن تلك المؤسسات الطبية الخاصة تدر أرباحاً خيالية وفوق العادة من المرضى الذي يتوافدون بكثافة إلى الهند، فيما في الحقيقة على ما يبدو لا تتدخل السفارة اليمنية لصالح حماية أو تقديم العون للوافدين اليمنيين، حسب شكاوى متكررة من المرضى أنفسهم خلال تواجدهم في الهند.. وفي حالة تم إحاطة الأمر من السفارة حتماً سيكون ذلك رافداً حقيقياً بأن المستشفيات التي ستتعامل معها السفارة ستكون ملتزمة بمعايير السلامة وستجد مساءلة قانونية إزاء أي إهمال متعمد أو خطأ طبي يتعرض له المرضى والذين باتوا مهددين بشكل كبير جراء غياب الدور الرسمي والفعال وعدم اتخاذ إجراء تجاه من تحولوا من أبناء الوطن من طلاب إلى سماسرة”.
محمود المقطري
محمود المقطري


استغلال
بنجالور في ولاية كارناتاكا مدينة أخرى من المدن الهندية التي تكثر فيها أعمال السمسرة تجاه المرضى والزائرين وغيرهم من قِبل طلاب يمنيين.
عصام باوزير
عصام باوزير
عصام بالوزير (42 عاماً) من محافظة حضرموت أوضح معاناته لـ«الأيام» بالقول: “بعد أن أجريت عملية في إحدى المستشفيات، جاؤوا بكشف حساب تضمن مبالغ كبيرة رغم الاتفاق المسبق مع المستشفى على مبلغ محدد، حينها أجبرت على الدفع لكوني ما زلت بحاجة للعلاج فيه”.

فيما يقول حسن المطري لـ«الأيام»: “تجاوزت معضلة اللغة من خلال أحد أقاربي، ولكن برزت لدي مشكلة أخرى وهي عدم الإيفاء بالمطلوب من تسلسل علاجي والمبالغ المترتبة على ذلك العلاج، حيث اتفق السماسرة وأصحاب المشفى في البدء على إجراء عملية زرع قرنية بمبلغ 5 آلاف دولار، ولكن تفاجأت برفع الفاتورة إلى 7 آلاف دولار تحت مبرر الاحتياج لمواد إضافية للعملية، وفي الأخير وافقت لإتمامها ودفع المبلغ المذكور المضاف.. فلا عقد مبرم ولا قواعد تنظم العملية بأسرها”.

حسن المطري
حسن المطري
المواطنة أنهار القاضي، من عدن خالفت الجميع برأيها ورافضة أن يطلق على الطلاب بالسماسرة، مؤكدة بأنهم يعملون بشرف باعتبارهم كادر مهم لتذليل المعوقات والحواجز التي يصطدم بها المرضى فضلاً عن مساعدتهم لذويهم والعمل على التخفيف من معاناة البلد الاقتصادية.
وشاركها الرأي المواطن عبدالقادر المشدلي (58 عاماً)، ويضيف: “الطلاب اليمنيون جديرون بالثقة ويمتلكون قدراً وفيراً من الأمانة، ولديهم الكثير من الخبرات والإمكانيات العلمية والمهارات اللغوية، بل يشكلون رأس الحربة في التصدي لاحتيال كثير من المستشفيات والأطباء في ذلك البلد”.

أخطاء طبية
هناك الكثير من الحالات التي كان للتشخيص الخاطئ فيها اليد العليا من الأطباء اليمنيين، وتكبد خلالها المرضى الكثير فضلاً عن استغلالها من قِبل السماسرة.
المواطن طلال المعلم، من محافظة صنعاء، شخَّص له الأطباء في داخل البلد أنه يعاني من فشل كلوي، وفي حالة متأخرة وباجتهاد تراكمي رفض إجراء الغسيل أثناء العلاج، واكتفى بالأدوية، وعند قدومه للهند في بداية الأمر وعبر (سمسار) توجه لمستشفى ليس بالكفاءة العالية فلم يقتنع بذلك الوضع كما يقول، وعند اطلاعه على المواقع عبر النت وجد أنه أخطأ في اختيار المستشفى فسارع بالاستعانة بمترجم هندي الذي كان له دور كبير في إعادة التوجيه في المسار العلاجي بتغير المستشفى، وبالتالي الخضوع لفحوصات مثالية والتي كانت نتائجها أن الرجل كان يعاني من التهاب شديد في الكلى وبعض الترسبات، وتم علاجها وتماثل للشفاء، وأكد طلال لـ«الأيام» أنه لم يسلم من منظومة الطب السيئة في اليمن ليتم استكمالها من أبناء جلدته من السماسرة هناك.
عبد الحميد الصلاحي (62 عاماً) وهو الآخر فضّل الاستعانة بشخص هندي للترجمة منذ البداية نتيجة لاطلاعه المسبق على عمل السماسرة من الطلاب اليمنيين الذين يعملون كمترجمين ومرشدين للطريق.
وعن معاناته قال: “ذهبت للهند لعلاج أختي التي كانت تعاني من مرض في القلب، وقد أكدت النتائج السابقة أنها تحتاج إلى إجراء تدخل جراحي، إلا أنني تمهلت وبحثت عن أفضل الأطباء المتخصصين عبر ذلك المترجم، فأشار عليّ بالدكتور كولين جون، الذي أكد لي بدوره أنها لا تحتاج إلى عملية؛ بل إلى علاج فقط، وبالفعل تحسنت حالتها بشكل تام، وأن من حدد لها العملية كان يهدف للمال ليس إلا، حسب رأي الطبيب”.
شارع كوندوا- بونا
شارع كوندوا- بونا

أساس المشكلة
مستشفى سان شيتي -بونا
مستشفى سان شيتي -بونا
وقال د. رمزي أحمد القعيطي، الأكاديمي والباحث في علم الصيدلة- جامعة عليجار بالهند: “خلصنا من القضايا والمشاكل التي أجرينا بحثنا حولها برؤية تحليلية عميقة الدقة حول الأوضاع الاستثنائية التي تمر باليمن، والتي انعكست سلباً على كل مناحي الحياة في الداخل والخارج، خصوصاً إذا أمعنا النظر حول ما يعانيه طرف الرئيس في المشكلة (الطلاب السماسرة)، وهنا علينا تناول الأمر بشكل عادل لما تعانيه تلك الفئة الطلابية من صعوبات اقتصادية حقيقة هي تعصف بعدد لا يستهان به منهم خصوصاً من الذين يدرسون على نفقتهم الخاصة وتحديداً بعد التدهور الرهيب للعملة المحلية والتي أدت إلى تفاقم الحِمل المادي على ذوي هؤلاء الطلاب، ونحن هنا لا نبحث عن السلبيات فقط للاستعراض؛ بل لعلاجها من منابعها، إلا أنّا لا ننكر الدور السلبي الواضح لهؤلاء السماسرة في إفقاد الثقة بهم من خلال ما يقدموه من أعمال خارج إطار الضمير والإنسانية والتراحم الذي من المفترض أن يحكم قواعد تلك العملية العلاجية بجميع مراحلها وتسود مبادئ الشرف المهني هذا إذا اعتبرنا ذلك العمل في مصاف المهن الخدمية، والجميع يعبر عن استيائه من قضية السمسرة والنصب التي يمارسها بعض الطلاب في الهند والذين يستغلون المرضى ويمارسون عليهم عملية النصب والاحتيال بمشاركة بعض الأطباء والمستشفيات، ومن خلال لـ«الأيام» نشدد على اتخاذ كل الإجراءات النظامية والقانونية بحق هؤلاء السماسرة والتي من شأنها التقليل من هذه السلبيات البارزة للعيان، ومنع الوصول في آخر الأمر إلى العواقب الوخيمة غير المنتظرة، وكل هذه الأدوار هي حقيقةً مناطة بالسفارة اليمنية في الهند بقنصلياتها، فنحن عامةً لا ننكر أنهم يقومون ما يستطيعون القيام بها وفق الإمكانات المتاحة مقابل تعاظم المشكلة واتساع رقعتها وتمدد فكرها بين الطلاب، فهي وسيلة للكسب المريح والمربح في آن واحد”.
مستشفى ستار- حيدر اباد
مستشفى ستار- حيدر اباد

ولفت القعيطي إلى أن “الغرض من كل تلك الخطوات الاحترازية، هو العمل بشكل جماعي في خدمة المواطن اليمني كان مريضاً أو طالباً، وذلك بكشف هؤلاء السماسرة وتعريتهم وفضحهم والتحذير منهم في أوساط المرضى”.
وقال: “أيضاً لابد من التعامل مع كل البلاغات والشكاوى بحزم وشدة ولا يجب التهاون تجاه المخالفين، وما على الجهات الحكومية اليمنية إلا الاتفاق بمخاطبة العديد من المستشفيات والمراكز الصحية الكبرى للحد من هذه الظاهرة السيئة، وعليهم مطالبتهم بمساعدة المرضى اليمنيين وتخفيض تكلفة العلاج بدلاً من ابتزازهم عبر هؤلاء السماسرة، بالإضافة إلى ضرورة توفير مترجمين معتمدين من قِبل تلك المستشفيات”.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى