ألم حضرموت وألم "باجعالة"

باسل عبدالرحمن باعباد

 
باسل باعبّاد
باسل باعبّاد
ليت شعري، أي بلد هذه التي تقسو على أبنائها كلما رغبوا في لينها وحنانها، أي قلب في هذه المعشوقة التي تقابل بالجفاء كل من يحبها، وتستنكف عن وصال كل من هام بها، ألم تروا أن الشاعر سعيد سالم باجعالة ابن الديس، المطبوع بالثقافة المشقاصية الأصيلة، مرميّاً على فراش المرض منتظراً يداً من أهل الخير تمتد إليه ليطير نحو جمهورية مصر للعلاج هناك.

في هذه البلاد التي عجزت كما عجز أطباؤها عن علاج أهلها؟ ذهلت من المناشدات التي يكتبها المهتمون من أبناء الديس الشرقية للسلطة المحلية في حضرموت لتتكفّل بمعالجة الرجل في مصر بعد أن قرر الأطباء المحليين ذلك.
فليت شعري، لماذا نحتاج لهذه المناشدات، أليس الأولى أن يبادر الحضارمة سلطةً وتجاراً وميسورين منذ البدء ليتكفلوا بعلاج الرجل خارج اليمن؟

لماذا نجحد فضل هذا الشاعر وغيره ممن أغنوا الديوان الشعري الحضرمي بإبداعاتهم وشعرهم، وأمتعوا الشعب وأطربوه بكل جميل من فنون الكلام والشعر.
هذا الشاعر وغيره ظلوا مسكونين بهاجس حضرموت، البلاد التي حرمت من حقها، وبقوا يرفعون عقائرهم بالصراخ في وجه الدول المتعاقبة التي ظلت تحلب خيراتها دون أن تنفق عليها ولا على أناسها المهمشين والمظلومين حتى الآن.

قال سعيد باجعالة في سبتمبر من العام 2018م على جلسة سمر على فن (الحفة) في معبر:
حَلبُوا بقر (باسلامة)
يا باجعالة وشلوا حقينها واللبن
وعطوه عكة خلية
ما حد يربي مواشي واللبن قسم الشياطين.

ولتنظر لهذه الصياغة الجميلة والبسيطة، فهو لكي يرمز إلى حضرموت وظف اسم باسلامة، المبدوء بـ (با) الكنى الحضرمية إمعاناً في التخصيص وحصر الدلالة، واستعمل البقرة للدلالة على الثروة انطلاقاً من كون البقرة حيوان مبارك كثير الخيرات، كالحليب ومشتقاته كالزبدة والروبة والسمن والجبن.. إلخ، وأخبر أنه تم حلب بقر باسلامة وأُخِذَ حقينها وحليبها. أما باسلامة المسكين (حضرموت)،  فقد أُعْطِي عكة خالية، والعكة إناء صغير يتخذونه من جلود بعض الحيوانات كالوبر أو الضب، ويخزنون فيها الدهن، فحرموه من سمن بقره، رغم أنه يتعب على البقر ويطعمها ويسقيها ويرعاها، وأسكتوه بهذا الوعاء الخالي. فليت شعري ما فائدة العكة الخالية، لا قيمة تحملها هذه العكة سوى رائحة قديمة لسمن كان فيها، فهكذا الإنسان الحضرمي لا يجني من ثروته وبتروله سوى الرائحة، بل إنها صارت وبالاً على البعض ممن أصابتهم السرطانات نتيجة سكنهم قرب حقول وآبار النفط!.

مرض (باجعالة) قبل أن يرى باسلامة يأكل من سمن عكته، أو يشرب من حليب بقرته، وظل العم سعيد على فراشه، يحملق في سقف غرفة خانقة، يتألم لانطفاء الكهرباء، ويتشوق لحراثته وحماره الذي كان يستقله جيئةً وذهاباً بين البيت والمزرعة، وما نزال نحن والمناشدة كمن أطلق صوتاً في واد، وينتظر رجع صدى صوته يتردد من بعيد، لعل هناك من يستجيب.
إنما علي القول أنني علمت مؤخرًاً أن ثمة سعي جاد من قِبل بعض الخيرين لمعالجة باجعالة خارج البلاد، شفاه الله وعافاه.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى