تقرير فساد الـ "أونروا".. التوقيت غير بريء

عز الدين أبو عيشة

مع نهاية عام 2018، أنهى محققو مكتب الأخلاقيات التابع لهيئة الأمم المتحدة، تقريراً سرياً عملوا فيه على كشف ملفات شبهات فساد، تحت بند "سوء إدارة" و "استغلال المنصب" من قبل مسؤولين في أعلى مستويات إدارة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). لكن هذا التقرير الذي وصل إلى مكتب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في نهاية ديسمبر 2018، بقي على مكتبه من دون أن يطّلع عليه حتى مارس 2019، وفقاً لمصدرٍ من الأمم المتحدة، ثمّ شُكّلت لجنة لبحث وتقصي الحقائق في بنود شبهات الفساد، وزار محققو هيئة الأمم المتحدة، مكاتب الـ "أونروا" في القدس وعمّان لجمع معلومات حول تلك الاتهامات.

شكوى أمريكية
وبحسب مصدرٍ فلسطيني يعمل في الأمم المتحدة، فإنه جرى البحث عن شبهات الفساد من قبل محققي مكتب الأخلاقيات الدولي، بعد شكوى تقدمت بها الولايات المتحدة جاء فيها أنّ شبهات بالفساد تدور حول كبار مسؤولي وكالة اللاجئين الفلسطينيين، وذلك مباشرةً بعد وقف تمويلها للـ "أونروا" المقدر بنحو 300 مليون دولار. وأكد رئيس اللجان الشعبية للاجئين الفلسطينيين معين أبو عوكل أن "الإدارة الأميركية تقف خلف تقرير شبهات الفساد، ضمن الحملة التي تقودها ضدّ الفلسطينيين، بمَن فيهم اللاجئين، والتي تهدف من خلالها إلى إنهاء الوكالة الدولية، خدمةً للمصالح الإسرائيلية".

فساد في أموال الأمم المتحدة
"إندبندنت عربية" دققت أكثر في هذا التقرير وطريقة عمل الـ "أونروا" وهيئة الأمم المتحدة، وخلصت النتائج إلى أن "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين تشكلت بقرار الأمّم المتحدة رقم 302، لتعمل كوكالة مخصصة ومؤقتة، على أن تُجدد ولايتها كل ثلاث سنوات إلى حين حل قضية اللاجئين، وتُموّل هذه الوكالة سنوياً بقيمة 1.2 مليار دولار، لتخدم نحو 5.5 مليون لاجئ في مناطق عملها الخمس (الأردن وسوريا ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزّة)". وتحصل الـ "أونروا" على ميزانيتها من تبرعات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وجزء آخر من الهيئة الدولية ذاتها، التي تتولى دفع رواتب كبار موظفيها في وكالة اللاجئين. وبما أن تقرير شبهات الفساد، خصّ باتهاماته كبار مسؤولي الـ "أونروا"، فالاحتمال الوارد أن المقصود بذلك، هم أولئك الموظفين الذين يتلقون رواتبهم من الأمم المتحدة، وليس من تبرعات الدول، لكن ذلك غير مؤكد بعد.

جهود متعارضة
ودرسنا أثناء البحث توقيت صدور التقرير، الذي أتى قبل شهر من إعادة تفويض الـ "أونروا" من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، المقرر في 15 سبتمبر المقبل، والذي يجري عادةً كلّ ثلاث سنوات، إذ تصوّت 193 دولة ذات سيادة على تجديد عمل وكالة الغوث، وبعدها يختار الأمين العام للأمم المتحدة مفوّضاً عنه ليعمل على تحديد لوائح المناصب الأدنى منه، ويُصار إلى اختيار الأشخاص وفقاً لانتخابات داخلية.

وأوضح أبو عوكل أنّ "الإدارة الأميركية تحاول من خلال نشرها تقرير الفساد أن تكسب ثقة بعض الدول لتعارض تجديد وكالة الغوث، لكن تلك المساعي متناقضة مع القرارات الأممية التي تنص على بقاء هذه الوكالة حتى حلّ قضية اللاجئين التي لم تنتهِ بعد".

وأشار إلى أن جهات فلسطينية عدة تقوم بجولات مكوكية لكسب الدعم في تفويض الـ "أونروا" من عام 2020 ولثلاث سنوات إضافية، مؤكداً الحصول على موافقة "دول عدة للوقوف بوجه اللوبي الأميركي"، معتبراً أن "الأمم المتحدة ستقف مع المظلوم، والفلسطيني يثق في ذلك".

كذلك، يظهر التدخل الأميركي بشكلٍ واضح في رسالة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلات، التي طلب فيها من الأمم المتحدة توضيحات حول تحقيقات الفساد التي انطلقت داخل الـ "أونروا"، بخاصة أن بلاده دفعت نحو 3 مليارات دولار للوكالة خلال السنوات العشر الأخيرة، مبدياً مخاوف من طريقة صرف هذا المبلغ، بينما يتوقع مراقبون أن الولايات المتحدة قد تطالب باستعادة المبلغ بأثر رجعي.
 
تورط فلسطيني
لكن مصدر فلسطيني من اللجان الشعبية للاجئين (التي تتبع لمنظمة التحرير)، يرى أن "قيادات فلسطينية تساعد أميركا في مؤامرتها ضد الأونروا. ويُستدل على ذلك بقرار الرئاسة بحلّ اللجان الشعبية التي كانت تساعد اللاجئين في مخيماتهم وتقدم لهم الخدمات". ويبرر رئيس دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير أحمد أبو هولي ذلك بأن "حلّ اللجان جاء بهدف إجراء تغييرات وتعديلات بسبب نقص الأموال"، لكن المصدر يرد على ذلك بأنّ "التوقيت كان خاطئاً ويدلل على التناسق مع الحراك الأميركي".

ويتناغم توقيت تقرير الفساد مع الحملة الشرسة التي تقودها أميركا وإسرائيل ضد الـ "أونروا"، وتهدف إلى تصفية الهيئة الدولية، بما يخدم مصالح إسرائيل في إنهاء قضية "الشاهد الوحيد على تهجير اللاجئين الفلسطينيين وتشريع عودتهم".
في هذا الإطار، يقول أبو عوكل إن "توقيت التقرير غير بريء، بخاصة أنه جاء مع سعي أميركا إلى تطبيق خطة السلام المزعومة، التي نرى أنها تتضمن نية في إنهاء حق العودة وحلم الدولة الفلسطينية، وتخدم إسرائيل فقط، وما تقوم به أميركا ضد وكالة الغوث، الشاهد الدولي على الجرائم الإسرائيلية المرتكبة عام 1948، يؤكّد أنّها مَن تقف خلف اتهامات كبار موظفي الوكالة".
 
تعجيز للـ "أونروا"
وكذلك، يأتي التقرير في وقت تعاني الـ "أونروا" من عجزٍ مالي غير مسبوق، تحاول تعويضه لاستكمال تقديم خدماتها في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية والإغاثة الاجتماعية وبرنامج الطوارئ والمساعدات الإنسانية، إلا أنّ الأمر انعكس سلباً إذ أعلنت كلّ من سويسرا وهولندا وقف مساعداتهما، التي تُقدّر مجتمعة بنحو 36.782 مليون دولار. وعلّق أبو عوكل على ذلك، قائلاً إن "الهدف من توقيت التقرير هو زعزعة ثقة الدول المانحة للوكالة الدولية ووَصفِها بأنّها فاسدة ولا يمكن إصلاحها، الأمر الذي يؤدي إلى وقف تبرعات هذه الدول للأونروا، وينعكس مباشرةً على عملها ويهددها بالإغلاق".

كذلك، سبق تسريب تقرير شبهات الفساد، استقالة نائبة المفوض العام للـ "أونروا" ساندرا ميتشل من منصبها لأسباب شخصية، وفقاً للناطق باسم الوكالة سامي مشعشع، لكن تبقى الأسئلة حول ما إذا كانت هذه الاستقالة مرتبطة بتقرير شبهات الفساد. ويُتابع أبو عوكل أنّ "اللجان الشعبية للاجئين لن تؤيد الفساد ولن تقف معه، ولكن مَن يتحمّل مسؤولية الفساد هو القائم به، وليس المؤسسة بكاملها، بمعنى آخر إذا كان مسؤول فاسد في الأونروا علينا محاسبته على خطئه، وليس محاسبة الوكالة برمتها".

وبدأ فريق الأمم المتحدة الذي تشكل للتحقيق مع الأونروا في شبهات الفساد الواردة في التقرير عمله، ويشير أبو عوكل إلى أنّ كشف الفساد كلمة حق، لكن أميركا أرادت بها الباطل، فتدفع الدول إلى التشكيك في عمل الأونروا.
ويعتقد أبو عوكل أن "لجان الأمم المتحدة للتحقيق تأتي لمحاولة إنهاء عمل الوكالة، خدمةً لإسرائيل التي تطالب بذلك منذ عام 1996، كون الأونروا تحرج الدبلوماسية الإسرائيلية في العالم بسبب قضية اللاجئين".
"إندبيندنت عربية"​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى