«ثمرة القبار».. كنز نباتي يجهله السوريون في قبضة المهربين والتجار

تقرير/ رولا اليوسف

على عجل، تلملم امرأة ريفية وأطفالها في ريف العاصمة دمشق ما تبقى من ثمار (الشّفلح) الخضراء إلى داخل أكياس وصناديق أوشكت على الامتلاء، حثّتها حرارة الشمس في فترة ظهيرة يوم من أيام أغسطس الحارة للعودة بأدراجها نحو بيتها مكملة عملها بفرز الثمار قبل تسليمها لأحد التجار.
وباتت هذه الأرض المهجورة، بعد أن قادتها قدماها إليها، أشبه بكنز لا يقدر بثمن بالنسبة لأسرة فقيرة تنحدر من مدينة دوما جانب العاصمة السورية.

شجيرات (الشّفلح) الكثيرة والمتناثرة في تلك الأرض، كفيلة بإدخال السرور على قلب الأم وأطفالها فور مشاهدتهم لأزهارها وثمار الشجيرات الممتدة على الأرض بشكلها الأفقي، حاملة زهوراً وردية وبيضاء اللون مع ثمارها الوافرة.
وتبحث "أم سعد" وصغارها الثلاثة بين الحقول والبيادر والبساتين والبقع الخضراء، وحتى أسفل الجدران القديمة، وهي أكثر الأماكن التي يزهر (الشّفلح) فيها.

وتغادر تلك العائلة مخدعها مع بزوغ أول إشراقات ضوء الفجر حاثين الخطى إلى اقتناص المزيد من الثمار، وهي فرصة عمل، بعد أن ضاقت أحوالهم وهاجروا من بيتهم هرباً من اشتداد المعارك التي أتت قريتهم وجرفت الحرب الأهلية الأخيرة بيتهم.
ولا تجد أم سعد بُداً من الاستفادة من فرص عمل تكسب بها لقمة عيشها وأسرتها بعد مصرع زوجها قبل سنوات، "أعمل وأولادي على قطف هذه الثمار وتجميعها وفرزها وتسليمها لأحد الأشخاص الذي يشرف على مجموعات أخرى في عدد من القرى".

شبكة من العمال
هذه المرأة العاملة وغيرها من العمال، مرتبطون بغالبيتهم بمشرفين على جني موسم صيفي ينتظرونه كل عام، ويسعون لجمع أكبر عدد من (الشّفلح) البري يذهب في النهاية باتجاه تاجر وسيط، تصله كميات تقدر بالأطنان يكدّسها ببراميل كبيرة. ويقول أحد المشرفين على العمال "نقوم بتسليم التاجر الوسيط مئات من الكيلوغرامات بعد قطفها ونعطي العمال ثمن جمع الثمار مبلغاً يقارب بين 1000 إلى 1500 ليرة سورية ما يعادل دولارين و20 سنتاً عن كل كيلوغرام واحد بعد تخزينها ببراميل كبيرة تحوي مياهاً مضافة إليها كميات من الملح، ولا نعلم إلى أين تذهب بعد ذلك، أو إلى أي وجهة مستقرها".

ويتابع مشرف العمال، الذي يمتد قطاع عمله إلى مناطق واسعة تصل حتى ريف حمص، عمل حوالى 20 عاملاً في فصل الصيف، ويساعده أخوه بالتسويق بعد عمليات القطاف، ويجنون أرباحاً عالية ومناسبة من التجار على الرغم مما وصفه بأن الأسواق ليست كما السابق ومتعبة، "نعمل بكل طاقتنا خلال فترة الصيف وهذه فرصة للعائلات الفقيرة التي لا تعمل بأن تمارس عملاً يدرّ عليها بعض الأرباح، الحالة صعبة على السوريين".

أسرار الثمرة
ثمرة القبار (الكبّار) بحسب ما يسمى (الشّفلح) في مناطق مختلفة من الأراضي السورية، ويعدُ هذا الوقت هو أوج قطافها بين شهري يونيو حتى أواخر أغسطس، وظلت على مدى عقدين من الزمن حبيسة أسرار المهربين والتجار وخطوط إمدادهم. ولم يتمكن السوريون من فك شيفرات فوائد هذه النبتة أو الانتباه إلى ما تحمله من قيمة عالية والاستفادة منها، عدا قلّة من الشركات الغذائية تنبّهت لطعم الثمرة اللذيذ مع الطعام وما تحويه من نكهة طيبة.

ودفعت هذه الشركات المصنعة للأغذية الطبيعية إلى إنتاج مخللات معلبة بأوعية زجاجية صغيرة الحجم يصل سعرها بين 1500 و2000 ليرة سورية ما يعادل ثلاثة دولارات أميركية، وفق ما قال لنا أحد البائعين، جازماً بأنه لا يوجد طلب على هذا المنتج الغذائي بعد دخوله الأسواق قبل عام 2011، وتراجع إنتاجه بعد الحرب لينعدم بعدها.

اشتداد الأزمة
والأغرب، الكميات الكبيرة التي تصدّر إلى الأردن جنوباً، والتي انخفضت مع تلاشي خطوط إمدادها حالياً، لا سيما مع اشتداد الأزمة وقطع العلاقات والطرق الحدودية ضمن سياق مكافحة التهريب قبل افتتاح معبر نصيب الحدودي، في حين استحوذت تركيا على أكبر الكميات. وأفادت مصادر مطلعة عاملة في هذا القطاع بأن هذه الكميات تصل بتواتر إلى معامل أدوية ومؤسسات طبية وغذائية تركية ظلت تنشط إلى الآن في عمليات حثيثة باستخراج ثمار القبار.

وفي مستهل ذلك، تجد هذه الشركات فرصة ذهبية في زيادة نشاطها، خصوصاً أن جغرافية الشمال السوري تشجّع على دخول كميات وفيرة، وينبع ذلك من تقارب الحدود وتداخل الأراضي السورية في الشمال (إدلب وحلب)، التي تتكاثر فيها العشبة مع الأراضي التركية، ويستغل فيها الوسطاء التجاريون انخفاض أجور العمال السوريين وحاجتهم للعمل وإغراء الأطفال بالمال في هذا العمل المضني.

غموض وجهل
ويترافق كل هذا الحراك بقطف القبار، وتصديره، على مدى سنوات، ويعود ذلك حتى قبل الحرب السورية وبعدها خارجياً، مع كثير من الإهمال السوري حول فوائد هذه العشبة التي توجد بوفرة في أراضي بلاد الشام عموماً، وما تحوي من فوائد، حتى أن المزارعين يعدونها من النباتات الضارة وينزعونها من أراضيهم. ولهذا غابت الدراسات الطبية السورية ولم تلتفت المصانع الدوائية من فكفكة مصلها الشافي، ونسبة ضئيلة من السوريين الذين يأكلون ثمارها.

وتدخل عشبة القبار في صناعة المخللات، كما تضاف إلى وجبات الأسماك لإعطاء نكهات طيبة. وتفصح أخصائية التغذية، الدكتورة مريانا عوّاد بشرح موجز عن فوائد كبيرة حول هذه النبتة المغمورة، فالعشبة لها فوائد جمّة في حال غليها أو طبخها. وتضيف الدكتورة عوّاد "تطول قائمة فوائد ثمار وعشبة القبار، فهي تنشط الطحال والكبد وتعالج أمراض الكلى، ولكن لا بد من استشارة الطبيب لأن الاستخدام الخاطئ قد يؤدي إلى أمور خطيرة. فهي على سبيل المثال مفيدة لأمراض السكر، وفي حال شرب منقوع القبار من دون معرفة المعيار المناسب فقد يودي إلى خطر على صحة المريض".

فوائد لأمراض السكري
كما يحمل هذا النبات كثيراً من الفوائد لأمراض السكري واحتقان الصدر والتخلص من الديدان المعوية والالتهابات الفطرية. وتتابع الدكتورة عواد، أنه مقو ومحفز للطمث، واستخدامه كغذاء آمن مع وجوب عدم تناوله مع أدوية السكري.
وهكذا يستمر قطاف ثمار القبار حتى نهاية الشهر الحالي، ويفضل القاطفون الثمار الصغيرة، بينما يستغل الوسطاء التجاريون جهود الأطفال والعائلات المحتاجة بإعطائهم الأثمان البخسة لقاء جهدهم طوال النهار، مع مواصلة تصدير الثمرة. ولم يستفد منها السوريون أو تتنبه المختبرات الطبية لمعالجتها وإعطائها حقها من الدراسة والبحث والتسويق.
"إندبندنت"​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى