منطقة «رشدة» بحالمين والعيش خارج نطاق الخدمات الحكومية

تقرير/ صبري عسكر

لا يجد المرء الزائر لمنطقة رشدة الريفية بحالمين، محافظة لحج، سوى الحرمان والنسيان والتجاهل الواضح من قبل الجهات المعنية.
فمنذ أن وطئت أقدامنا تراب هذه المنطقة الريفية وقف الجميع للتأمل على جنباتها لذكريات الأجداد ووفاء الأحفاد وقساوة الزمان ومدى المعاناة التي تفرضها حياة الريف على ساكنيها ليس كراهية لهم ولكنه واقع لدى الأهالي الذين واجهتهم مصاعب كثيرة في تلك الحقبة الزمنية، وبإرادتهم وصبرهم وتجلدهم في مجابهة الظروف قادتهم إلى التكاتف والتعاضد المجتمعي لتحقيق ولو جزءا بسيطا من تطلعاتهم المشروعة بعدما طفح بهم الكيل وخابت بهم كل أشكال الوعود من قبل الحكومة والقيادات المتعاقبة.
- 51 ألف عامل وعاملة من أبناء المنقطة شاركوا في شق الطريق
- 51 ألف عامل وعاملة من أبناء المنقطة شاركوا في شق الطريق

غياب للمشاريع الحكومية
يعيش أبناء "رشدة"  خصوصاً ومناطق جبل حالمين بشكل عام الويلات والمآسي لعقود طويلة خارج اعتبار المسؤولين، إذ لم تستفد هذه المنطقة من أي مشروع تنموي مقارنة بأي منطقة جنوبية أخرى في زمن الإمكانيات الطائلة إلا مرة واحدة كان للصندوق الاجتماعي للتنمية مساهمة في مشروع طريق حصص الشهير بـ 54 مليون ريال يمني بعد الضريبة، باعتبارها واحدة من المناطق المحرومة التي لم تشفع لها الدولة لاستقبال خيرات الوطن.

"الأيام" قطعت المسافات البعيدة مروراً من أعالي تلك الجبال المنيفة وصولاً إلى منطقة (رشدة) ذات الملامح الجميلة والجمال غير المغشوش، وفي المنطقة تم اللقاء بالشيخ قاسم عثمان البكري والعديد من الأهالي الذين لم تبتسم لهم شموس الحظ للحصول على أبسط حقوقهم من مشاريع الدولة، غير أن السكان المحليين وأخيار حالمين والسواعد السمراء قهرت الجبال الصم منذ عام (69م) وحتى عام 78م حيث تم شق طريق (حصص رشدة) بمشاركة (51) ألف عامل وعاملة وفق كشوفات المبادرات الشعبية اليومية بمعدل 8 ساعات في اليوم من كافة مناطق الجبل كمنجز حيوي شهير على مستوى ردفان، لكن مازالت بعض منعطفاته وعرة وتشكل خطراً وعائقاً أمام المواطنين والسالكين في هذه الطريق التي تربط مناطق الجبل بمديرية حبيل الجبر مباشرة.

وزيارة "الأيام" تزامنت مع زيارة مدير عام مديرية حالمين عبدالفتاح حسين حيدرة، ومدير مكتب التربية عبدالحكيم صالح ناصر، ومنسق المنظمات الدولية د. توفيق الدغفلي، ومدير مكتب النقل في المديرية محمد مطلق جابر، لهذه المنطقة كلفتة رائعة من السلطة المحلية لتفقد أحوال مواطنيها الذين عانوا الأمرين، واستجابة للدعوة الذي أطلقها الشيخ قاسم عثمان البكري صاحب المجهود الإنساني في خدمة أبناء هذه المنطقة التي تضم الكثير من القرى والبيوت المتناثرة على سلسلة جبلية وهي: المعزبة، والدقة، وأسفل رشدة، والذراع.

تم استقبال الجميع بحفاوة لا توصف من قِبل المواطنين وطاقم هيئة التدريس ممثلة بمدير مدرسة المنطقة عبدالفتاح عيدروس، لاسيما أن هذه الزيارة تعد الأولى لهذه المنطقة المتواضعة التي يعيش أبناؤها في عالم النسيان ولا يملكون عونا ولا نصيرا.
 وفيها قدم الشيخ قاسم عثمان شرحاً كافياً عن معاناة المنطقة والخذلان الذي أصاب كل الفئات العمرية فيها، خصوصًا في التعليم والطرقات وخدمات الإغاثة الإنسانية والغاز المنزلي، مستعرضاً هموم متراكمة واحتياجات ضرورية وجهها للقيادات للجهات المختصة باحثاً منهم عن إجابة لها.

مدرسة رشدة صمود وكفاح
تُعد مدرسة رشدة للتعليم الأساسي والثانوي نموذجا حصريا لمعاناة لم ترَ النور والتطور، فبالرغم من أن أهالي المنطقة يكافحون بقوة من خلال دعمهم لسير العملية التعليمية وتذليل الصعوبات التي تواجه هيئة التدريس حباً لأبنائهم وكذلك من أجل بقاء هذا الصرح التعليمي خفاقا تنهل منه الأجيال وعنوانا بارزا لصبرهم الأسطوري فهي أول مدرسة بحالمين افتتحت قاعة للحاسوب على نفقة مغتربي المنطقة عام 2014م، وحتى اللحظة لم تتكفل أي جهة مسؤولة في المديرية بتوفير الكادر المتخصص في مجال الحاسوب لكي يستطيع أولادهم الدخول في تقنيات جديدة وأجواء تتلاءم مع تطورات العصر الحديث، فضلاً عما تعانيه من نقص في المعلمين والفصول الدراسية والأثاث.
- الشيخ البكري: منطقتنا تسكنها هموم متراكمة
- الشيخ البكري: منطقتنا تسكنها هموم متراكمة

مدير مكتب التربية في المديرية عبدالحكيم صالح ناصر أوضح بدوره بأن عددا من القضايا المتعلقة بالجانب التعليمي ناتجة عن الظروف التي تمر بها البلاد، مؤكداً في السياق للأهالي بأن "مدرسة رشدة ستظل بعين الاعتبار في أعمال تعليمية قادمة".

منجز عظيم
مشروع طريق حصص منجز عظيم أصر على تحقيقه الأهالي وتجاوزا خلاله بعزيمتهم الصخور والقلاع الشامخة بإمكانيات بسيطة ومبادرات طوعية وبصمات من المغتربين، وهناك من بذل الجهد الكبير في شق هذا الطريق كأمثال الشخصية البارزة ثابت عثمان البكري صاحب المواقف المشرفة لهذا المنجز الفريد الذي أصبح حقيقة، وسيظل هذا الإنجاز من المشاريع النهضوية المحفوظة في ذاكرة الأجيال والذي من شأنه أن يساعدهم على البقاء والاستقرار في موطن الأجداد والآباء.

مدير عام المديرية أكد في تصريحه لـ "الأيام" بأن "منطقة رشدة وطريق حصص ستكون من أولويات المناطق التي تستحق مد يد العون والمساعدة والبحث عن منظمات دولية تخفف من معاناتهم واحتياجاتهم"، مطالباً من منسق المنظمات د. توفيق الدغفلي الذي شاركنا رحلة العناء إلى المنطقة بـ "بذل المزيد من الاهتمام فيها".

عزلة عن العالم
يعيش سكان منطقة رشدة بين الألم والأمل وفي عزلة عن العالم منذ زمن طويل، إذ يواجهون الكثير من المصاعب أبرزها التعثر في نقل مرضاهم وأجرة السيارات وعدم وجود الإسعافات الأولية، كما لم ترَ هذه المنطقة بصيص أمل حتى في خدمة الاتصالات والإنترنت رغم موقعها الجبلي الذي يلامس عنان السماء، والعيش كذلك بظلام دامس.

ويتمنى أهالي منطقة رشدة في مديرية حالمين والذين يعتمد غالبيتهم على خيرات الأرض الزراعية وتربية الثروة الحيوانية أن تنظر قيادة المديرية والمحافظة إلى واقعهم المزري بعين المسؤولية، كما ناشدوا كافة المنظمات الدولية الإنسانية والإغاثية بضرورة الالتفاف إلى أوضاعهم والعمل بمنظار العدالة للتخفيف من احتياجاتهم ومعالجة هموم وقضايا المنطقة من المشاريع الخدمية أسوة بالمناطق الأخرى في المحافظات الجنوبية.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى