تقاسم النفوذ في اليمن تحت دخان البيانات

صلاح السقلدي

الأحداث العسكرية الدراماتيكية الأخيرة التي شهدها - وما يزال - جنوب اليمن، ألقَتْ بظِلالها الكئيبة على العلاقة بين طرفي التحالف العربي العسكري باليمن: السعودية والإماراتي، هذا التحالف الذي يقود حرباً مجهولة النهاية منذ قرابة خمسة أعوام، وأصابت "الأحداث العسكرية" هذه العلاقة بشيء من الفتور إلى درجة التأزم - وإن كان تأزماً صامتاً - تجلّى بوضوح في حرب البيانات والتصريحات المكثفة المفعمة بكثير من مفردات السخط ومفردات عدم الرضا عن سلوك الآخر.

فالموقف الإماراتي المؤيد للقوى الجنوبية الطامحة باستعادة دولة جنوب يمن ما قبل وحدة عام 90م وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي ومساندتها العسكرية لقواته في عدن وشبوة ومحافظات جنوبية أخرى مكّن قوات هذا المجلس من طرد قوات السلطة اليمنية المسماة بالشرعية المدعومة بشدة من السعودية من كثير من المدون والبلدات منها حاضرة الجنوب "عدن" قد أثارَ حفيظة الرياض التي رأت في مثل هكذا تطورات خطيرة إضعافا لتلك السلطة اليمنية مما يعني بالتالي - من المنظور السعودي - إضعافاً للمملكة ولمصوّغ حربها باليمن، ويفضي بالأخير إلى فشل عسكري وسياسي سعودي صريح باليمن، ناهيك على أنه يمثل بالنسبة للسعودية تمدداً إماراتياً طامعا بالمناطق الجنوبية الغنية بالنفط والغاز والسواحل الطويلة على حساب الأطماع والمخطط السعودي المتصاعد.

كما أن الموقف السعودي الداعم بغير حدود للسلطة اليمنية التي ترى فيها الإمارات بأنها مجرد غطاء لحزب الإصلاح "ذراع حركة الإخوان باليمن" أثار غضب أبوظبي بشدة معتبرته تهديدا وجوديا لها باليمن وبالجنوب تحديداً، فضلا عن أنه دعماً لحركة تصنفها الدولتان بالإرهابية "إخوان اليمن"، كما أن هذا الدعم السعودي - وفقاً للتوجس الإماراتي - قد تجاوز الحدود الذي يمكن له أن يقدمه التحالف لهذه السلطة التي تتخاذل - بحسب الاعتقاد الإماراتي - في محاربتها للحركة الحوثية بشمال البلاد برغم ما تمتلكه من سلاح ودعم مالي ومادي طاغٍ من هذا التحالف، وأنه أي الدعم السعودي لإخوان اليمن قد بات مؤخراً يشكل تهديدا حقيقياً لأرواح الجنود والضباط الإماراتيين بالجنوب وبعدن على وجه الخصوص، بلغ هذا التهديد ذروته قبل أيام، حين حشَدَتْ تلك السلطات قوات هائلة من محافظة مأرب "معقل حزب الإصلاح"، والتوجه عبر محافظة شبوة الجنوبية صوب عدن، وهو الأمر الذي استدعى الإمارات إلى توجيه ضربة جوية قوية لوقف ذلك الزحف.

على كل حال فبرغم ما نراه من اختلاف بين الدولتين بين الحين والآخر في الشأن اليمني إلّا أن من المؤكد أن هذا الاختلاف لن يتحول إلى خلاف وخصومة، فالمصالح التي تجمع بينهما باليمن والعلاقة المصيرية الإستراتيجية أقوى من أن تقوضها مصالح باليمن، على أهمية هذه المصالح ودسومتها.

فما نراه اليوم بين الحليفين باليمن وفي الجنوب بالذات هو دخاناً متصاعداً لنيران هادئة يتم فوقها إنضاج طبخة تقاسم مصالح وتوزيع نفوذ والثروات بين الحلفين الخليجيين. فالسعودية التي تجحظ عينها بقوة على شرق الجنوب - حضرموت وشبوة والمهرة - وتكرّس حضورها العسكري والقبلي وتعزز من نفوذها السياسي بوتيرة متصاعدة، رأت في تقدم القوات الجنوبية الموالية للإمارات باتجاه محافظة شبوة الغنية بالنفط والغاز خطراً على مصالحها وتهديداً لنفوذها المتعاظم يجب التصدي له بقوة عسكرية صارمة، وهو الأمر الذي حدث بالفعل، حين أرسلت الرياض قوات ضخمة إلى هناك جنباً إلى جنب مع قوات حزب الإصلاح لدحر القوات الجنوبية، وإرغامها على البقاء بحدود محافظة أبين المتاخمة لمحافظتَي عدن ولحج، وهي المحافظات التي ترى السعودية أن على الإمارات وحلفائها الجنوبيين الاكتفاء بها وعدم التوسع شرقاً وإلا فإنها الحرب بعينها.

وهذا المخطط يقود ليس فقط إلى تقسيم الجنوب إلى شقين وفق مخطط السعودي الذي أفضى إليه مؤتمر الحوار اليمني في صنعاء قبل عام 2014م الذي هندست له السعودية بذكاء وخبث، ولا لإجهاض التطلعات الجنوبية المدعومة إماراتياً باستعادة دولة ما قبل وحدة 90م وإفشال الجهود الإماراتية بهذا الخصوص؛ بل إلى تقسيم اليمن إلى كنتونات متناثرة لا تبقي ولا تذر شيئاً من وحدة عام 90م، ولا حتى مِن شكل الوحدة التي أفرزتها حرب 94م؛ بحيث يصير اليمن شمالاً وجنوباً في غرفة العناية المكثفة لا حياً يُرجى، ولا ميتاً يُنسى، يمن تنهشه الضباع والسباع من كل الجهات، لا حول له ولا طول فيما يجري به وحوله!.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى