استفتاء الشمال لا يلغي حق الجنوب بالاستقلال

كتب/ المراقب السياسي

تدهور النظام السياسي سيعيد حدود 1990م

أصبح من الواجب اليوم الإقرار بعدم وجود نظام سياسي يحكم اليمن أو البلاد بشكل عام.. عند الاعتراف بالمشكلة سيتم البحث عن حل، ومشكلتنا جميعاً اليوم، جنوباً وشمالاً، هي غياب النظام السياسي في البلاد.

من الواجب وفي بداية هذا التحليل، التأكيد على شرعية الرئيس عبدربه منصور هادي رئيس الجمهورية، والذي لا يجب أن يختلف عليها اثنان.

منذ العام 2015 والمراوغة السياسية سمة ملازمة لقيادات الأحزاب وسياسيي اليمن، فمن كان في صنعاء يلعن الشرعية ليل نهار، وضاقت به الدنيا، بعد ذلك قفز إلى سفينة الشرعية، وتم الاحتفاء به في الرياض وعفا الله عمّا سلف، وصرفت له الرواتب، وتم ترتيب وضعه ووضع أسرته وعائلته ومن دار في فلكه، وعندما تضيق به سفينة الشرعية قفز إلى سفينة أخرى ونزل بالشتائم والانتقادات على الشرعية والتحالف العربي.

إن هذا الأمر ليس بجديد، ولكنه أصبح ظاهرة طاغية في عهد الرئيس عبدربه منصور هادي، الذي يسعى، وهو على حق وبحسب القسم الذي أقسمه عند توليه الرئاسة، للمحافظة على الجمهورية الموحدة التي تسلمها.. وهناك من السياسيين الذين يبررون بأن المشكلة ليست في الرئيس عبدربه منصور هادي بقدر ما هي ببعض ممن يحيطون به، والذين جعلوا من قرارات الرجل والتعيينات في الدولة، عمداً، اختيار الأسوأ حتى وصلنا إلى ما نحن فيه.
وعند الحديث عن الشرعية يجب الانتباه إلى أن الشرعية هي شرعية الرئيس عبدربه منصور هادي فقط، أما البقية فباقون ببقائه فقط.

والغريب أن الخطوط الحزبية تلاشت داخل منظومة الحكم حتى غدا المؤتمريون والناصريون والاشتراكيون وآخرون جميعهم تابعين للحزب الممسكون بالسلطة، وهو التجمع اليمني للإصلاح.

أصبحت سلطات الحكومة التابعة للشرعية، وبسبب تصرفات المسؤولين فيها، مفككة تماماً مثل الأحزاب السياسي، فعلى الأرض لم تقم الحكومة التابعة للشرعية سوى بتعميم فساد أسطوري لم تشهد البلاد له مثيل، جنوباً وشمالاً، وعمّ البؤس حياة المواطنين، ولم نجد في رؤساء الوزراء أو الوزراء من يفكر في بناء الدولة والحكم الذي دمرته الحرب.

فعلى سبيل المثال، لم يتم إعادة السلطات المحلية ولا العمل بالقوانين النافذة بمجرد تحرير أي محافظة، بل انتقلت الحكومة مباشرة إلى تعيين الأقارب وحتى البعض من أصحاب السوابق في مناصب ليسوا على دراية بها وليسوا متخصصين فيها مهنياً ولا أكاديمياً، وليسوا على علم بالحدود القانونية لصلاحياتهم فيها، فتسببوا في فوضى عارمة خلقت بيئة مكتملة للفساد وبشكل فج وعلني، فلا تجد مسؤولاً فاسداً يستحي في السرقة علناً، ولا توجد قوة تحاسب أو تردع هذا الفساد.

إذا ما نظرنا إلى قرارات الدولة والوزراء والمسؤولين، خلال الأربع السنوات الأخيرة، تجدها إما لتكريس فساد ومصلحة خاصة بأحدهم، أو لغرض الإضرار بطرف على حساب طرف، بينما مصالح الشعب، وهي ما ترتكز عليه سلطة أي دولة، تتدهور يوماً بعد يوم حتى فقد الشعب أي أمل في صلاح الدولة.

والمضحك المبكي أن المجتمع الدولي لا زال متمسكاً ببقايا الحكومة، حتى وإن كانت شكلية فقط خوفاً من المجهول ليس إلا، فلم تعد هناك رؤية سياسية دولية لما يجب عمله سوى سياسة احتواء الموجودين على أرض الواقع بالإضافة إلى شرعية الرئيس في محاولة لوقف التدهور المستمر.

أصبحت مقولة «الحل السياسي» تعبيراً يسخر منه أبناء الشعب كلما سمعوها من شاشات التلفاز، أو ملحقة بتقرير عن تفاوض أطراف الصراع، ويتأتى هذا من معرفة عميقة لدى أبناء هذا الشعب بتاريخ هذه البلاد التي لم تشهد من قبل حل نزاع عسكري بالتفاوض؛ بل كان دوماً بالدماء، بطرف منتصر وآخر مهزوم.

لذلك يتوجب اليوم التفكير بطريقة أخرى ومخارج عملية على أرض الواقع الجديد للصراع في اليمن بعد أن ثبت فشل جميع جهود الأربع السنوات والنيف الأخيرة.

أحداث شبوة عَرَضت انفصال الجنوب بكامل تفاصيله، وظهر وجه الفساد بكامل قبحه للعالم. فحرب شبوة ليست لفرض الدولة بقدر ما هي للحفاظ على ما يتم نهبه من ثروات الجنوب من قبل بعض ساسة وعسكر وقبائل الشمال.. ولذلك الغرض صدرت فتاوى جديدة تبيح قتل الجنوبيين أعادت نبش ذكريات فتوى 1994م السيئة الصيت في عقول كل الجنوبيين، التي قيل إنها ألغيت في مؤتمر حوار صنعاء عام 2013م.

لكن أكبر أخطاء الحكومة الشرعية، وهو خطأ قاتل، كان استخدام عناصر إرهابية ضمن جيش الحكومة الشرعية في الحملة الأخيرة ضد الجنوب في شبوة وأبين، فظهرت صور تلك العناصر وقضت على ما تبقى من ماء وجه الحكومة أمام العالم، وهناك باحثون غربيون يتواجدون في شبوة وأبين على الأرض لجمع المعلومات حول دور تلك العناصر واتصالها بالحكومة التابعة للشرعية.

جنوباً، لن يرضى الجنوبيون بأن يتم حكمهم من الشمال بعد 29 عاماً من التدهور في كافة مناحي الحياة، بينما يتم نهب ثرواتهم من قِبل بعض الفاسدين، خاصة بعد أن أقاموا واقعاً جديداً على أرضهم، وشمالاً، أصبح الحوثيون واقعاً على الأرض لا يمكن إلغاؤه.

وعليه أصبح من الحكمة إدارة «الإقليمين» بفريقين منفصلين لتطبيع الحياة إلى حدٍ ما، قبل التفاهم على الاستقلال أو شكل جديد للحكم في البلاد بحسب ما يقره الشعب عبر استفتاءين منفصلين، واحد للجنوب، وآخر للشمال.

والاستفتاء بحسب ما يصر عليه ساسة الشمال هو للشعب كاملاً، وهو تكنيك يريدون به طمس وتغييب حق الجنوبيين على أرضهم.. ولكن في موضوع الحكم هناك شعبان مستقلان، وبأول اعتراف رسمي وعلني من قِبل الجمهورية العربية اليمنية بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في 30 نوفمبر 1967م.

وهذان الشعبان يجب استفتاؤهما بشكل منفصل، وما يقرره أصاحب الأرض في أي جزء هو النافذ، فلا يمكن فرض الوحدة على شعب لا يريدها، حتى ولو صوّت كامل شعب الشمال للوحدة.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى