ردفان.. وفيات ومناطق منكوبة في موسم أمطار هي الأغزر

تقرير/ جمال محسن الردفاني

تشهد مناطق ردفان بمحافظة لحج موسم أمطار هو الأغزر، إذ تؤكد المؤشرات أن هذا الموسم يفوق الأعوام الماضية بشكل كبير من ناحية كمية هطول الأمطار وتدفق السيول ومستوى الأضرار التي خلفها ذلك.

الطفل ماجد علي الحاج (12 عاماً) من أبناء حي "سليك" كان يمضي بأمان تحت زخات المطر في إحدى مناطق مديرية الحبيلين الأسبوع الماضي، لم يكن يعلم أن السيول المفاجئة لن ترحم جسده النحيل وبراءة الطفولة، لتجرفه بعيداً.. وفي مشهدٍ تراجيدي صادم، يغيب ماجد عن أنظار أصدقائه في لجة المياه المتدفقة، وينتهي أمله بالعودة إلى المنزل، والذهاب إلى المدرسة في اليوم التالي، ولم يعد لقرع باب منزله مجدداً كالمعتاد.

عثر مواطنون على جثة الطفل "ماجد" مساء اليوم ذاته في منطقة سد سبأ، لتنقل إلى مركز شرطة ردفان بمديرية الحبيلين عصر الـ 26 من سبتمبر 2019م ليواري جثمانه الثرى في مشهد هز قلوب أبناء ردفان، الذين مازالوا يعيشون وقع مأساة وفاة عدة أطفال بحمى الضنك وحوادث أخرى خلال سبتمبر الماضي.

ولم تكن المأساة تقف عند رحيل الطفل "ماجد" فحسب، فبالنسبة لأهالي منطقة معربان، التي تبعد مسافة 8 كم عن مركز مديرية حبيل جبر بردفان محافظة لحج، لم يكن يوم الثلاثاء الماضي 1 أكتوبر كما قبله، فالسيول التي خلفتها الأمطار الغزيرة ألحقت أضراراً غير عادية في المنطقة وعطلت مصالحهم وجرفت أراضيهم الزراعية وممتلكاتهم، ما جعل منها منطقة منكوبة بحسب المناشدات المحلية ونداءات الاستغاثة والصور الواردة من هناك.

يقول حافظ رعد لـ «الأيام»: إن السيول الجارفة التي شهدتها معربان يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين غير مسبوقة، ولم يشهدوا مثلها من قبل، حيث جرفت المدرجات والحقول الزراعية وأدت لنفوق الكثير من المواشي والحيوانات، وطمرت الآبار التي يعتمد عليها الأهالي كمصدر رئيسي للمياه، حتى إنها غيرت جغرافيا الوادي المعهودة وطمست ملامحه، حيث حولت السيول مجراها من خلال مزارع وحقول المواطنين.

ويضيف رعد، وهو ناشط مجتمعي: "إن حوالي 5000 فرد من السكان موزعين على 600 أسرة باتوا يعيشون وضعاً صعباً للغاية، حيث يعانون من تبعات السيول التي لحقت بالمنطقة، حيث تعطلت مصالحهم وتضاعفت معاناتهم، وباتوا في وضع إنساني لا يحسدون عليه"، حد قوله.

مناطق أخرى متضررة
وادي معربان هو أبرز المناطق تضرراً من السيول، لكن هناك مناطق عدة في مديريات ردفان تعرضت أيضاً لأضرار جسيمة في ممتلكات المواطنين والمنازل والطرقات، وباتت بحاجة لإغاثة إنسانية وتوجّه جاد لمنظمات الإغاثة لتخفيف معاناة الأهالي ومعالجة الوضع الكارثي هناك.

فمناطق حسي وودنه وأخرى متفرقة، في مديريات ردفان، لحقت بها أضرار جسيمة، بحسب مدير عام حبيل جبر، بديع القطيبي، الذي أوضح أنهم شكلوا لجنة من إدارة الزراعة والأشغال العامة والطرق، للنزول إلى كل مراكز المديرية، ورفع تقرير مفصل عن الأضرار وتقييمها، مؤكداً بأن مناطق معربان وحسي وطريق ودنه ومناطق عدة لحقت بها أضرار جسيمة.


ويقول نائف اليعقوبي لـ «الأيام»، وهو محامٍ وناشط حقوقي: "إن مستوى الاستعداد لمواجهة الطوارئ في حبيل جبر متدنٍ جداً، منذ سنين من الإهمال والتقاعس، ما يجعل الإمكانات الحالية ركيكة جداً لمواجهة هكذا ظروف"، حاثاً على تظافر جهود الجميع لأجل الصالح العام لأبناء المديرية.

من جهته أكد رئيس المجلس الانتقالي في المديرية، فيصل جبران عبده، أنهم يبذلون مساعٍ حثيثة لمساعدة أبناء المديرية، وهم على تواصل بقيادة المجلس وبعض المنظمات بغية التدخل العاجل لإغاثة المديرية المنكوبة، التي باتوا في أمس الحاجة للمساعدة العاجلة حد قوله.

مناطق معزولة
وبحسب الناشط المجتمعي، حافظ رعد، فإن مأساة أهالي وادي معربان "لا تقتصر على مستوى الضرر الذي لحق بممتلكاتهم ومواشيهم فحسب، بل الإشكالية الأخرى تكمن في تضرر الطريق الوحيد الذي يوصل إلى عاصمة المديرية، لكون الطريق تقع في مجرى السيل نفسه، ما جعل معربان منطقة معزولة عن العالم الخارجي، وبذلك يتعذر على المواطنين الحصول على الاحتياجات الأساسية للحياة، الأمر الذي يعبر عن مستوي المأساة التي يعيشونها، ويتطلب التدخل الإغاثي العاجل"، حد قوله.


الطريق الرابط بين مديريتي الحبيلين حبيل جبر العسكرية، تضرر هو الآخر جراء السيول، بعد أن كان بدأ بالتشقق وانتشرت فيه الحُفر، لتأتي الأمطار والسيول لتزيد الطين بله، كما يقول مدير عام حبيل جبر، بديع القطيبي، «للأيام»، الذي ناشد الحكومة والرئيس هادي إلى النظر والتوجيه بإصلاح وإعادة تأهيل الطريق قبل ازدياد مستوى الأضرار فيه، لكونه طريقاً رئيسياً يربط عدة محافظات، ولابد ألّا يترك بهذا الوضع.

احتياجات المناطق المنكوبة
يعود رعد للحديث عن معاناة أهالي منطقة معربان بالقول: "في الوقت الحالي، المبادرة بإغاثة المتضررين من انقطاع الطريق هو أبرز الأولويات، فلابد من السعي للوصول إلى المواطنين الذين يعيشون شبه محاصرين بعد تضرر الطريق الوحيد الذي يوصلهم إلى خارج المنطقة، إضافة إلى الرعاية الصحية للأهالي تجنباً لأي عارض قد يحدثه مع نفوق الكثير من المواشي وانتشار الروائح الكريهة طوال الوادي. فمسألة فتح الطريق الآن تتطلب وقتاً طويلاً قد يصل لعدة أشهر".

من جهته يقول اليعقوبي: "إن غالبية المناطق بردفان تضررت بشكل كبير وباتت الطرقات مؤصدة بوجه المواطنين، الأمر الذي يتطلب تظافر جهود المواطنين والسلطات المحلية والمنظمات والجهات الإغاثية للعمل في هذا الجانب بشكل جماعي لاستغلال عامل الوقت، وتقليص مدة معاناة المواطنين".

ولفت اليعقوبي إلى أن هناك مواطنين كان اعتمادهم الكلي على أراضيهم الزراعية والآبار والمواشي ونحو ذلك، ولكن مشيئة الله شاءت بأن تجرفها السيول، وهؤلاء هم من يجب اعتبارهم كأولوية في العمل الإغاثي والسعي لمعالجة وضعهم وتعويضهم، وهذا ما يجب أن تأخذه جهات الاختصاص بعين الاعتبار.

وضع إنساني
ولم تظهر معاناة المواطنين في ردفان منذ بدء موسم الأمطار وتضررهم ولكن تعيش الكثير من الأسر في مختلف المناطق وضعاً إنسانياً صعباً تندرج غالبيتها تحت خط الفقر، حيث أدت الحرب إلى نقص دخل الفرد وأوجدت خللاً في النظام المعيشي، في ظل انقطاع المرتبات وارتفاع أسعار المواد الغذائية، ما يجعل وضع الكثير من الأسر على المحك.

ويخشى متابعون أن تتحول نعمة المطر إلى نقمة لا سمح الله، في حال لم تقم الجهات المعنية بواجبها، ولم تلتفت المنظمات الدولية لأبناء هذه المناطق الذين هم بحاجة للتدخل العاجل والمساعدة الطارئة.

خاتمة
وفي ظل غياب الخدمات وتفاقم الوضع الإنساني المتردي في ردفان ومستوى الضرر الذي تعرضت له مختلف المناطق جراء السيول، وتفشي الأمراض والأوبئة وانتشار الفيروسات، وتسجيل عدة حالات من الوفيات نتاجاً لما سبق ذكره، أو جراء حوادث عارضة أخرى. نقف متسائلين: يا ترى هل سيظل الوضع في ردفان بهذا الشكل المزري أم إننا سنلاحظ تغييرات فعلية يصاحبها وعي مجتمعي يؤدي بالمعالجات والمساعي إلى النجاح، أم أن الحال سيظل كما هو عليه؟!

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى