من اليمن إلى سوريا.. عاصفة الحزم ونبع السلام

ناجي أحمد الصديق

لم يكن الدخول إلى أرض دولة مستقلة ذات سيادة بالأمر السهل. ولم تكن مواضعات القانون الدولي في إرساء مبادئ احترام سيادة الدول قريبة من أيدي الحكومات بحيث تطالها رياح التأويل والتبديل، ويصبح في متناول اليد العدوان على دولة مستقلة على رؤوس الأشهاد حتى جاءت الولايات المتحدة بفرية الحرب الاستباقية، وحتى أصبحنا اليوم في عالم لا يدين إلا بمنطق القوة ولا يستكين إلى للأقوياء.

عمليتان في عهدنا الحاضر تجلت فيهما ملامح الحرب الاستباقية على سوائها وجلائها، وهها عملية عاصفة الحزم التي قادها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية على تنظيم أنصار الله الحوثي في اليمن، وعملية نبع السلام التي قادتها تركيا على تنظيم قوات سوريا الديمقراطية داخل حدود الدولة السورية.

ما من شك أن لكل من العمليتين خصوصيتها من ناحية وأسبابها وأهدافها من ناحية أخرى، ولا شك -أيضا- أن قياسنا هنا لكليتيهما قياس مع الفارق لأن عملية عاصفة الحزم كانت بمقتضى قرار صادر من مجلس الأمن الدولي وكانت وفق تحالف عربي مكون من عدة دول، أما عملية نبع السلام فقد كانت دون غطاء دولي أو قرار من مجلس الأمن، كما أنها كانت من دولة واحدة هي تركيا.

نبادر ونقول إن جوهر عمليتي عاصفة الحزم ونبع السلام هو الحرب الاستباقية لحماية الأمن القومي لكل من المملكة العربية السعودية ودولة تركيا. فبالنظر إلى الأسباب المعلنة من جانب التحالف العربي والتي أدت إلى شن الحرب في اليمن على الحوثيين تتمثل في جوهرها في الآتي:

1 - إعادة الشرعية إلى اليمن وتتمثل تلك الشرعية في الرئيس عبد ربه منصور هادي.

2 - منع الحوثيين للسيطرة على مفاصل الدولة وإبعاد خطرهم عن المملكة العربية السعودية.

كما تتمثل الأهداف الرئيسية لعملية إعادة الأمل في:

1 - سرعة استئناف العملية السياسية.

2 - استمرار حماية المدنيين ومكافحة الإرهاب وتكثيف المساعدة الإغاثية.

3 - التصدي للتحركات والعمليات العسكرية.

منع وصول الأسلحة برا أو جوا للحوثيين
وبقراءة مقابلة نجد أن الأهداف الرئيسية لعملية نبع السلام هي الهجمات التي تقوم بشنها عناصر حزب العمال الكردستاني على المدن الحدودية التركية، وعليه فإن كلا من التحالف العربي بقيادة السعودية وتركيا تقومان بعمليات عسكرية داخل أراضي دولة ذات سيادة لمنع عناصر اعتبرها إرهابية من شن هجمات داخل أرضيهما وهو ما يجعل المراقبين ينظرون إلى العمليتين بعين الحذر ويعقدون بينهما المقاربات باعتبار أنهما تؤديان إلى نشوء نزاع مسلح سيكون له لا محالة آثار كارثية على حياة المدنيين العزل، سواء أكان ذلك على الصعيد الإنساني من نزوح ولجوء أو على صعيد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد أولئك المدنيين.

في مارس 2015م أطلق تحالف عسكري من تسع دول شكلته المملكة العربية السعودية وأسمته بالتحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، عملية جوية واسعة ضد أهداف متعددة للحوثيين في العاصمة صنعاء وجاء تدخل الحلف بناء على طلب الرئيس هادي بهدف استعادة الشرعية في اليمن، وبالتالي منع الحوثيين من السيطرة على العاصمة صنعاء درءا لمخاطر التهديد المباشر من قبل الحوثيين على المملكة العربية السعودية.

كان من المؤمل أن تكون الحرب على الحوثيين سريعة وخاطفة وحاسمة، ولكن الوقائع على الأرض تقول إنها عملية طويلة الأمد ومتعددة المحاور والحسم العسكري فيها، بحسب الكثير من المراقبين، يبدو أقرب إلى الاستحالة، ومع ذلك فإن نتائجها أصبحت كارثية على الشعب اليمنى، فهو قد تعرض لأكبر مجاعة في التاريخ كما تدهور الوضع الاقتصادي والصحي إلى مراحل غير مسبوقة، وقد أدانت كثير من المنظمات الدولية كلا الطرفين في التسبب في تلك المآسي وما تزال الحرب مستمرة وما تزال انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني مستمرة وما يزال الوضع الاقتصادي والاجتماعي والصحي في أسوأ أحواله.

عملية نبع السلام التي أطلقتها تركيا في مواجهة ما تسميه إرهاب فصائل قوات سوريا الديمقراطية في شرق سوريا كانت أيضا حربا استباقية داخل حدود دولة سوريا لحماية الأمن القومي التركي، حيث أرادت تركيا طرد الأكراد الذين يمثلون تهديدا إرهابيا على جنوب تركيا من منطقة شمال سوريا.

اللافت للنظر في هذه العملية هو اتحاد العالم كله -على وجه التقريب- في وجه تركيا في دخولها للأراضي السورية لطرد قوات سوريا الديمقراطية، حيث نجد أن لكل أجندته الخاصة في الوقوف ضد تلك العملية ولكن القاسم المشترك في كل تلك الإدانات هو التكلفة الإنسانية على صعيد حقوق الإنسان من جهة وانتهاك القانون الدولي الإنساني من جهة أخرى.

بالرجوع إلى عملية عاصفة الحزم ومن بعدها إعادة الأمل نجد أن دول التحالف قد افتقدت إلى الرؤيا الإستراتيجية في إدارتها لتلك المعملية وفي الأهداف التي ترتجيها منها، كما أنها أخطأت في تقدير قوة الخصم وإمكانية صموده أمام تلك العملية.

لابد من الإشارة أولا إلى ان المملكة العربية السعودية قد نجحت إلى حد كبير في كسب تأييد الرأي العام الدولي لتلك العملية وهو الأمر الذي مكنها من الحصول على الغطاء السياسي والقانوني من مجلس الأمن الدولي وذلك بموجب القرار رقم 2216 الذي أصدره مجلس الأمن يوم 14 أبريل 2015 بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، يفرض حظرا للسلاح على الحوثيين وأنصار الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، ويدعو الحوثيين إلى الخروج من المدن والمناطق التي استولوا عليها بما فيها العاصمة صنعاء. صوتت 13 دولة لصالح القرار، ولم تعارض أي دولة، بينما امتنعت عن التصويت دولة واحدة فقط هي روسيا، كما تمكنت من إنشاء تحالف عربي للاشتراك في هذه العملية بالرغم مما أثير حول ضغوطها على دول التحالف للاشتراك فيه.

بالنظر إلى إستراتيجية التحالف في تلك العملية بشن حرب خاطفة وحاسمة لشل قدرات الحوثيين ومنعهم من السيطرة على مفاصل الدولة في اليمن وتجنبا للآثار الخطيرة لتلك الحرب على حياة المدنيين نجد أن هنالك فشلا زريعا لازم تلك العملية مما جعلها تقف على أعتاب عامها الخامس دون أن تحقق أي من الأهداف التي أعلنها التحالف عند بداية العملية.

فعلى مستوى التكتيك الحربي لم تضع تلك العملية قوة الخصم في اعتبارها، وذلك أن الحوثيين تمكنوا من الصمود أمام ضربات الحلفاء طوال هذه الفترة دون أن تستبين أي من علامات الضعف أو التفكك في صفوفهم، بل إننا رأينا كيف يرد الحوثي على عمليات التحالف في اليمن بضربات داخل عمق المملكة العربية السعودية، أما على مستوى الوضع الإنساني في اليمن فقد تسبب التحالف بشهادة منظمات حقوقية عديدة في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وبالرغم من الجهود الكبيرة التي قامت بها المملكة في تخفيف آثار ذلك النزاع بالمساعدات الإنسانية من مأكل وملبس وأدوية إلا أن الوضع الإنساني في اليمن قد تدهور بشكل كبير حتى أصبحت اليمن على أعتاب أكبر مجاعة في التاريخ، أما على مستوى الأهداف فإن الحرب في اليمن قد أصبحت خارج دائرة التحكم من قبل التحالف، وأصبحت الأهداف غير معلومة وغير منظورة وأصبحت أحداث على الأرض هي التي تحدد ما الذى يجب أن يتم فعله في اليوم التالي.

عملية نبع السلام وجدت معارضة دولية كبير للغاية بل تكاد أن تكون كل دول العالم قد وقفت في وجه تلك العملية على وجه من الوجوه، وأنها افتقدت للغطاء السياسي والقانوني الدوليين ومع كل ذلك أصرت تركيا على إتمام العملية واضعة نصب عينيها هدفا واحدا هو إبعاد عناصر قوات سوريا الديمقراطية بما فيهم الأكراد مسافة لا تقل عن 32 كيلو مترا من الحدود السورية ومع هذا الإصرار تدخلت الولايات المتحدة - التي تركت الأكراد لمصيرهم - بدافع عقدة الذنب وأوقفت الحرب بإبرام اتفاق بينها وبين تركيا نزولا على شروط الأخيرة.

كانت المحصلة النهائية لعملية عاصفة الحزم دخول اليمن في مشكل اقتصادي وإنساني غير مسبوق ولم تستطع دول العالم كله من وقف نزيف الحرب أو معالجة التدهور الكبير على الصعيد الإنساني، لهذا فإنه لا فائدة من تغطية العملية بواسطة مجلس الأمن الدولي طالما أن المجلس لم يتمكن من معالجة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني أو مساعدة اليمنيين في تجاوز الجوع والمرض والفقر. كما كانت المحصلة النهائية لعملية نبع السلام إبراما بين كل من تركيا والولايات المتحدة لوقف الحرب وانسحاب الأكراد وبين تركيا وروسيا لتسيير دوريات في المدن الحدودية وعدد غير قليل من الضحايا المدنيين ونزوح ولجوء الأكراد من المناطق التي انسحبت منها فوات سوريا الديمقراطية كنتيجة حتمية للعمليات العسكرية في تلك المنطقة.

أردنا القول بأن دول العلم بأجمعه والتي أيدت عملية عاصفة الحزم لم تستطع إنقاذ اليمن من وهدة الجوع والفقر والمرض، كما لم تستطع دول العالم كله والتي اعترضت على عملية نبع السلام من الوقوف في وجه أمريكا وروسيا في إبرامهما لاتفاقيات حققت جميع شروط تركيا لوقف القتال، لهذا فإن وضوح الرؤيا وتحديد الأهداف والوصول إليها بأقصر الطرق هو وحده ما يجعل الحرب أقل تكلفة وأكثر إنسانية.

وأخيرا فإن للعمليتين قواسم مشتركة من ناحية الأسباب والهدف، ولكن الاختلاف جاء في النظرة الكلية للأهداف والرؤيا الواضحة في التكتيك والسير قدما في الطريق المرسوم دون الالتفات إلى المعارضين أو المؤيدين فكلاهما لن تطاله آثار الحرب ولن يجنى ثمار النصر ولن يكتوى بنيران الهزيمة.

"كاتب سوداني - صحيفة المثقف"

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى