الجنوب والعالم العربي.. العلاقات الإقليمية والدولية

د. صالح طاهر سعيد

موضوعان مهمان يحددان الطبيعة التي ينبغي أن تكون عليها علاقات الجنوب الإقليمية والدولية:
الأول: وعي الجنوبيين لذاتهم الوطنية وما يبنى عليها من وعي لثوابت حقوقهم الوطنية وعلاقاتهم الحقوقية في الداخل الوطني ومع دول الإقليم والعالم.

الموضوع الثاني: الموقع الجغرافي لدولة الجنوب وموقعه في خارطة المصالح الإقليمية والدولية.
فعليهما تتكشف طبيعة التحديات والأخطار التي تحيط بشعب الجنوب وكيانه السياسي، ومن ثم تتضح الرؤية للمسارات التي يجب أن يتبعها الجنوب في بناء علاقاته الداخلية والخارجية في المستويين الإقليمي والدولي.

في الموضوع الأول، إذا حددت ذاتك تحديدا صحيحا تستطيع أن تحدد علاقاتك مع الغير بشكل صحيح، لأنك بذلك تستطيع أن تحدد حقوقك وثوابتك ويتبين لك من معك ومن ضدك، فالصديق هو من يعترف لك بحقوقك الثابتة ويسعى لبناء علاقاته السياسية والدبلوماسية معك من منظور احترام الحقوق المتبادلة ومعيار الشراكة المتوازنة، والعدو هو من لا يعترف بثوابتك الحقوقية ويتجاهلها ويحاول إقامة علاقاته معك انطلاقا من مصالحه هو وحده ويسقط مفهوم الشراكة المتوازنة من مضمون هذه العلاقة.

تقوم الشعوب والدول وتحمي استمرار وجودها على ثلاث ثوابت تعرف باسم ثوابت الحق الوطني، وهي:

1 - الهوية: الهوية الوطنية المستقلة للشعب.

2 - السيادة: وجود منطقة سيادية محددة بحدود دولية معترف بها هي سيادة للشعب غير قابلة للتصرف لا بالإلغاء ولا بالتنازل أو التعديل.

3 - القرار السيادي المستقل: الشعب هو صاحب الحق في تقرير مصيره عندما يتعلق الأمر في اختيار شكل دولته وطبيعة نظامها السياسي واختيار حكامه، وكذلك له الحق الكامل في ممارسة هذا الحق في اختيار شكل ومستوى علاقاته الخارجية مع هذه الدولة أو تلك من دول العالم وهو المعنى بالمصادقة أو الرفض للمعاهدات والتحالفات والاتحادات التي تخص دولته مع دول العالم الأخرى، فالشعب هو مصدر السلطات.

تمثل العناصر الثلاثة مع بعضها المضمون العام لوعي الشعب لذاته الوطنية التي من خلالها يتشكل عنده وعي الآخر. يضاف إلى ذلك يدخل تحت مفهوم وعي الذات وعي الانتماءين العربي والإنساني، فالانتماء ثلاثي للشعب وللأمة وللإنسانية. وهذا يعني أن الجنوب حلقة وطنية مستقلة في ذاتها وهو جزء في بنية الأمة العربية، وجزء في البناء الشعوبي للإنسانية وعلاقاته تبنى على قاعدة التكامل بين الجزء والكل وبين الكل وأجزائه وما صاب الجزء ينعكس على الكل، والعكس إذا تأثر الكل تأثرت أجزاؤه.

في الموضوع الثاني المرتبط بالموقع الجغرافي لدولة الجنوب وموقعه في خارطة المصالح الإقليمية والدولية.. حيث يصعب اجتزاء الموقع الجغرافي لدولة الجنوب وبيان أهميته الحيواستراتيجية بمعزل عن الموقع العام للمنطقة كلها- منطقة ما يسمونها بـ "الشرق الأوسط"، فهو جزء من هذه المنطقة يؤثر ويتأثر بما يعتمل فيها من أحداث ويستمد أهميته من أهمية المنطقة كلها في خارطة المصالح العالمية، فالمنطقة تستمد أهميتها من حقيقة أنها:

1 - منطقة تتوسط قارات العالم ومنطقة ربط بين القارات تتواجد فيها أهم وأكثر الممرات والمضايق المائية التي تمر عبرها ما يقرب من 60 ٪ من التجارة العالمية.

2 - منطقة يتواجد فيها ما يزيد عن ٥٠ ٪ من الطاقة التي تحرك عصب الاقتصاد العالمي.

3 - في كونها تمثل أحد أهم وأنشط الأسواق التجارية في العالم.

ومن ثم ولكل هذه الاعتبارات فالمنطقة تمثل منطقة تتقاطع فيها مصالح العالم كله، تتنافس وتتحالف وتتصادم فيها هذه المصالح، الأمر الذي يجعلها مركزا مستمرا لأحداث التاريخ العالمي.

تمر علاقات التعاون والتكامل والتنافس والتحالف والتصادم عبر عدد من المستويات: الوطني والقومي الإقليمي والدولي، وبحسب هذا التوزع تصبح لدينا ثلاثة مواقع لصناعة القرار:

1 - عاصمة صناعة القرار الوطني.

2 - عواصم صناعة القرار الإقليمي.

3 - عواصم صناعة القرار الدولي.

صناعة القرار في المستوى الوطني ينبغي أن يكون سياديا ومستقلا عن كافة التأثيرات الخارجية وأن يكون متوافقا مع المصالح الوطنية العليا ويجسد في مضامينه الإرادة العامة للشعب. أما صناعة القرار في المستوى الإقليمي فيتم بوصفه ثمرة للتوافق بين الشركاء المنضويين في النظام الإقليمي العربي، وهذا هو حال صناعة القرار على المستوى الدولي.

يبين كل ذلك الحالة المثالية في العلاقات الإقليمية والدولية، لكن حقائق الواقع وما تشهده الإنسانية من أفعال وأحداث في مختلف مستويات صناعة القرار، جميعها تؤكد وجود تداخل بين الحلقات وسيطرة واضحة لعلاقات القوة على حساب علاقات الحق.

لذلك في الوقت الذي نجد معظم شعوب العالم ودولها تحرص على استقلالية وسيادية قرارها الوطني فإننا نجد الأمر مختلفا في المستويين الإقليمي والدولي، فالقرار هنا تصنعه القوى الفاعلة ممثلة بالدول المحورية في الإقليم والقوى الكبرى في المستوى الإقليمي في صناعة القرارات الإقليمية، فيما تنفرد القوى الكبرى في صناعة القرارات الدولية. ومن ثم فمن الناحية الواقعية يمكننا الحديث عن عواصم صناعة القرار في المنطقة العربية (الرياض + القاهرة) تضاف إليها عواصم صناعة القرار في النطاق الأوسع "الشرق أوسطي" مثل تركيا وإيران. وكذلك عواصم صناعة القرار الدولي (روسيا، أمريكا، الاتحاد الأوروبي، الصين، بريطانيا، اليابان).

صناعة القرار في المستوى الإقليمي
ينبغي التمييز في المستوى الإقليمي بين مفهومي "العالم العربي" و "الشرق الأوسط" فالمفهوم الأول يخص الأمة العربية بدولها العربية المعروفة والنظام العربي ومؤسساته الشرعية (الجامعة العربية + مجلس التعاون الخليجي وغيرها من المؤسسات)، فيما يشمل المفهوم الثاني (العرب وتركيا وإيران وإسرائيل).
من الناحية النظرية وحتى العملية تعد القوة العربية هي الأكبر في معادلات التوازن الإستراتيجي الشرق أوسطي وهي الرائدة، إلا أنه ولأسباب عارضة وليست أصيلة تشكل الكتلة العربية الحلقة الأضعف، أهمها فكرة الشرق الأوسط الجديد التي تحاول بعض القوى الكبرى تطبيقها في العالم العربي.

تقوم هذه الفكرة الجهنمية على تغيير الخارطة السياسية للعالم العربي من خلال تفكيك وإلغاء الدول القائمة باتباع آليات وطرق عديدة:

1 - استخدام ما يمكن تسميته بـ "وحدة الإلغاء"، كما حدث مع دولتي اليمن (ج. ع. ي) و(ج. ي. د. ش)، إلغاء الدولتين وإدخالها في "فوضى خلاقة" تمهيدا لإعادة رسم خارطة سياسية جديدة تقوم على عدد من الدول بين 4 - 4 دول وحديث الأقاليم الستة والثلاثة الأقاليم يأتي في هذا الإطار.

2 - تكسير الدول بالحرب تمهيدا لإلغاء الدولة وإدخالها في "الفوضى الخلاقة" وإعادة رسم خارطتها السياسية على غرار ما حدث ويحدث في العراق وسوريا وليبيا.

3 - تفكيك الدولة بالاتفاق مع قيادتها السياسية وقيادة قوى المعارضة على غرار ما حدث في السودان.

4 - استخدمت أدوات المذهبية والعرقية وغير ذلك من الأيديولوجيات الدينية والصراع والتنافس بين الدول في عمليات تفكيك الدول العربية.

5 - كما استخدمت الكتل الثلاث التي تدخل في بنية التوازن الإستراتيجي الشرق أوسطي (تركيا + إيران + إسرائيل) كقوى وأدوات داعمة في عمليات تفكيك الدول داخل الكتلة العربية. إسرائيل ومن خلفها أمريكا تخطط وتدير العملية، فيما إيران وتركيا أدوات تنفيذ. تكشف الأحداث في اليمن والعراق وسوريا وليبيا والسودان ولبنان هذه الحقائق بوضوح تام.

المواقف وصناعة القرار في المستوى الدولي
تشكلت قناعة راسخة مستقاة من دروس التاريخ الإنساني لدى قوى النفوذ العالمي، أن السيطرة على الشرق الأوسط وعلى المنطقة العربية خاصة يمثل مفتاح السيطرة على العالم. فالمنطقة كانت ولازالت وستظل ساحة للتنافس والصراع الدولي، وما يحدث اليوم فيها ليس إلا تعبير عن صراع النفوذ وسباق السيطرة على العالم بين القوى الكبرى.

بعد انهيار التوازن الدولي في العقد الأخير من القرن العشرين بسقوط الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة في صناعة القرار الدولي، بدأ التفكير لديها جديا في الانفراد في السيطرة على الشرق الأوسط لضمان استمرار سيطرتها على العالم فوضعت المبررات والأغطية التي تخدم مشروعها مثل تسويق فكرة الديمقراطية وحماية الشعوب من الدكتاتوريات، والقضاء على أسلحة الدمار الشامل لدى بعض دول المنطقة وغيرها من المبررات. كل ذلك محكوم بفكرة عامة للمشروع الأمريكي هي هدم وإعادة بناء للبنيان العربي خاصة والشرق أوسطي عامة وبما يتفق مع المصالح الأمريكية الإسرائيلية.

كانت الدولتان جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية أولى ضحايا هذا المشروع عبر وحدة إلغاء الدولتين في مايو 1990، حين صرح جورج بوش الأب، وهو نائب رئيس حينها، لإذاعة ال بي بي سي قائلا: "إننا ندعم الوحدة بين دولتي اليمن لأن لحلفائنا فيها ستكون الغلبة ومن ثم ما كان خارج دائرة نفوذنا سيؤول إلى دائرة نفوذنا"، وإعلان الوحدة في مايو 1990 وقيام الدولة الموحدة من الناحية الشكلية لم يكن إلى ترانزيت لإدخال المنطقة (منطقة جنوب الجزيرة العربية) في ما بات يعرف بـ "الفوضى الخلاقة"، تمهيدا لإعادة رسم الخارطة السياسية لهذه المنطقة حتى تتسع لتشمل الجزيرة العربية والخليج.

تلى ذلك ضرب العراق واحتلاله وتكسير الدولة وإدخالها في الفوضى والحرب المدمرة ثم جاء الدور للدولة الليبية وبعدها سوريا.

استشعرت القوى الكبرى بخطر المشروع الأمريكي ومخاطره التي تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتصل إلى خنقها هي من خلال التحكم بالطاقة والممرات المائية.. إلخ، فبدأت تعيد بناء ذاتها بدءاً بإعلان اتفاقية "ماستر يخت" التي أسست لقيام الاتحاد الأوروبي، تلاها إزاحة يلتسن في روسيا ومجيء بوتين ليدشن استعادة روسيا لوضعها في معادلة التوازن الدولي ثم انطلاق الصين لتشكل ثاني اقتصاديات العالم والهند وإعلان دول معاهدة شنغهاي ثم البريكس.

تلك هي إرهاصات تشكل النظام الدولي الجديد الرافض لنظام القطب الواحد والرامي إلى تشكل نظام متعدد الأقطاب ومن أولويات هذه المساعي رفض المشروع الأمريكي الساعي للسيطرة على الشرق الأوسط وإفشاله والإبقاء على الشرق الأوسط بخرائطه السياسية وشعوبه ودوله، كما تشكلت قبل وبعد الحرب العالمية الثانية واحترام الحدود السيادية للدول واحترام حقوق الشعوب في السيادة على أراضيها وحقها في تقرير مصيرها، فيما المشروع الأمريكي بآليات الفوضى الخلاقة التي اختارها يهدف إلى تفكيك الدول وإلغاء حدودها، إلغاء الشعوب ودولها وجعل ذلك بوابة لإلغاء كامل حقوق الهوية والسيادة وتقرير المصير لشعوب المنطقة، لتصبح المنطقة بعد ذلك مشاع جغرافية وبشر لا مرجعية حاكمة لسلوكهم السائد فيها الفوضى والتصادم مما يسهل إعادة رسم خرائطها السياسية الجديدة والتحكم بسكانها وإعادة توزعهم داخل الخرائط الجديدة.

يبين هذا العرض طبيعة المشاريع التنافسية المتصادمة في المنطقة ويساعد شعوب المنطقة ودولها الوطنية على الأخذ بالخيارات المناسبة في إعادة صياغة علاقاتها الإقليمية والدولية بما يخدم مصالحها الوطنية العليا والحفاظ على دولها وكامل حقوقها وعدم السماح بالتعامل معها مجرد أدوات ترجح كفة هذا القطب أو ذاك في صراع السيطرة والنفوذ بين الأقطاب الكبرى في العالم أو اقتسامها كمناطق نفوذ بين الكبار على غرار ما حدث بعد الحرب العالمية الأولى أو بعد الحرب العالمية الثانية.

فما هي الأوليات العربية التي هي ذاتها أولويات الجنوب؟
المعركة في المنطقة هي معركة العرب أولا، فهم المستهدفون في المشاريع التدميرية التي تدار في منطقتهم، ومن ثم فمعركتهم هي معركة الكينونة تكون الأمة بشعوبها ودولها أو لا تكون.

وبناء عليه فإن التحديات والأخطار التي يواجهها العرب اليوم تستوجب تطوير إستراتيجية عربية موحدة للتغلب على الأخطار التي تهدد الكينونة العربية، تتكون من جزأين كبيرين: الجزء الأول العمل في الداخل العربي، فيما الجزء الثاني الإستراتيجية العربية الموحدة في التعامل مع الآخر الإقليمي والدولي وينقسم كل جزء إلى مجموعة من الأبعاد:

أولا: الإستراتيجية العربية في الداخل العربي:

1 - العمل التنويري الرامي إلى بناء وعي الذات العربية بشقيها الوطني والقومي.

2 - تطوير مجالات التنسيق الأمني والدفاعي وتطوير التحالف العربي العسكري وانفتاحه على بقية الدول العربية غير المنضوية في التحالف وخلق حالة من الوعي العربي في الوسط النخبوي والسياسي بأن تحديات الحاضر على درجة من الخطورة لا يمكن مواجهتها إلا بعمل عربي مشترك.

3 - تطوير النظام الإقليمي العربي وإعادة بناء وضبط العلاقة بين الوطني والقومي تتحدد فيه حدود المسموح والممنوع في استقلالية القرار الوطني عن القومي أي جعلهما متناغمين.

4 - إيجاد نوع من التوازن بين العلاقات الداخلية وبين الدول العربية والعلاقة مع دول العالم.

5 - التنسيق والتطوير للعلاقات الاقتصادية العربية وخلق سوق عربية مشتركة.

ثانيا: الإستراتيجية العربية الموحدة في التعامل مع الآخر:

- صياغة إستراتيجية عربية موحدة للتعامل مع الآخر في المستويين الإقليمي والدولي تأخذ بعين الاعتبار المصالح الوطنية والقومية للأمة العربية ودولها الوطنية.
- تطوير العلاقات مع العواصم الإقليمية والدولية التي هي أقرب في مواقفها وتتلاقى مصالحها مع مصالح الأمة العربية وشعوبها.

- واستخدام علاقاتنا الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية مع الآخر، كأداة ضاغطة لاحترام المصالح العربية.

الخلاصة
المعركة التصادمية الدائرة في المنطقة العربية هي تصادم بين مشروعين:

المشروع العربي ويكمن في الحفاظ على الدول العربية بحدودها الدولية التي تشكلت في القرن العشرين بعد الحربين العالميتين الأول والثانية ومنع أي تعديل على الخرائط السياسية لدول المنطقة واحترام الحقوق الكاملة لشعوبها والعمل على تطوير العلاقات التحالفية البينية بينها والارتقاء بها إلى مستوى القدرة على الدفاع عن نفسها.

المشروع الخارجي التي يجري تحت يافطة بناء الشرق الأوسط الجديد وغايته تفكيك الدول العربية وإعادة المنطقة إلى ما قبل الدولة.
وعلى العرب وفقا لذلك إعادة صياغة علاقاتهم البينية ببعضهم ومع العالم الخارجي في المستويين الإقليمي والدولي وفقا للموقف من المشروعين.

ولأن المشروع المعادي الذي يضع كل هذه التحديات أمام الأمة العربية ويستهدف كل مكوناتها، البعض قد تم وأصبح من ضحايا هذا المشروع، والبعض الآخر في الطريق، فإن المواجهة معه لن ترى النجاح إلا بعمل عربي موحد وعلى درجة عالية من التنسيق.
يبدأ كل ذلك بفتح حوار إستراتيجي عربي ينتهي بوضع تصور شامل يناقش في الجامعة العربية ويقر ويتحول إلى سياسات ملزمة لكل الدول العربية.

* أستاذ الفلسفة السياسية المساعد - كلية الآداب جامعة عدن

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى