موسم زيارة القطن «الهدار».. تقليد سنوي وظاهرة شعبية أصيلة

تقرير/ خالد بلحاج

اللعبة الشبوانية وتباري شعراء الدان أبرز فعاليات الموسم
في قلب وادي حضرموت الطويل، وعند ملتقى الوديان الرئيسية فيه تقع مديرية القطن ذات المساحات الزراعية الشاسعة والقرى المتعددة والمناطق التاريخية العريقة التي ورد ذكرها في كتب التاريخ. وتزخر هذه المديرية بالعديد من الفعاليات والأنشطة الاجتماعية المتميزة، والتي تكسب نكهة خاصة بطيب أهلها وكرم أخلاقهم، ومن ذلك ما يعرف محلياً باسم زيارة الهدّار أو (زيارة القطن) المنسوبة تاريخياً إلى المصلح الاجتماعي السيد العلامة عمر بن محمد الهدّار المتوفى سنة 1284هـ، وهو إحدى الشخصيات الاجتماعية المؤثرة في المنطقة خلال القرن الثالث عشر الهجري، والذي سعى في حياته لتأمين الحالة الأمنية للمنطقة من خلال إبرام المواثيق والعهود بين مختلف القبائل بعدم الإخلال بالطمأنينة العامة وأجواء الاستقرار.

ويتم بمناسبة وفاته إقامة زيارة عامة لضريحه وعقد صلح قبلي عام بين مختلف قبائل المنطقة لمدة شهر جماد الآخر من كل عام، الأمر يساعد على تشجيع دخول الناس إلى المنطقة في أمن واستقرار، وأسهم بشكل كبير في ازدهار حركة التجارة، فأقيم سوق سنوي كبير خلال هذا الشهر لا يكاد يوجد له مثيل، فقد كان بمثابة السوق الحرة التي تزدهر فيه تجارة التّرانزيت بين مناطق الوادي الخاضعة لكل من الدولة القعيطية والكثيرية (سابقاً)، كما أن أهالي المناطق المجاورة قد ربطوا اقتنائهم للمستلزمات الخاصة به فارتبطت تبعاً لذلك مواعيد الزواج والمناسبات الأخرى بموسم الزيارة، هذا حيث لا يجد المواطن حاجته إلا في هذا السوق.

ظاهرة شعبية أصيلة
تشهد مدينة القطن في النصف الأخير من شهر جماد الآخر فعاليات مهرجان موسم زيارة الهدّار أو زيارة القطن، والتي يتم افتتاحها رسمياً من خلال قص الشريط للسوق التجاري إيذاناً ببدء الفعاليات التي يُحتفى بها في الثالث عشر من جماد الآخر من كل عام كتقليد سنوي يحتفى به لأكثر من مائة وخمسين عاماً.

وتُعد هذه الزيارة كظاهرة شعبية أصيلة لها جذورها التاريخية، يبدأ التحضير لها قبل أن يهل شهر جماد الآخر من كل عام، وفيه تنفض مديرية القطن غبارها استعداداً لهذا الموسم وتجري التحضيرات لاستقبال الزوار والوافدين، ويتم بشكل رسمي في أروقة السلطة المحلية ودوائر الخدمات العامة مناقشة سبل إنجاح هذا الموسم السنوي، كما تحضر عدة الألعاب الشعبية (الشبواني) لإقامة مطلعها السنوي بهذه المناسبة. وتشهد فعاليات الزيارة ذروتها خلال الليالي المقمرة من الشهر، وهو الموعد التاريخي لإقامتها استغلالاً لوجود ضوء القمر.

المطلع السنوي لعدة الألعاب الشعبية
وتزامناً مع موسم الزيارة، تقام فعاليات المطلع السنوي لعدة الألعاب الشعبية (الشبواني) بالمدينة، حيث شهدت المدينة توافد المواطنين من معظم مناطق المحافظة ومن غيرها لمشاهدة فعاليات المطلع الذي تشارك فيه عدد من فرق الشبواني من مدن الوادي وعدد من شعراء الدّان الحضرمي المعروفين، وتتنافس الفرق في إظهار مواهب أفرادها وحيويتهم من خلال الإيقاعات القوية والرقصات المتقنة وباستخدام العصي، كما تلعب الأقوال الحماسية التي يمليها الشعراء دور في إذكاء شعلة الحماس لدى أفراد فرقة العدة، وتتجه جميع العدد إلى ساحة قصر السلطان علي بن صلاح القعيطي كمكان تاريخي مناسب لإقامة سمر المطلع، وفي المساء يكون المواطنون على موعد ساخن مع السمر، حيث تبدأ فعاليات (السَرِيّة) بانطلاق موكب العدة إلى ساحة السمر التي تكتظ بالحضور، ويبدأ السمر، ويتناوب الشعراء المشاركون فيه إلقاء قصائدهم التي يعبرون فيها عن هموم المواطنين وتطلعاتهم، ويتخلل أبياتها الشدو ببعض الأبيات بصوت ألدان الشهير حتى ينقضي السمر بعد ذهاب منتصف الليل فينصرف الناس في سكينة وأمن إلى بيوتهم بعد أن قضوا ليلة عامرة بالأفراح.

معرض للصور وجلسة سمر
أقامت عدة الألعاب الشعبية والشبواني معرض الصور الفوتوغرافية الذي يعكس أنشطتها خلال الأعوام الماضية، وكذا صور للمؤسسين القدامى والرعيل الأول للعدة ومعالم القطن والأعلام البارزة بالمديرية.

وأقيمت جلسة سمر بالشعر والدان الحضرمي التي أحياها شعراء مدينة العنين سالمين علي بازهير، ومحمد سعيد مقشم، ومحفوظ سلامة البوري، وعمر سعيد لكمان، ومحمد سالم بن بخيت، ومغني الدان علاء سالم باشراحيل، حيث تنافس الشعراء في إلقاء أبيات شعرية شعبية حضرمية، ودندن بها مغني الدان الشاب باشراحيل بصوته الشجي.

السوق التجاري
وفي جانب آخر، ومنذ بداية الأسبوع تحتضن مديرية القطن سوقاً تجارياً مفتوحاً يستمر خلال عشرة أيام في وسط الشهر يزدهر بمحلات بائعي الحلويات والألعاب للأطفال وغيرها من محلات المنتجات مثل المنتوجات اليدوية المحلية الصنع من الخوص وغيرها، كما يتوافد على سوق هواة بيع المواشي من أبل وأغنام، وتفتح مطاعم شعبية لبيع اللحم المظبي والمحمس تلبي حاجة رواد السوق والزوار الذين يتوافدون على المديرية بالآلاف فتنتعش الحركة التجارية، وتزدحم الشوارع الرئيسة للمدينة بحركة السير.

وكان السوق يشهد على هامش الزيارة فعاليات دينية وثقافية ورياضية متنوعة وحركة تواصل اجتماعي بتبادل الزيارات ووفود الأصدقاء والأقرباء ونزولهم ضيوفاً على أهاليهم ومعارفهم في المدينة، غير أن الانفتاح الكبير الذي شهدته مدن حضرموت في المجال التجاري تسبب بتراجع مستوى السوق خلال السنوات الماضية، وأصبح يعتمد على عدد قليل من الباعة وأصحاب المحال التجارية كباعة الحلويات وألعاب الأطفال فقط، كما اختفت مظاهر الاحتفالات والفعاليات الثقافية والفنية والرياضية المصاحبة لموسم الزيارة بسبب أوضاع البلد وعدم الاهتمام بهذا التقليد السنوي والاكتفاء بإقامة فعاليات المطلع السنوي لعدة الألعاب الشعبية الذي ما يزال صامداً وكذا السوق التجاري لحفظ ماء الوجه، وقد يغيب في بعض السنوات لأسباب ظروف البلد ولكن هذا التقليد، سيظل أبناء القطن خاصة وحضرموت عامة يحتفون به كونه ظاهرة تجارية واجتماعية لا يمكن الاستغناء عنها.

الحفاظ على الموروث الشعبي
وكيل محافظة حضرموت المساعد لشؤون الوادي والصحراء، م. هشام محمد السعيدي، أشاد بالسوق التجاري ومحتوياته، لافتاً إلى أن زيارة الهدّار تُعد تقليداً سنوياً يُحتفى به لأكثر من 150 عاماً، داعياً السلطة المحلية بالمديرية إلى الحفاظ على هذا التقليد والموروث الشعبي وتطويره وتحويله من موسم إلى مهرجان القطن ليضم إلى جانب المطلع السنوي فعاليات ثقافية وتراثية ورياضية واجتماعية، وكذا التعريف بتأسيس الزيارة ومؤسسها والأسباب التي دعت إلى إقامتها ونشر وثيقة الصلح.

تطوير الموسم
المدير العام لمديرية القطن، عبداللطيف محمد النقيب، أكد أن السلطة المحلية بصدد إحداث نقلة نوعية لموسم الزيارة وتطويره وتشكيل لجنة من المتخصصين والشخصيات الاجتماعية وأسرة آل الهدّار للإشراف عليه لتحديثه بشكل أوسع وأشمل لتصاحبه فعاليات ثقافية وتراثية متنوعة والترويج له لجلب رجال الأعمال والشركات والمؤسسات، مطالباً محافظ حضرموت اللواء الركن فرج البحسني، ووكيل المحافظة لشئون الوادي عصام الكثيري بالمساهمة والدعم لهذه الفعاليات لكونها تعكس الموروث الشعبي الأصيل وتحافظ عليه وتعطي دافعاً كبيراً للمشاركين.

معاهدة صلح
الباحث غالب محمد الهدّار، أشار إلى أن الزيارة اقترن اسمها بمؤسسها المصلح الاجتماعي العلامة عمر بن محمد الهدّار المتوفى سنة 1284هـ الذي سعى لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار بالمديرية وعقد الصلح بين القبائل بالتوقيع على وثيقة ومعاهدة الصلح سنة 1288هـ، مؤكداً بأن الزيارة ليست كما يعتقد البعض زيارة للسيد عمر أو لقبره؛ وإنما إحياء لهذه الوثيقة والمعاهدة التي تنشد الأمن والسلام.

وصف التربوي والباحث عمر علي بن وبر موسم الزيارة وما رافقه من فعاليات بالعرس الكبير الذي لا تشهده القطن فحسب؛ بل حضرموت عامة، مضيفاً: "الاحتفال بالذكرى السنوية لزيارة الهدار حدث بارز، وشكّل ملحمة تاريخية اجتماعية وثقافية وتاريخاً لا يُنسى من الذاكرة".

وأوضح أن هذا الاحتفال يتزامن مع حدث آخر، تلتقي فيه القطن مع سعاد الزبينة مدينة الشحر بالاحتفال بالذكرى العشرين لرحيل عملاق من عمالقة الفن والطرب ورجل ضحى لأجل حضرموت شعراً ورقصاً وغناءً الشاعر الكبير حسين أبوبكر المحضار الذي تغنى بالقطن، وقال: "قلبي في القطن قاطن والشف شف العنين.. لا تنكرونه مواطن له نخل فيها وطين"، لافتاً إلى أن المحضار ينتمي إلى مدينة القطن، وأخواله في منطقة خمور، وبالتالي لم تأتِ هذه القصيدة من فراغ؛ ولكنها كانت حنيناً وحباً وعشقاً لهذه المدينة.

إقبال كبير
متعهد السوق لنحو (25 عاماً) عمر كرامة باحرز، أوضح أن السوق يضم نحو مائة محل متنوعة، مؤكداً أن السوق شهد هذا العام تطوراً ملحوظاً من حيث التنوع في المحلات، وكذا الإقبال الكبير من الزوار.

سيظل موسم زيارة الهدار بالقطن تقليداً سنوي يُحتفى به لِما له من أبعاد تاريخية وثقافية واجتماعية واقتصادية، ولذلك يتطلع أبناء المديرية من السلطات المحلية والمركزية أن تسعى بجدية لتحسين أوضاع المديرية والعمل على وضع إستراتيجية بعيدة المدى لتطوير هذا الموسم واستغلاله الاستغلال الأمثل في ترويج سمعة المديرية وتراثها وتاريخها وازدهار حركة التجارة والسياحة فيها بما يخدم أبناءها ويعكس بشكل عام تراث وتاريخ هذا الوطن.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى