رجال في ذاكرة التاريخ: أحمد سالم الحنكي.. سيرة فاتحتها عمل وخاتمتها استشهاد

نجيب محمد يابلي

دثينة تبعد عن عدن حوالي 130 ميلاً، تحدها من الشمال بلاد العوذلي والعوالق العليا، ومن الجنوب والغرب بلاد الفقلي، ومن الشرق العوالق السفلى.

تنقسم دثينة إلى أربع مناطق:
- المنطقة الوسطى وأغلب سكانها من قبائل الميسري ومركزها مودية التي تعتبر العاصمة الإدارية لدثينة.

- المنطقة الشرقية وأغلب سكانها من قبائل الحسني ومركزها أمقليتة.

- المنطقة الغربية وأغلب سكانها من قبائل السعيدي ومركزها أمخديرة.

- المنطقة الشمالية ومركزها جابرة.

قبائل دثينة
يتكون سكان دثينة من القبائل التالية:

الحسني - الميسري - السعيدي - القحطاني - السادة والمشايخ، أهل قامل.

مجلس للشيوخ ومجلس تشريعي
انقسمت دثينة إلى اتحاد الجنوب العربي في 13 مارس 1960م، وكان هناك في دثينة مجلس للشيوخ يتكون من (12) عضواً وفيها مجلس تشريعي يتكون من (48) عضواً دوائره موزعة على المناطق الأربع بواقع 12 عضواً لكل منطقة وكان هناك في كل منطقة مجلس محلي يتكون من (12) عضواً لإدارة أعمال المحاكم، و3 ضباط تنفيذيين يقومون بتنفيذ القرارات، كما يوجد في كل قرية مجلس قروي مكون من (3) أعضاء يشرف على صيانة العمارات ونظافة القرى وتجتمع المجالس المحلية في العاصمة الإدارية مودية متى ما دعت الحاجة، وفي هذه الاجتماعات تجري مناقشة المشاكل التي تواجه المسؤولين وتقدم اقتراحات من قبل أعضاء المجالس المحلية.

كان الشيخ حسين منصور باجابر، رحمه الله، نائب ولاية دثينة، ووزير دولة اتحادي، ولم تكن دثينة تخضع لسلطان أو أمير وكانت تعتبر دولة تُدار بالتناوب، ولذلك كان رأس الدولة يسمى "نائب".

الميلاد والنشأة
أحمد الحنكي
أحمد الحنكي
أحمد سالم محمد الحنكي، صحفي وأديب وسياسي ومثقف، من طراز الحالمين بصناعة مشهد ثقافي في عدن لا يقل عن عواصم الثقافة العربية كالقاهرة وبيروت وبغداد وغيرها، وهكذا عرفت عدن في رحابة ساحتها بالصحافة والثقافة والمسرح والرياضة، وهي التي استقبلت فريد الأطرش وماهر العطار ومحمود شكوكو وفريقي الإسماعيلي المصري والموردة السوداني.

أحمد سالم الحنكي، من مواليد دثينة عام 1948م، وفيها تلقى دراسته الابتدائية والمتوسطة في ولاية دثينة وانتقل بعد ذلك إلى ولاية عدن، حيث التحق بمعهد الجنوب التجاري العطر الذكر لصاحبه الخالد الذكر محمد سعيد الحصيني بمدينة الشيخ عثمان (عدن) عام 1965م، وهي مدينة عبدالمجيد وأحمد الأصنج، ومحمد سعيد جرادة، وعبدالله فاضل فارع، وسلطان عبده ناجي، والشيخ العبادي الذي درّس محمد سعيد جرادة "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري على يديه، وعبده سعيد صوفي. وهي مدينة محمود عراسي، وطه غانم، ونصر شادلي، وعبدالرزاق معتوق، وقيس غانم نعمان، والسفير إسماعيل نعمان، ونجيب مقبل، وهي أيضاً مدينة (كاتب الذاكرة)، والقائمة طويلة.

الحنكي في بوليس عدن وجبهة التحرير
في فترة 1965م، عمل أحمد سالم الحنكي، في سلك بوليس عدن المدني (Aden Civil Police)، ولغرض سير عمله الشرطوي على نحو مقبول، التحق بالمعهد المذكور للإلمام باللغة الانجليزية وبعد ذلك بعام واحد التحق بالقطاع الغذائي لجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل (FLosy)، وحدث انعطاف حرج بالنسبة لخدمته الشرطوية، ذلك أن أحد رفاق السلاح في جبهة التحرير وقع في أسر القوات البريطانية، فصدرت أوامر القيادة بالاختفاء ومغادرة عدن إلى مناطق ريفية ضماناً لحياتهم، فعاد أحمد الحنكي إلى قريته في مودية.

عكف أحمد الحنكي بمقر إقامته في بيت أسرته على القراءة في الأدب والسياسة والتاريخ، مستفيداً من مخزون مكتبة والده وكان هاجس كل الوطنيين آنذاك يتمحور في الكفاح ضد الاستعمار وكانت الجبهة القومية (NLF)، هي الأكثر نفوذاً في الريف فلم يتردد في الانضمام إليها، حيث سبقه والده وشباب المنطقة في ذلك.

الحنكي في القوى الجوية
بعد استقلال الجنوب في نوفمبر 1967م، توجه أحمد الحنكي إلى العاصمة عدن والتحق هناك بالقوى الجوية الفنية وتلقى دورة أولية في الهندسة الجوية في أواخر عام 1972م.
كان أحمد الحنكي من ضمن المبتعثين إلى الاتحاد السوفييتي لدراسة هندسة الطيران، إلا أن شغفه وولعه بالصحافة والإعلام كان وراء تغير مساق دراسته إلى العلوم الاجتماعية في كلية العلوم العسكرية والاجتماعية بموسكو وحاز على درجة الدبلوم.

الحنكي وبداية المشوار مع مجلة الجندي
صدر قرار إداري في العام 1975م، بتعيين أحمد سالم الحنكي رئيساً لتحرير مجلة الجندي، ثم نائباً لمدير الدائرة الإعلامية بمجلس الوزراء، ثم عُين بعد ذلك نائباً لرئيس تحرير صحيفة 14 أكتوبر حتى منتصف عام 1981م.

الحنكي مديرا عاما لدار الهمداني
شهدت اليمن الديموقراطية انفتاحاً سياسياً في علاقة النظام بجيرانه، بل على مستوى العلاقة بالمواطن في الجنوب، وفي ظل ذلك المناخ قدم مشروع تأسيس أول دار نشر للكتاب وأقر مجلس الوزراء المقترح المقدم لذلك الغرض ووافق المجلس على مقترح بتسمية ذلك الدار "دار الهمداني للطباعة والنشر" وعيّن أحمد سالم الحنكي مديراً عاماً للدار.

نجيب مقبل
نجيب مقبل
تمكن الحنكي من خلال ذلك المشروع الثقافي والأدبي، من استقطاب نخبة من الصحفيين والمثقفين المحليين والعرب وفي مقدمتهم الشاعر العربي الكبير سعدي يوسف الذي كان مستشاراً ثقافياً للدار.
وفقت دار الهمداني في أن تكون مصنعاً لطباعة الكتاب، من خلال دائرة التأليف والنشر والترجمة التي رأسها الأديب عادل ناصر ونائبه نجيب مقبل (رئيس التحرير الحالي لصحيفة 14 أكتوبر)، وعضوية الشاعر عوض الشقاع.

سعدي يوسف
سعدي يوسف
أصدرت "دار الهمداني" برئاسة الحنكي أكثر من 400 كتاب في التاريخ والشعر والفلسفة والتربية الوطنية، بالإضافة إلى كتاب شهري للأطفال وكتاب معرفي، وضمت هيئة تحريرها كل من: نعمان قائد سيف، ومحمد عبدالله مخشف، وإبراهيم الكاف، وعبد الرقيب مقبل، وإقبال الخضر، وأدباء وصحفيين آخرين، تحت إشراف سعدي يوسف. وكذا إصدار مجلة "نشوان" الشهرية الملونة الخاصة بالأطفال، تحت إدارة الأديب نجيب مقبل، وهيئة تحرير من الأديبتين نهلة عبده عبدالله وشفاء منصر.

هكذا تمكن أحمد سالم الحنكي من توظيف المطابع المحلية بعمل نهضوي في صناعة الكتاب بصورة منتظمة راعت الديمومة، ولم يكن لذلك المشروع من النجاح لولا توفر مواصفات القائد المثقف والإداري المحنك صاحب المشروع الثقافي الذي تجاوز به أحمد سالم الحنكي الواقع وساهم في تحقيق حلم الرؤية المستقبلية.

الحلم الذي لم يتحقق
كان الشهيد أحمد سالم الحنكي، يخطط في أواخر العام 1985م، لتنظيم فعالية ثقافية كبرى لمناسبة الذكرى العشرين للاستقلال 1987 تتمثل في معرض للكتاب العربي يكون فاتحة لمعرض سنوي باسم معرض عدن للكتاب العربي غير أن الفكرة لم تر النور بعد استشهاده، بل ووئدت دار الهمداني وانطفأت أنوارها وتواصل الظلام بعد دخول النفق المظلم في 22 مايو 1990م، الذي لم تخرج منه حتى اليوم.

كلمة شكر للسفير عبدالله الحنكي والزميل نجيب مقبل
تلقيت هذه الرسالة "بالواتس" من الزميل نجيب مقبل، رئيس تحرير صحيفة 14 أكتوبر يوم 24 فبراير 2020م، ذلكم نصها: "أستاذ نجيب.. مساء الخير.. هذه سيرة ذاتية للشهيد الصحفي والمثقف والسياسي أحمد سالم الحنكي، كما وردتني من أخيه أ. السفير عبدالله الحنكي، وأضفت أنا شيئاً طفيفاً فيها، فيما يتعلق بمشروع دار الهمداني. كما عايشتها معه وكنت أحد المشاركين في صناعتها، أتمنى أن تنال السيرة اهتمامكم".

معزتي وأمتناني وتقديري لكم.

نجيب مقبل".

ومن جانبي، أشكر سعادة السفير عبدالله الحنكي والزميل نجيب مقبل، على تقديم المادة التي أضفت إليها ما أمكن، إضافة لخدمة القارئ والتاريخ بتقديم هذه الشهادة.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى