كارثة حي ردفان بالمعلا أكبر من حجم الدولة المهاجرة

تقرير/ فردوس العلمي

كُتب على جدران الحي المنكوب بكل جبروت "هنا مر السيل ودمر كل شيء".. حي ردفان الواقع على راحة جبل شمسان في مديرية المعلا بالعاصمة عدن أحد أكثر المناطق تضرراً بفعل سيول الأمطار؛ لكن الكارثة هنا مضاعفة بسبب العشوائيات التي حالت دون عمليات الإغاثة وإصلاح ما خلفه السيل من ضرر.

تجد في حي العمال "ردفان" منازل مدفونة بالكامل، وأخرى جزئياً، وممرات أغلقت، وأناس عالقين في منازلهم ومشردين تدمرت مساكنهم بفعل قوة الجرف أو غرقت، هنا وبعد أكثر من أسبوعين لا يزال أهالي هذا الحي يعانون آثار الأمطار وسيولها، وكأنما أمطرت البارحة، «الأيام» نزلت إلى الحي الذي يتعذر دخول السيارات إليه بسبب البناء العشوائي لتنقل معاناة ساكنيه بألسنتهم علهم يجدون أذناً صاغية ويداً حانية تنتشلهم من الواقع البائس جراء السيول تاركة لكم تخيل حجم الكارثة إن حدث فيه حريق أو مرض يستدعي دخول سيارات الإسعاف.

عاقل حارة لبوزة ووحدة أول مايو في حي ردفان، بدر أحمد سالم، قال: "هذه المنطقة في ثمانينات القرن المنصرم كانت مخططة من قِبل البلدية وكانت هناك منازل محددة بحوالي 500 منزل مرخص، وكانت الشوارع واسعة، وخدمات الصرف الصحي سليمة، وخدمة المياه تصل إلى كل بيت، لكن منذ منتصف عام 1990م، غزا البناء العشوائي المنطقة وبنيت منازل أكثر من المنازل المرخصة، ولم يفكر أصحاب العشوائيات بشبكة الصرف الصحي والمياه ولا الكهرباء، ولم يدعوا مجالاً لذلك، الأمر الذي تسبب بكارثة كنا قد حذرنا منها الحكومات السابقة، ورفعنا عدداً من التقارير؛ ولكن للأسف، وكما هو معتاد لم يتلفت إلينا أحد"، مشيراً إلى أن سكان المنطقة لامسوا الكارثة في الخدمات كون المجاري وشبكة المياه تضاعفت بدون تخطيط، فلم تتحمل أعداد السكان المتزايدة بشكل مهول مقارنة بما هوخطط له.

وعن كارثة سيول أبريل، قال: "الأضرار كبيرة، وسببها البناء العشوائي، والبناء فوق مجاري السيول، وحقيقة كارثة جبل ردفان أكبر من حجم الدولة؛ لأنه لا توجد دولة أساساً".

وأوضح عاقل الحي بأن عدد المنازل المنهارة بشكل كلي بلغت 10 منازل، وأن هناك أكثر من 15 منزلا مدفونا بالأحجار والطين والركام وصل إلى مستوى الدور الثاني، إضافة إلى 88 منزلاً غمرته المياه مسببة أضراراً جسيمة في الأدوات الكهربائية والآثاث والمواد الغذائية، مشيراً إلى أن لجنة من الأشغال العامة كان من المقرر أن تنزل إلى المنطقة للاطلاع على حجم الكارثة لكن النزول أُجل بسبب إجازة عيد العمال.
أدوات محل كمبيوتر جرفها السيل للخارج
أدوات محل كمبيوتر جرفها السيل للخارج

وعن احتياجات المنطقة لانتشالها من الوضع الكارثي، قال: "نحتاج إلى مضاعفة جهود الخيرين ورجال المال والأعمال لإنقاذ الأهالي، ونحن كجهة مسؤولة تواصلنا مع المأمور الذي تجاوب معنا، ورفعنا له كشوفات بالأضرار الأولية"، مشيدًا بجهود شباب الحي الذين عملوا على إزالة الأحجار والركام بشكل تطوعي بالتنسيق مع قيادة المديرية، مستدركاً بأن حجم الكارثة كبير جداً، ويحتاج جهود دولة.

ووجّه عاقل الحارة رسالة عبر «الأيام» للحكومة قال فيها: "نحن سكان حي ردفان نعاني بسبب البناء العشوائي منذ عام 1990م، لهذا نرجو إعادة النظر في تخطيط المنطقة، فقد تزايد عدد السكان، كما نعاني من تدهور خدمات الكهرباء والمياه التي أصبحت شبه منهارة، وبحاجة إلى تصحيح، والمنطقة أصبحت مغلقة رغم أنه في السابق كانت السيارات تصل إلى آخر بيت في المنطقة، الكارثة كبيرة في المنطقة ونحن نبذل قصارى جهدنا، ونولي جهداً للتكاتف المجتمعي؛ ولكن الأمر يحتاج إلى تدخل جهود الدولة، فالموطن مطحون من ارتفاع الأسعار، وبالكاد يستطيع توفير متطلبات أسرته الأساسية".

ويصف أحمد صالح جراد، أحد سكان حي ردفان، حالهم قائلا: "الوضع في جبل ردفان كارثي بكل المقاييس، وذلك بسبب السيول الجارفة التي تعرضت لها عدن بشكل عام، وتسببت بأكوام التراب والأحجار التي غمرت الكثير من المنازل، وهدمت بعضها بشكل كلي وجزئي، إلى جانب دخول مياه السيول لكثير من منازل الفقراء، وتخريب آثاثهم وحاجياتهم من راشن وفرش". مؤكداً بأن ما زاد الأمر سوءاً وتعقيداً هو استحالة دخول أدوات ومستلزمات رفع الركام من سيارات وشيولات، حيث أصبحت المنطقة مغلقة بسبب العشوائيات.
السيول نخرت ساس المنزل
السيول نخرت ساس المنزل

وقال: "إن المنطقة أغلقت نتيجة قيام القاطنين فيها ببناء الأحواش، وتوسعوا في المنازل التي كانت مكونة من غرفة وصالة، ولم يتم التعامل معهم في حينها من قِبل الجهات المختصة"، مؤكداً أن أصحاب العشوائي رفضوا فتح الطريق عند بناء الخط الدائري، والآن ما يحدث هو نتيجة طبيعية لجشعهم واستهتارهم وأنانيتهم.
النافذة أصبحت مخرج "العم فؤاد" بدلاً من الباب المغمور بالحجارة
النافذة أصبحت مخرج "العم فؤاد" بدلاً من الباب المغمور بالحجارة

وأضاف: "تعاني المنطقة الكثير، فشبكات الصرف الصحي والمياه التي تضررت بشكل كبير بفعل السيل وردمت معظم البيارات، كما كانت مستنقعات المياه مرتعاً للبعوض الناقل للأمراض والأوبئة التي تفتك بالسكان، ورغم كل هذا لم نجد مَن يلتفت لنا سوى شباب الحي الذين يقومون بمبادرة تطوعية تحت اسم "الإرادة"، وبدون مقابل، برفع أكوام الأتربة التي غطت الطرقات والبيوت وسدت المنافذ، والدعم إلى الآن معدوم من قِبل السلطة المحلية في المحافظة، ما عدا فهد مشبق مدير المديرية الذي قدم ما باستطاعته من توفير أدوات رفع الأتربة والطمر يدوياً من جواري ومجارف وخلافة وتقديم مبلغ رمزي كحافز للشباب، وهذا عمل يشكر عليه على قلته". مطالباً السلطة المحلية في المحافظة بالنظر إلى معاناة الناس في جبل ردفان وعموم المناطق الجبلية المتضررة في المعلا، وكذلك رجال الخير والميسورين في عدن الحبيبة بتقديم ما تجود به أنفسهم للأسر المنكوبة في هذا الشهر الفضيل.
باب منزل "العم فؤاد" مسدودًا بالحجارة
باب منزل "العم فؤاد" مسدودًا بالحجارة

أمين أحمد خالد، من سكان المنطقة، استنكر رفض الداعمين والمسؤولين من النزول إلى المنطقة ليقيّموا حجم الضرر بأنفسهم دون وسيط، متعللين بأن المنطقة جبلية يصعب النزول إليها بالرغم من نزولهم إلى مناطق كاسترو والشيخ إسحاق، وقال: "منطقتنا مغلقة ولا سيارات تصل إليها، ولابد لمن أراد مد يد العون أن يرسل مندوباً يطلع على الوضع عن كثب". وأفاد أمين بأنهم لقوا استجابة يتيمة لنداءات استغاثتهم بعد طرحها على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث جاء عمال البلدية وأخرجوا حوالي 15 عربة يدوية الدفع مليئة بالأحجار والأتربة التي تعرقل الطريق وتسد مداخل المنازل.
شرفة "العم فؤاد" من السقف بعد أن غمرت الأحجار بابه ونافذته
شرفة "العم فؤاد" من السقف بعد أن غمرت الأحجار بابه ونافذته

أحد شباب المبادرة التطوعية، محمد عبداللاه الشهير بمحمد الصومالي، أكد على ضرورة أن يكون لهم دور وبصمة في ظل ما تعيشه البلاد، فالمتضررون أهله وجيرانه، فكان لابد من تشكيل لجنة أهلية لإنقاذ المنطقة، وأردف: "تواصلنا مع قيادة المديرية ممثلة بالمأمور فهد مشبق وتجاوب معنا ومدنا بالجواري والمجارف، وكون المنطقة مغلقة لم نستطع إدخال آلية (السنكوحة)، فاضطررنا للعمل بشكل جماعي لإزالة الأضرار". وأضاف: "معاناتنا كبيرة في هذا الحي، ولا تنتهي عند أضرار سيول الأمطار التي زادت الطين بلة، وتسببت بدفن الكثير من المنازل، وسدت الطرقات بأكوام الأتربة، نحن نعمل منذ أكثر من أسبوع بأدوات بدائية؛ كون المنطقة ضيقة وليست مخططة، والعشوائية فيها كبيرة"، داعياً المتطوعين في المبادرات الشبابية إلى مساعدتهم؛ كونهم في مبادرة الإرادة يعملون بعشرة جواري وعشرة مجارف وعشرة مضارب فقط، شاكراً فهد مشبق وطفرة عدنية على مد يد العون، وصحيفة «الأيام» الغراء على نزولها لنقل معاناتهم.

هنا انتهت زيارتي للمنطقة وتركت خلفي أناس ينتظرون يدا تمتد لمساعدتهم، فمنازلهم لا زلت مدفونة مهدمة، وحالهم مأساوياً يصعب النظر إليه وتجاوزه بهدوء دون أن يمس الضمير ويطرق باب الرحمة.


أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى