التتار.. عين جالوت.. المعركة الفاصلة

هاشم الخضر السيد

أشد ساعات الليل ظلمه تلك التي تسبق بزوغ الفجر، وأشد لحظات السماء تلبدًا بالغيوم تلك التي تسبق هطول المطر، وأشد أوقات المرأة إيلامًا تلك التي تسبق المخاض والميلاد الجديد. وحان وقت الفجر.. صلى المسلمون الفجر في خشوع.. ورتبوا صفوفهم بعد الصلاة واستعدوا، وما هي إلا لحظات وأشرقت الشمس.. هذا يوم الجمعة الخامس والعشرون من رمضان سنة 658هـ، وبشروق الشمس أضاءت الدنيا، ورأى المسلمون من بعيد.... جيش التتار!

رؤية جيش التتار
أتى الجيش التتري المهول من اتجاه الشمال، وبدأ في الاقتراب من سهل عين جالوت، وعلى أبواب السهل وقف الجيش التتري في عدده الرهيب وعدته القوية.
ولم يكن بالسهل على المسلمين، فقد كانوا يقفون جميعًا خلف التلال. لكن مقدمة جيش المسلمين بقيادة ركن الدين بيبرس كانت لا تخفي نفسها، وذلك حتى يعتقد جواسيس التتار أن هذه المقدمة هي كل الجيش.. ومع ذلك فعند قدوم جيش التتار كانت هذه المقدمة مختفية هي الأخرى، ثم أشار لها قطز أن تنزل من فوق التلال للوقوف على باب السهل لقتال الجيش التتري. "سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ" [الأنفال: 12]. بدأت القوات الإسلامية تنساب من فوق التلال إلى داخل سهل عين جالوت، ثم تتجه إلى شمال السهل للاقتراب من جيش التتار. ولم تنزل مقدمة الجيش دفعة واحدة، إنما نزلت على مراحل، وفي صورة عجيبة.
وأترك الحديث لصارم الدين أيبك -الرجل المسلم في جيش التتار- والذي كان يقف بجوار «كتبغا» وهو يصف القوات الإسلامية وهي تنزل من فوق التلال.
يقول صارم الدين أيبك: «فلما طلعت الشمس ظهرت عساكر الإسلام، وكان أول سنجق أحمر وأبيض، وكانوا لابسين العدد المليحة».
نزلت الكتيبة الإسلامية الأولى وهي تلبس ملابس أنيقة أحمر في أبيض.. للفرقة كلها زي واحد، وكانوا يلبسون العدد المليحة، بمعنى أن الدروع والسيوف والرماح والخيول كانت في هيئة مليحة (جميلة).. لقد نزلوا بخطوات ثابتة، وبنظام بديع.
الجنود الإسلاميون ينزلون إلى ساحة المعركة في غاية الأناقة والبهاء.. وكأنهم في عرض عسكري.. لهم هيبة.. وعليهم جلال.. ويوقعون في قلب من يراهم الرهبة. وهذه هي الكتيبة الأولى.
هذه أول مرة يرى فيها كتبغا جيش المسلمين على هذه الصورة، لقد كان معتادًا أن يراهم وراء الحصون والقلاع يرتجفون ويرتعبون، أو يراهم وهم يتسارعون إلى الهروب فزعًا من جيش التتار، أو يراهم وهم يسلمون رقابهم للذبح الذليل بسيوف التتار!!! قال كتبغا في فزع: «يا صارم، رُنك مَن هذا؟!». «ورنك» كلمة فارسية تعني «لون»، وهو يقصد كتيبة من هذه؟ إنها كتيبة مرعبة. وكانت فرق المماليك تتميز عن بعضها البعض بلون خاص.

التجديد في أساليب القيادة
وبعد أن نزلت مقدمة المسلمين بقيادة ركن الدين بيبرس بدأت فرقة الموسيقى العسكرية الإسلامية المملوكية تظهر على الساحة، وانطلقت في قوَّة تدق طبولها وتنفخ في أبواقها وتضرب صنوجها النحاسية..  لقد كانت الجيوش المملوكية تتلقى الأوامر عن طريق هذه الدقات التي لا يعرفها الأعداء.. فكانت هناك ضربات معينة للميمنة وضربات معينة للميسرة وضربات معينة للقلب،  وكانت هناك ضربات للتقدم وضربات للانسحاب، وضربات خاصة لكل خطة عسكرية، وبذلك يستطيع القائد قطز أن يقود المعركة عن بعد، وعلى مساحة شاسعة من الأرض من خلال دقات هذه الآلات الضخمة.. هذا فوق الرهبة التي كانت تقع في قلوب الأعداء من جراء سماع هذه الأصوات المزلزلة، بينما كانت هذه الدقات تثبت المسلمين، وتشعرهم بمعية القائد لهم في كل تحرك من تحركاتهم.
ووقف الأمير ركن الدين بيبرس بقواته على المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، بينما ترك السهل بكامله خاليًا من خلفه، واقتربت جدًّا ساعة الصفر.

واحتدم اللقاء!
ونظر كتبغا إلى مقدمة القوات الإسلامية وكان لا يدرك شيئًا عن القوات الرئيسية المختبئة خلف التلال، فوجد أن قوات المقدمة الظاهرة أمامه قليلة جدًّا بالنسبة إلى قواته.. ومع ذلك فهي في هيئة حسنة ومنظر مهيب، فأراد كتبغا أن يحسم المعركة لصالحه من أول لحظاتها.. لذلك قرر أن يدخل بكامل جيشه وقواته لحرب مقدمة المسلمين. وهذا تمامًا ما كان يريده الملك المظفر قطز.
وأعطى كتبغا قائد التتار إشارة البدء لقواته. وانهمرت جموع التتار الرهيبة وهي تصيح صيحاتها المفزعة على مقدمة جيش المسلمين. أعداد هائلة من الفرسان ينهبون الأرض في اتجاه القوات الإسلامية. أما القائد المحنك ركن الدين بيبرس فقد كان يقف في رباطة جأش عجيبة،  ومعه الأبطال المسلمون يقفون في ثبات، وقد ألقى الله عز وجل عليهم سكينة واطمئنانًا، وكأنهم لا يرون جحافل التتار. حتى إذا اقتربت جموع التتار أعطى بيبرس إشارة البدء لرجاله.. فانطلقوا في شجاعة نادرة في اتجاه جيش التتار، ولا ننسى أن هذه المقدمة الإسلامية قليلة جدًّا بالنسبة إلى جيش التتار.
وارتطم الجيشان ارتطامًا مروعًا. وارتفعت سحب الغبار في ساحة المعركة، وتعالت أصوات دقات الطبول وأصوات الآلات المملوكية، وعلت صيحات التكبير من الفلاحين الواقفين على جنبات السهل وامتزجت قوات المسلمين بقوات التتار، وسرعان ما تناثرت الأشلاء وسالت الدماء، وعلا صليل السيوف على أصوات الجند. واحتدمت المعركة في لحظات.. ورأى الجميع من الهول ما لم يروه في حياتهم قبل ذلك.
كانت هذه الفرقة المملوكية من أفضل فرق المسلمين، وقد أحسن قطز اختيارها لتكون قادرة على تحمل الصدمة التترية الأولى.. والذي يحرز النصر في بداية المعركة يستطيع غالبًا أن يحافظ عليه إلى النهاية.. ليس فقط للتفوق العسكري ولكن -أيضًا- للتفوق المعنوي.

خطة قطز
وثبتت القوات الإسلامية ثباتًا رائعًا مع قلة عددها، مما دفع كتبغا إلى استخدام كل طاقته دون أن يترك أي قوات للاحتياط خلف الجيش التتري. كل هذا وقطز يرقب الموقف عن بعد، ويصبر نفسه وجنده عن النزول لساحة المعركة حتى تأتي اللحظة المناسبة. ومرت الدقائق والساعات كأنها الأيام والشهور. ومع الفجوة الهائلة في العدد بين الفريقين فإن اللقاء كان سجالًا حتى هذه اللحظات.
كان هذا هو الجزء الأول من الخطة الإسلامية: استنزاف القوات التترية في حرب متعبة، والتأثير على نفسياتهم عند مشاهدة ثبات المسلمين وقوة بأسهم.

الانسحاب والكمائن
ثم جاء وقت تنفيذ الجزء الثاني من الخطة الإسلامية البارعة.. ودقت الطبول دقات معينة لتصل بالأوامر من قطز إلى بيبرس ليبدأ في تنفيذ الجزء الثاني من الخطة.
وكان الجزء الثاني من الخطة عبارة عن محاولة سحب جيش التتار إلى داخل سهل عين جالوت، وحبذا لو سُحب الجيش بكامله، بحيث تدخل قوات التتار في الكمائن الإسلامية تمهيدًا لحصارها.
وبدأ ركن الدين بيبرس في تنفيذ هذا الجزء من الخطة على صعوبته، فكان عليه أن يُظهر الانهزام أمام التتار، ويتراجع بظهره وهو يقاتل، على ألا يكون هذا التراجع سريعًا جدًّا حتى لا يلفت أنظار التتار إلى الخطة، ولا بطيئًا جدًّا فتهلك القوَّة الإسلامية القليلة أثناء التراجع..  وهذا الميزان في الانسحاب يحتاج إلى قدرة قيادية فائقة، كما يحتاج إلى رجال أشداء مهرة في القتال. وقد كانت هذه العوامل متوافرة في الجيش بحمد الله، وقبل هذا بالطبع كان توفيق الله عز وجل عونًا لهذا الجيش الصامد.

خطة معركة نهاوند
هذه الخطة هي نفس خطة القوات الإسلامية في موقعة نهاوند الشهيرة ضد القوات الفارسية وذلك في سنة 19هـ، وكان يقوم بدور ركن الدين بيبرس القائد الإسلامي الفذ الصحابي القعقاع بن عمرو التميمي رضي الله عنه، وكان يقوم بدور قطز الصحابي الجليل والفارس العظيم النعمان بن مقرّن رضي الله عنه، وقام ساعتها القعقاع بن عمرو التميمي بسحب قوات الفرس الرهيبة في الكمين الإسلامي الذي قضى على قوات الفرس تمامًا في نهاوند. وهنا في عين جالوت يستفيد قطز من تجارب المسلمين السابقة ويطبق خطة نهاوند بحذافيرها. وبدأ ركن الدين بيبرس في الانسحاب التدريجي المدروس، وكلما رجع خطوة تقدم جيش التتار في مكانه.
وقام المسلمون بتمثيلية الانهزام خير قيام، وتحمس كتبغا ومن معه للضغط على المسلمين، وبدءوا يدخلون السهل وهم يضغطون على المسلمين، ومر الوقت ببطء على الطرفين،
ولكن في النهاية دخل جيش التتار بكامله إلى داخل سهل عين جالوت، وانسحب ركن الدين بيبرس بمقدمة الجيش إلى الناحية الجنوبية من سهل عين جالوت، وفي غضون حماسة كتبغا للقضاء على جيش المسلمين لم يترك أيًا من قواته الاحتياطية خارج السهل بل أخذ معه كل جنوده!

غباء القوَّة!
كتبغا قائد عسكري بارع، وذو خبرة طويلة جدًّا في مجال الحروب، فقد جاوز الستين من عمره، ولعله جاوز السبعين، فهو من الذين عاصروا جنكيزخان، وجنكيزخان مات قبل هذه الموقعة بأربعة وثلاثين سنة، قضاها كتبغا كلها في حروب وقيادة. لقد كان من المفترض عليه كقائد محنك أن يترك قوات احتياط خارج السهل لتؤمن طريق العودة في حال الخسارة، ولتمنع التفاف الجيش الإسلامي حول التتار، ولتراقب أي تحركات مريبة لجيوش أخرى قد تأتي لمساعدة الجيش الإسلامي. لكن هذا لم يحدث!
لقد توقفت العقلية التترية عن التفكير السليم في وقت حساس جدًّا من أوقات المعركة.. قد يفسر ذلك برغبة كتبغا في القضاء الكامل على قوات المسلمين وبحسم، وقد يفسر بضعف من المخابرات التترية التي لم تدرك حجم الجيش الإسلامي الحقيقي، وقد يفسر بالغرور والصلف الذي كان يملأ كتبغا من أم رأسه إلى أخمص قدميه مما جعله يستهين تمامًا بقوات المسلمين، وقد يفسر بأن هناك أهدافًا تكتيكية معينة في ذهن كتبغا لا نعرفها. لكن كل هذه التفاسير لا تعطي مسوغًا مقبولًا لهذا الخطأ العسكري الفادح الذي لا يقع فيه مقاتل مغمور في مطلع حياته العسكرية، فضلًا عن قائد مخضرم مثل «كتبغا»!
وهكذا دفع كتبغا جيشه دفعًا للدخول بكامله في سهل عين جالوت. وبذلك نجح الجزء الثاني من الخطة الإسلامية نجاحًا مبهرًا. وبدأ تنفيذ الجزء الثالث من الخطة. وجاءت إشارة البدء من قطز عن طريق الطبول والأبواق.

كتبغا في المصيدة!
ونزلت الكتائب الإسلامية العظيمة من خلف التلال إلى ساحة المعركة.. نزلت من كل جانب، وأسرعت فرقة قوية لتغلق المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، وبذلك -في دقائق معدودات- أحاطت القوات الإسلامية بالتتار إحاطة السوار بالمعصم. الخطة تسير في منتهى الإحكام والدِقة، ومع ذلك فهذه الخطة تحمل في طيّاتها خطورة عظيمة على الجيش الإسلامي نفسه.. لماذا؟
لأن حصار التتار دون ترك فرصة الهروب لهم سوف يدفع كل الجنود التتار لإخراج كل طاقاتهم.. إنهم سيقاتلون قتال المستميت.. قتال المحصور.. قتال الحياة أو الموت وليس قتال الهزيمة أو النصر. لكن -في الوقت نفسه- إن نجحت الخطة فسوف يكون فيها هلاك عدد ضخم من الجيش التتري.. وقد تكون هذه هي الضربة القاصمة القاضية على هذا الجيش الرهيب.
واكتشف كتبغا الخطة الإسلامية بعد فوات الأوان، وحُصر هو والتتار داخل سهل عين جالوت، وبدأ الصراع المرير في واحدة من أشد المعارك التي وقعت في التاريخ.. لا مجال للهرب، أو المناورات.. السهل منبسط والمساحات مكشوفة، وليس هناك من حماية إلا خلف السيوف والدروع.. لا بديل عن القتال حتى الموت.
حرب ضارية بشعة.. أخرج التتار فيها كل إمكانياتهم، وبدءوا يقاتلون بحمية بالغة.. والمسلمون صابرون ثابتون. وظهر تفوق الميمنة التترية  -كما أخبر بذلك رسول صارم الدين أيبك- وبدأت الميمنة التترية تضغط على الجناح الأيسر للقوات الإسلامية، وبدأت القوات الإسلامية تتراجع تحت الضغط الرهيب للتتار، وبدأ التتار يخترقون الميسرة الإسلامية، وبدأ الشهداء يسقطون، ولو أكمل التتار اختراقهم للميسرة فسيلتفون حول الجيش الإسلامي، وتتعادل بذلك الكفتان، وقد ترجح كفة التتار.. ويصبح إغلاق السهل خطرًا على المسلمين.
وقطز يقف في مكان عالٍ خلف الصفوف يراقب الموقف بكامله، ويوجه فِرَق الجيش إلى سد الثغرات، ويخطط لكل كبيرة وصغيرة. فماذا فعل قطز؟

صيحة النصر الخالدة
اشتدت المعركة في عين جالوت على آخرها، وحمي الوطيس، وبدأت الميمنة التترية تضغط على الجناح الأيسر للقوات الإسلامية، وبدأت القوات الإسلامية تتراجع تحت الضغط الرهيب للتتار، وبدأ التتار يخترقون الميسرة الإسلامية، وبدأ الشهداء يسقطون. وشاهد قطز المعاناة التي تعيشها ميسرة الجيش المسلم، فدفع إليها بقوات احتياطية، ولكن الضغط التتري استمر، وبدأ بعض المسلمين يشعر بصعوبة الموقف، ولعل بعضهم قد شك في النصر، ولا ننسى السمعة المرعبة لجيش التتار الذي قيل عنه: «إنه لا يهزم».

واااإسـلاماه صيحة القائد في أرض المعركة
وقطز يشاهد كل ذلك، ويدفع بقوات إضافية إلى الميسرة، ولكن الموقف تأزم جدًّا، هنا لم يجد قطز إلا حلًا واحدًا لا بديل له. لا بد أن ينزل بنفسه إلى ساحة القتال. لا بد أن يثبّت جنوده بالطريقة التي اعتادها معهم... طريقة القدوة!!! لا بد أن يوضح لجنوده بطريقة عملية أن الموت في سبيل الله غاية ومطمح وهدف. نحن نريد الآخرة.. وهم يريدون الدنيا.. وشتان بين النيتين!!! من يقاتل في سبيل الله ومن يقاتل من أجل الدنيا هنا فعل قطز فعلًا مجيدًا.
لقد ألقى بخوذته على الأرض.. تعبيرًا عن اشتياقه للشهادة، وعدم خوفه من الموت، وأطلق صيحته الشهيرة التي قلب الموازين في أرض المعركة. لقد صرخ قطز بأعلى صوته: واااإسلاماه.. واااإسلاماه!! وألقى بنفسه وسط الأمواج المتلاطمة من البشر. وفوجئ الجنود بوجود القائد الملك المظفر قطز في وسطهم.. يعاني مما يعانون ويشعر بما يشعرون.. ويقاتل كما يقاتلون. أيّ تأييد؟!! وأيّ تثبيت؟!! وأيّ سكينة؟!! وأيّ اطمئنان؟!! القضية إذن واضحة جدًّا أمام الجميع.. القضية قضية إغاثة الإسلام والدفاع عنه. والتهب حماس الجنود، وهانت عليهم جيوش التتار، وحملوا أرواحهم على أكفّهم، وانطلقوا في جسارة نادرة يصدون الهجمة التترية البشعة. إنها ليست هجمة على ذواتهم.. إنها هجمة على الإسلام. واشتعل القتال في سهل عين جالوت.. وعلا صوت تكبير الفلاحين على كل شيء.. ولجأ المسلمون بصدق إلى ربهم في هذا اليوم المجيد من شهر رمضان. وقاتل قطز قتالًا عجيبًا!!!.
ثم صوّب أحد التتر قاتله الله سهمه نحو قطز فأخطأه ولكنه أصاب الفرس الذي كان يركب عليه قطز فقُتل الفرسُ من ساعته، فترجل قطز على الأرض، وقاتل ماشيًا لا خيل له!!! وما تردد، وما نكص على عقبيه، وما حرص على حياته. ورآه أحد الأمراء وهو يقاتل ماشيًا، فجاء إليه مسرعًا، وتنازل له عن فرسه، إلا أن قطز امتنع، وقال: «ما كنت لأحرم المسلمين نفعك!!!». وظل يقاتل ماشيًا إلى أن أتوه بفرس من الخيول الاحتياطية! وقد لامه بعض الأمراء على هذا الموقف وقالوا له: لِمَ لمْ تركب فرس فلان؟ فلو أن بعض الأعداء رآك لقتلك، وهلك الإسلام بسببك. فقال قطز في يقين رائع: «أمّا أنا كنت أروح إلى الجنة، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه، وقد قتل فلان وفلان وفلان... حتى عد خلقًا من الملوك (مثل عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم) فأقام الله للإسلام من يحفظه غيرهم، ولم يضيع الإسلام»[3]. رحمك الله يا قطز !!!.. كنت -ولا زلت والله- قدوة للمسلمين. وعلى أكتاف أمثالك تنهض الأمم. ونتيجة مثل هذه المواقف أدت القوات الإسلامية أداءً راقيًا جدًّا في القتال، وأخرجت كل إمكانيتها، ولم تكن قضيتها قضية موت أو حياة كالتتار، بل كانت إما نصر أو شهادة. وبدأت الكفة -بفضل الله- تميل من جديد لصالح المسلمين.. وارتد الضغط على جيش التتار، وأطبق المسلمون الدائرة تدريجيًّا على التتار.. وكان يومًا على الكافرين عسيرًا.


مصرع الطاغية
وتقدم أمير من أمراء المماليك المهرة في القتال وهو جمال الدين آقوش الشمسي، وهو من مماليك الناصر يوسف الأيوبي، وقد ترك الناصر لما رأى تخاذله وانضم إلى جيش قطز، وأبلى بلاءً حسنًا في القتال، واخترق الصفوف التترية في حملة صادقة موفقة حتى وصل في اختراقه إلى كتبغا.. «قائد التتار» لقد ساقه الله إليه!!! ورفع البطل المسلم سيفه، وأهوى بكل قوته على رقبة الطاغية المتكبر كتبغا.. وطارت الرأس المتكبره في أرض القتال.. وسقط زعيم التتار.. وبسقوطه سقطت كل عزيمه عند جيش التتار، وتغير سيناريو القتال عند التتار. فما أصبح لهم من هَمٍّ إلا أن يفتحوا لأنفسهم طريقًا في المدخل الشمالي لسهل عين جالوت ليتمكنوا من الهرب.. وانطلق المسلمون خلف الكفره الفجره التتار، يقتلون فريقًا ويأسرون فريقًا. وسقطت جحافل التتار تحت أقدام المسلمين صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية.
وانطلق التتار في سرعة عجيبة يولون الأدبار، وخرجت أعداد كبيرة يسرعون الخُطا في اتجاه الشمال لعل هناك مهربًا.. وجيوش المسلمين تجري خلف جيوش التتار.. لا يتركونهم.. فليس الغرض هو الانتصار في موقعةٍ ما !!، وتحقيق كسب سياسي مؤقت يتفاوضون بعده !!.. إنما الغرض تحرير البلاد بكاملها عن طريق الجهاد. ووصل التتار الفارون إلى بيسان (عشرون كيلومتر إلى الشمال الشرقي من عين جالوت تقريبًا) ووجد التتار أن المسلمين جادون في طلبهم، فلم يجدوا إلا أن يصطفوا من جديد، لتدور موقعة أخرى عند بيسان أجمع المؤرخون على أنها أصعب من الأولى، وقاتل التتار قتالاً رهيبًا، ودافعوا عن حياتهم بكل قوَّة، وبدءوا يضغطون على المسلمين، وكادوا يقلبون الأمور لمصلحتهم، وابتلي المؤمنون، وزُلزلوا زلزالاً شديدًا، وكانت هذه اللحظات من أحرج اللحظات في حياة القوات الإسلامية.. ورأى قطز كل ذلك. فهو لم يكن «قريبًا من الأحداث».. بل كان «في وسط الأحداث». فانطلق قطز يحفز الناس، ويدعوهم للثبات. ثم أطلق صيحته الخالدة: واااإسلاماه، وااااإسلاماه، واااإسلاماه. صيحة عقيده: واااإسلاماه.. صيحة قالها ثلاث مرات، ثم قال في تضرع: يا الله! «انصر عبدك قطز على التتار!». وبدأ الجنود الذين روّعوا الأرض قبل ذلك يتساقطون كالذباب على أرض بيسان. قضى المسلمون تمامًا على أسطورة الجيش الذي لا يُقهر. وارتفعت راية الإسلام وتهاوت راية التتار. وجاءت اللحظة التي ينتظرها المسلمون منذ أربعين سنة أو تزيد. لقد أبيد جيش التتار بكامله!!! لم يبق على قيد الحياة من الجيش أحد بالمرة.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى