الحضور القطري في الصومال.. الدوافع والآليات

أسماء عادل

نقل المعركة إلى الصومال يجعل قطر قريبة من مناطق الصراع باليمن
الدوحة تنتقم من خصومها بتهديد مصالحهم في القرن الأفريقي
تُولي قطر أهمية خاصة لدولة الصومال نظرًا للموقع الاستراتيجي الذي تمتاز به. وقد بدأ الاهتمام القطري بالصومال منذ تسعينيات القرن الماضي. وتعاظم هذا الاهتمام عندما ﻗﻄﻌﺖ المملكة العربية ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ، ﻭﺍﻹﻣﺎﺭﺍﺕ العربية المتحدة، وجمهورية ﻣﺼر العربية، ومملكة ﺍﻟﺒﺤﺮﻳﻦ، ﻋﻼﻗﺎﺗﻬﺎ ﺍﻟﺪﺑﻠﻮﻣﺎﺳﻴﺔ مع قطر منذ يونيو 2017، بسبب دعم الدوحة للجماعات الإرهابية، وزعزعة الاستقرار في المنطقة. ولذلك عملت قطر على تفادي مقاطعة الدول العربية لها بتعزيز وجودها في منطقة القرن الأفريقي بشكل عام والصومال بشكل خاص، لقربها الجغرافي من دول الخليج العربي.

ويُثير التواجد القطري المتزايد في الصومال تساؤلات بشأن ما هي دوافع التواجد القطري في الصومال، والأهداف التي تسعى قطر إلى تحقيقها من وراء تغلغلها في الداخل الصومالي؟ وما هي أدوات الحضور القطري في الصومال، وتقييم للدور القطري في الصومال؟

أولًا: دوافع التواجد القطري في الصومال
تتعدد دوافع قطر لإقامة علاقات وثيقة مع الصومال، ونشير فيما يلي إلى أهمها:

1 - الدوافع الاستراتيجية: تعد دولة الصومال واحدة من أهم دول القرن الأفريقي، والتي تلعب دورًا كبيرًا في التحكم في مضيق باب المندب، الذي يعد هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس في الوقت نفسه، وهو ما زاد من أهميته بالنسبة لقطر. وقد دفع كل ذلك بقطر إلى البحث عن موطئ قدم لها في الصومال من خلال استغلال تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية هناك.

2 - الدوافع السياسية: تتبنى السياسة الخارجية القطرية استراتيجية تقوم على أساس التمدد في منطقة القرن الأفريقي، خاصة في ضوء أزمة قطر مع الدول الخليجية. وقد انعكس ذلك على الاهتمام القطري بزيادة التواجد في الصومال، لتحقيق أجنداتها السياسية.

وتعتقد قطر أنه يمكن الانتقام من خصومها من خلال نقل الصراع من الخليج إلى القارة الأفريقية، وذلك للحفاظ على مصالحها. وقد ازداد هذا التوجه مع انطلاق عملية "عاصفة الحزم" ضد الحوثيين باليمن في مارس 2015، ومع إعلان الدول الخليجية مقاطعة قطر في يونيو 2017.

وهناك سعي قطري لتهديد مصالح خصومها في منطقة القرن الأفريقي متخذة من الصومال موطئ قدم لها، باعتبار أن موانئ الصومال يمكن أن تجعل قطر قريبة من منطقة الصراع الدائر باليمن، وتمكنها من النفاذ إليه والتأثير فيه عن قرب عبر توطيد العلاقات مع الحركات الإرهابية هناك، وهو ما يحقق الأجندة القطرية في السيطرة على جميع الممرات المائية والحيوية في البلاد، وتحويل المنطقة إلى نقطة ارتكاز لضرب أمن منطقة الخليج العربي.

3 - الدوافع الاقتصادية: تمتلك الصومال إمكانات اقتصاديَّة هائلة في ظل وفرة الموارد الطبيعية، والمواد الخام، والغاز والنفط، والزراعة والثروة الحيوانية. وتعمل قطر على ترسيخ وجودها في الصومال من خلال ضح الاستثمارات القطرية في الصومال.

ويلاحظ أن أبرز القطاعات التي عملت قطر على ضخ الاستثمارات بها هي قطاع البنية التحتية، والقطاع الزراعي والثروة الحيوانية والاستزراع السمكي، والاتصالات والمواد الأولية، إضافة إلى تطوير وإدارة الموانئ، وخطوط الطيران.

وبشكل عام، فإن العلاقات الاقتصادية بين الدولتين تنظمها مجموعة من الاتفاقيات، منها اتفاقيات لتجنب الازدواج الضريبي، ومنع التهرب المالي، وتشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة، واتفاقية بشأن النقل البحري، واتفاقية للتعاون الاقتصادي والتجاري والفني، واتفاقية بشأن استخدام العمال الصوماليين بدولة قطر، بالإضافة إلى ثلاث اتفاقيات لتمكين الشباب الصومالي اقتصاديًّا، وكذلك مجموعة من مذكرات التفاهم منها مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الموانئ.

4 - الدوافع الأمنية والعسكرية: تتمثل الدوافع الأمنية لدى قطر في تأمين التجارة عبر خطّ الملاحة البحرية في البحر الأحمر من قناة السويس إلى خليج عدن، بما يسمح لها بوجود قويّ في المنطقة. كما يمثل الشريط الساحلي الطويل للصومال بوابة العبور إلى دول القارة الأفريقية. ونظرًا لأهمية هذا المدخل الأفريقي البحري، تسعى قطر للسيطرة على الموانئ والنقل البحري، وهو ما سيمنح قطر الفرصة لبناء قاعدة عسكرية ضخمة مستقبلَا بحجة حماية مصالحها الاقتصادية والتجارية في الصومال.

ثانيًا: أدوات التواجد القطري في الصومال
تجسّد طبيعة وشكل الحضور القطري في الصومال من خلال مجموعة من الأدوات، فقد سخّرت الدوحة أدوات سياستها الخارجية لزيادة نفوذها في الصومال.

1 - الأداة الدبلوماسية: هناك علاقات وثيقة بين أمير الدوحة تميم بن حمد آل الثاني والرئيس الصومالي محمد عبدالله فرماجو، واتضح ذلك في تبادل الزيارات. فقد زار رئيس الصومال الدوحة في مايو 2018. وتستغل قطر هذه الزيارات لفك عزلتها مع محيطها الإقليمي. وكذلك يتم تبادل الاتصالات الهاتفية بين الجانبين، كان أبرزها في يونيو 2020، لاستعراض العلاقات الثنائية بين البلدين. وكذلك زيارة وزير الخارجية القطري، محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، إلى العاصمة الصومالية مقديشو في أغسطس 2019، لإجراء مباحثات مع رئيس الوزراء الصومالي، حسن علي خيري. وقد تطرقت المباحثات بين الطرفين لتعزيز العلاقات الثنائية، وتفعيل المشاريع التنموية التي تنفذها قطر في الصومال، بموجب اتفاقية أبرمتها الصومال عام 2017 مع صندوق قطر للتنمية.

وفي نهايةِ شهر مارس 2020، أعلنت قطر افتتاح سفارة جديدة لها في العاصمةِ الصومالية مقديشو. وتعتبر السفارة القطرية ثاني أكبر سفارة في الصومال، ما يدل على النفوذ المتنامي لقطر في الصومال.

وعلاوةً على ذلك، دعمت قطر الصومال في المحافل الدولية. وقد اتضح ذلك في منتدى الشراكة الدولي حول الصومال، الذي انعقد في العاصمة الصومالية مقديشو عام 2019، كما شاركت قطر في مؤتمر دولي عالي المستوى حول الصومال، استضافته العاصمة البريطانية لندن في السابع من مايو 2018، خلال أعمال المؤتمر. وقد أكدت قطر اهتمامها بمواصلة مساعدة الصومال عبر الدعم السياسي، وتقديم مساعدة مالية بحوالي 385 مليون دولار.

2 - الأداة الاقتصادية: عملت قطر على ترسيخ وجودها في الصومال من خلال إقامة مشاريع استثمارية، اتضح ذلك من قيام صندوق قطر للتنمية بإعادة بناء البنية التحتية في الصومال. فقد ساهم صندوق قطر للتنمية في بناء طريقين رئيسيين بين مقديشو وأفجوي وجوهر بتكلفة 200 مليون دولار، إلى جانب إعادة ترميم مبنى المعهد الصومالي للدراسات والدبلوماسية التابع للخارجية الصومالية، كما وقَّع زير النقل والاتصالات القطري، مع وزيرة الموانئ والنقل البحري بالصومال، اتفاقية لبدء مشروع بناء ميناء هوبيو في إقليم جلمدغ بوسط البلاد، حيث تسعى قطر لإيجاد موطئ قدم في هذا الموقع الجغرافي المميز لتحقيق مصالح تجارية، وسياسية، وأمنية.

كما أبرمت الحكومة القطرية اتفاقية تعاون في مجال الاتصالات مع الحكومة الصومالية تتعلق باستخدام قمر صناعي. وتعلن قطر أن الهدف من وراء ذلك هو تقوية شبكات الاتصالات في الصومال، وتوفير خدمات جيدة للشعب الصومالي، لكن هناك أهدافًا خفية من هذه الاتفاقية، حيث أكد سياسيون صوماليون أن تفاصيل الاتفاقية غامضة، وما يزيد من غموضها وجود قمر صناعي تركي، رغم أن تركيا ليست طرفًا في الاتفاقية، مؤكدين أن استخدام قمر صناعي تركي في الأراضي الصومالية قد يثير شكوكًا حول استخدامه في أغراض تجسس.

كما تقدم الدوحة الدعم المادي للصومال من خلال الدعم المباشر للميزانية الحكومية أو من خلال المشاريع أو من خلال الاستثمار عبر القطاع الخاص، حيث تشجع الدوحة رجال الأعمال القطريين على الاستثمار في الصومال.
وقدمت قطر 200 مليون دولار لدعم الاقتصاد الصومالي، والمساهمة في تعزيز البنية التحتية في الصومال عام 2018. كما قدمت قطر 20 مليون دولار بداية عام 2019 بهدف دعم الاستثمار في الصومال.

3 - الأداة العسكرية: تعمل قطر على اختراق الأجهزة الأمنية الصومالية بما فيها الشرطة والجيش، وتعيين تابعين لها بمراكز قيادية بتلك المؤسسات حتى تتمكن من الهيمنة على مفاصل تلك الأجهزة، بما يخدم الأجندة القطرية، ويتضح ذلك مما يلي:
– تدريب قطر لقوات الوكالة الوطنية الصومالية للاستخبارات والأمن. وقد بدأ البرنامج في الأول من أغسطس 2019، واستمر لأسبوعين. وشمل التدريب 14 ضابطًا من مختلف أجهزة الأمن.

– زيارة وفد عسكري قطري رفيع المستوى في 14 يوليو 2019، ضمّ ضباطًا ومسئولين كبارًا في وزارة الدفاع؛ بهدف إجراء مباحثات حول عمليات تدريب الجيش الصومالي وتطويره، مع مسئولي وزراه الدفاع الصومالية. ولا شك أن هذه الزيارة القطرية تهدف إلى السيطرة على وزارة الدفاع الصومالية.
– تقديم مساعدات عسكرية للصومال، حيث حصلت الصومال في يناير 2019 على منحة عسكرية في شكل 68 عربة مدرعة.

– وصول المراسل السابق لقناة "الجزيرة" -الشبكة الإعلامية التابعة للدوحة- فهد ياسين إلى مناصب رفيعة في الصومال، فقد تولى ياسين رئاسة وكالة المخابرات والأمن الوطني الصومالية في أغسطس 2019، في حين أنه ليس لديه أي خلفية أمنية أو استخباراتية. وتحدثت تقارير عن قيامه بتفكيك الركائز الأساسية لجهاز المخابرات الصومالي، بما يخدم المصالح القطرية في منطقة القرن الأفريقي.

4 - الأداة الإغاثية: هناك مؤسسات قطرية تنشط في مجال تقديم المساعدات الإنسانية هي "الهلال الأحمر القطري"، و "قطر الخيرية"، ومنظمة "صلتك"، ومؤسسة "التعليم فوق الجميع"، بإشراف هيئة تنظيم الأعمال الخيرية القطرية وبدعم من صندوق قطر للتنمية.

وتعتبر هذه المؤسسات أدوات قطر المهمة لاختراق مجتمعات الدول المستهدفة، والنفاذ إلى المواطنين بالدولة المستهدفة، حيث تعمل هذه المؤسسات على تقديم مساعدات تبدو إنسانية في ظاهرها، لكنها تهدف إلى زيادة نفوذها وخدمة مصالحها في الواقع.

وفيما يتعلق بأبرز المساعدات الإنسانية التي تقدمها قطر للصومال، إرسالها من خلال صندوق قطر للتنمية 10 أطنان من المساعدات الطبية لمواجهة واحتواء تفشي جائحة كورونا، وذلك في مايو 2020. كما قدم الصندوق مساعدات إنسانية خلال الفيضانات التي اجتاحت الصومال أواخر عام 2019، ومساعدات مالية وطبية لضحايا تفجيرات مقديشو التي حدثت في أواخر العام الماضي، حيث عملت قطر على نقل المصابين من مقديشو إلى الدوحة لتلقيهم العلاج.

كما عملت قطر على إطلاق حملة تبرعات أهلية في أوائل شهر يونيو 2018 لصالح الصومال. ونفذت مؤسسة "قطر الخيرية"، مشاريع إغاثية عاجلة في المناطق المتضررة من موجة الجفاف وسط وشمال الصومال، لصالح 1050 أسرة في فبراير 2017.

ثالثًا: تقييم الدور القطري في الصومال
تمضي الدوحة في تعزيز نفوذها في الصومال من خلال استخدام الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية وتقديم المساعدات الإنسانية، وأيضًا باستخدام عملائها في التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها حركة الشباب الصومالية التي توظفها قطر لخدمة أجندتها في القرن الأفريقي، ويتضح ذلك مما يلي:

1 - لدى قطر علاقات واتصالات وثيقة مع حركة الشباب الإرهابية، كما تقدم لها دعمًا ماديًّا لتنفيذ مخططاتها ضد خصومها في المنطقة وضرب مصالحهم. وقد برهن على ذلك رئيس المخابرات الصومالية السابق، الجنرال عبدالله محمد، حيث أكد أن قطر لديها تاريخ في التعامل مع حركة الشباب الصومالية الإرهابية في مجالات التمويل والدعم والرعاية. كما تتدخل قطر لتسهيل المفاوضات مع قادة الحركة للإفراج عن الرهائن الذين تختطفهم، وتنظم وترعى دفع الفدية مقابل إطلاق سراحهم.

2 - تستخدم قطر العديد من الآليات والقنوات لتقديم الدعم المالي واللوجيستي والاستخباراتي لحركة الشباب وعبر مجموعة من الأفراد الذين يشغلون حاليًّا مواقع قيادية في الحكومة الصومالية، وبعض الوكلاء ورجال الأعمال.

وجدير بالذكر أن حركة الشباب تأسست في عام 2004 كتنظيم إرهابي مرتبط بالقاعدة، وهي الممثل له في شرق أفريقيا، وتسيطر مباشرة على مناطق كبيرة من جنوب ووسط الصومال. كما أن أبرز قادة الحركة مرتبطون بشكل مباشر بشخصيات قطرية مثل أحمد ديري، الذي يدير الحركة حاليًّا، ونائبه الأول أبو بكر علي آدم، حيث يرتبطان مباشرة بسفير قطر في مقديشيو حسن بن حمزة، وعلى تواصل تام معه.

3 - من ناحية أخرى، تقدم قطر لحركة الشباب أموالًا لتجنيد المزيد من المقاتلين، ودعم قدراتها، وشراء المزيد من الأسلحة، والمعدات، لشن هجمات انتحارية وإرهابية في المنطقة. كما توظف قطر المساعدات الإنسانية لدعم حركة الشباب الإرهابية، حيث رصدت الأجهزة الأمنية الصومالية المؤسسات القطرية التي تعمل في المجال الإغاثي والتي تتعاون مع حركة الشباب كجمعية قطر الخيرية وجمعية الهلال الأحمر القطري، حيث تزود هذه الجمعيات الحركة وعناصرها بمواد غذائية وأدوية ودعم لوجيستي.

4 - إضافة إلى ما سبق، فإن قطر متورطة في التفجيرات التي ضربت ميناء بوصاصو الصومالي، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، حيث أعلنت الصحيفة في يوليو 2019 أنها حصلت على تسجيل صوتي عبارة عن مكالمة هاتفية بين السفير القطري في الصومال حسن بن حمزة بن هاشم، ورجل الأعمال والأمن خليفة كايد المهندي، المقرب من أمير قطر تميم بن حمد، ويكشف التسجيل الصوتي إقرارًا بأن المتطرفين قاموا بتفجير بوصاصو لتعزيز مصالح قطر.

وفي الختام، يُمكن القول إن الحضور القطري في الصومال يهدف إلى الهيمنة على دوائر صناعة القرار حتى تتمكن من استمرار تأثيرها في الصومال، وتوظيف العناصر المسلحة التي تدعمها قطر في حماية تجارتها التي تمر عبر خليج عدن والبحر الأحمر من هجمات القراصنة، وكذلك تفادي مقاطعة الدول الخليجية لها من خلال تهديد مصالحهم في المنطقة.

"المركز المصري للدراسات"

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى