تشهد الأوضاع في جنوب اليمن تفاقمًا مستمرًا يتسم بسلسلة من الإخفاقات المتكررة في توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة، انعدام الرواتب، وشح فرص العمل، وانعدام الخدمات الأساسية، وهي معاناة لا تجد لها من يتوقف عندها..

ولطالما كان التجويع والتنكيل أداة ممنهجة تستخدمها الأنظمة المهيمنة لقهر الشعوب التي تحمل قضية عادلة تناضل في سبيلها وتؤمن بها، فالصبر والتجلد كانا ينظر إليهما كخيط النجاة لأي شعب متمسك بقضيته العادلة..

لكن تلك المعادلة لم تعد قابلة للتطبيق على الواقع الجنوبي الراهن، فالتغيرات التي طرأت على المشهد السياسي والفعل الحاصل على الأرض نقلت الأمور إلى مسار معقد ومتناقض..

كيف ذلك؟
لأن من يتصدر المشهد السياسي الجنوبي ومن يقود معركته السياسية أصبح اليوم شريك رسمي في السلطة الحاكمة، وهو ما يلغي مبرر وصحة النظرية التي تبرر لما يجري على أنه سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة شعب الجنوب..

فالمجلس الانتقالي الجنوبي مثال واضح على هذا الواقع، حيث يشارك في الحكومة التي تتشكل من رموز جنوبية سواء في مقاعد رئاسة مجلس القيادة الرئاسي أو في رئاسة الحكومة، إضافة إلى وزراء من المجلس الانتقالي وشخصيات جنوبية أخرى.

المحزن أن الأذرع الشمالية في السلطة اليوم لا تمثل قوة فعلية على الأرض، فهي تفتقر إلى الحاضنة الشعبية والجغرافيا التي تمنحها أوراق ضغط حقيقية..

هذا بالإضافة إلى أن المبررات التي يجري التسويق لها بأن هذا الصمت المطبق والخضوع من قبل الانتقالي تعود إلى الضغوط الخارجية، خاصة من دول الخليج (السعودية والإمارات)، أضحت اليوم مجرد مبررات هلامية هشة مقارنة بالواقع الذي أصبح فيه الجنوبيين هم من يمتلكون الحاضنة الشعبية والقوة العسكرية وغيرها من العوامل الأخرى التي تمكنهم من اللعب بمختلف أوراق الضغط ليس فقط تجاه الأطراف الشمالية وحسب، بل وأمام العالم ودول الإقليم وحتى تجاه سلطة الأمر الواقع في صنعاء (الحوثي).

أن المسئولية السياسية والأخلاقية الكاملة تقع على عاتق المجلس الانتقالي، الذي يمثل الواجهة الأساسية لقضية الجنوب السياسية، لكنه للأسف مستمر في التعامل بصمت مريب وإذعان للأجندات الخارجية، مما يجعل شعب الجنوب يذوق الأمرين من الفقر والجوع، والأخطر هي إهدار جميع الفرص أمام الجنوب سواء الفرص التي تمكنه من إدارة مشاكل شعب الجنوب في الوقت الراهن أو الفرص التي تمنحه إمكانية وقدرة هائلتين لبناء مداميك قضية الجنوب وفق أساس صلب وقوي والاستعداد للمستقبل..

والأخطر من ذلك، هو الانتظار لـ لا شيء وعدم التقاط الفرص والتعاطي بجدية أمام عامل الوقت..

فكلما مر الوقت، أصبح الطرف الآخر يمتلك المزيد من التخطيط الاستراتيجي والفرص وأوراق الضغط..

حتى باتت القوى السياسية والقبلية في الشمال المتصالحة والمتصارعة على السواء تعمل ليل نهار لإحكام السيطرة على إدارة المشهد، وضبط إيقاع ما يجري بناء على مشكلة بالنسبة للجميع هناك هي قضية الجنوب حيث لا يختلف شماليان أن قضية جنوب اليمن والاستقلال هي المعضلة الرئيسية التي يجب أن تكون من أولوياتهم جميعاً والتي لا يمكن إغفالها، ويظهر هذا من خلال إدارتهم حتى لصراعاتهم بطريقة مدروسة، إذ تعمل هذه القوى على تبادل الأدوار وتعزيز مواقعها لخلق أوراق ضغط أمام دول الجوار لا سيما السعودية، سعياً لإدامة ما يسمى "بالوحدة اليمني" من منطلق المناورة والمقايضة تكون أمن واستقرار المملكة مقابل دور السعودية في ضرب القضية الجنوبية وترسيخ إعادة الجنوب إلى الطاعة المركزية المستمرة، والتي ومن خلال جملة من الألاعيب السياسية والاقتصادية تغدو نتيجتها في قناعة الجنوبيين العودة إلى باب اليمن كـ"قشة النجاة" لشعب محروم من أدنى حق من حقوق الحياة..

كل ما يجري اليوم من تفاقم الأزمة، من تجويع وتدمير للمنظومة الخدماتية والاقتصادية، ومن افتعال صراعات جنوبية داخلية، ليست سوى جزء من مخطط واضح مدروس يغذى ويرعاه هذا النهج من أجل خلق حالة من الضياع والضعف للجنوب.

الوقت يمضي، وبدلًا من استثماره في بناء استراتيجية شاملة سياسية واقتصادية وعسكرية تحضر لمواجهة الغد، نجد وبكل أسف المتصدر للمشهد الجنوبي منهمكًا في حماية مصالحه الشخصية الضيقة ومحاربة أي صوت معارض من داخل الجنوب، حتى بات هؤلاء بلا وعي أدوات لقمع الجنوبيين، وضرب عوامل قوة القضية الجنوبية التي تتحول إلى ضحية انشغالهم بالذات، عوضًا عن الاهتمام بقضية الجنوب ومستقبله الذي تبدو ملامحه اليوم أكثر غموضاً من أي وقت مضى..