الأحداث الأخيرة في حضرموت والمهرة و"الزرّة" التي قام بها الانتقالي عالجت كل الجروح التي كانت بدأت تضر بالحاضنة وتتسلل إلى ثقة الجماهير بفعل الضخ والتعبئة التي يعتمد عليها العدو في منظومة الشرعية اليمنية... أحدات أثبتت ألّا معارضة للانتقالي على أرض الجنوب وأن كل الجنوبيين انتقاليون من المهرة إلى باب المندب.

"زرة" أثبتت أن ما كان يصوره العدو معارضة ورفضًا ما هو إلا نقمة عابرة على الانتقالي جراء شراكته مع قوى الاحتلال اليمني وجراء ما يقول البعض إنه تأخير لاستعادة دولة الجنوب وتماهٍ مع قوى معادية لمشروع استعادة الدولة.. أحداث قلبت الموازين وحولت السيئات إلى حسنات في ظرف 24 ساعة؛ إذ التف شعب الجنوب حول الانتقالي وحول القوات المسلحة الجنوبية عندما شعر الشعب أن هذه المواقف هي تعبير حقيقي عن تطلعاته وخطوة جادة نحو مشروعة لانتزاع دولته.

راهن خصوم المشروع الجنوبي طويلًا على ورقة شق الصف وبث الشك وضخ الإشاعات، وتغذية التباينات ودعم وتمويل أي خلاف جنوبي جنوبي، أملًا في تفكيك الحاضنة الشعبية للمجلس الانتقالي، وتصوير الجنوب كجغرافيا متنازعة على ذاتها، غير أن الأحداث الأخيرة كشفت هشاشة وحماقة وسخف هذا الرهان، وأثبتت أن ما كان يُسوَّق كمعارضة لم يكن سوى موجات غضب عابرة، نشأت من شعور بالخذلان، وهو شعور أخلاقي مشروع، لا من رفض جوهري للانتقالي أو للمشروع الوطني الجنوبي.

"الزرّة" أيقظت الإرادة الجمعية لشعب الجنوب، وذكّرته بأن عدوه الحقيقي ليس في تفاصيل الاختلاف، بل في تلك المنظومة التي ما زالت تتغذى وتعيش على بقاء الجنوب ساحة صراع وحقل تجارب أو أرض سائبة للمساومات الإقليمية والدولية.. خلال أربعٍ وعشرين ساعة فقط تحوّلت النقمة إلى التفاف، والشك والتردد إلى يقين، وتباين الرؤى إلى واحدية موقف.

الحقائق هنا تتكشف يومًا عن يوم وتثبت أنه لا يوجد على أرض الجنوب أي فراغ سياسي يمكن أن تملأه أوهام "الشرعية" البائسة ولا أي من قياداتها المترهلين، الأرض والإنسان والشجر والحجر هنا تؤكد صراحة ألّا معارضة حقيقية للمشروع الجنوبي، بمقدار ما توجد محاولات متكررة لإجهاضه من الخارج.. من المهرة شرقًا حتى باب المندب غربًا بدا واضحًا أن البوصلة واحدة وأن الهوية السياسية الجنوبية لم تعد محل مساومة أو تشكيك.

الأيام القادمة ستكون بداية لمرحلة أكثر وضوحًا وصلابة، مرحلة لن يكون فيها الجنوبي متفرجًا على مصيره بل ماردا لانتزاعه بيده.. الأيام القادمة ستثبت أن كل جنوبي سيكون جنديا انتقاليا مقاتلا وفدائيا في سبيل انتزاع الحق رغم أنف أكبر كبير من "خلق الله" الذين يعتقدون أن الجنوب ورقة للمساومة أو أرض بور للصراع وإجراء التجارب.

بكل بساطة الجنوب اليوم خرج من هامش المعادلات والحسابات والتحالفات غير الكفؤة ودخل قلب الصراع على مستقبله ليكتب بدم الوعي أن زمن الوصاية قد انتهى وأن مخالب القوة وأنياب الاستقواء ومشاريع الغزو والاحتلال والهيمنة قد كُسرت ودُفت في صحارى العبر ورمال المهرة ولم يبق إلا "دهفة" لتُرفع راية الدولة شامخة حرة أبية.. وإن غدا لناظره قريب.