> منبر عدن للحوار والسلام:
- المقدمة
ورغم أهمية هذه المكاسب، إلا أن إعلان الدولة في هذا التوقيت يحمل تعقيدات قد تؤثر على استقرار المشروع الوطني إذا لم يُبنَ على مؤسسات قوية، وتوافق جنوبي شامل، ومناخ خارجي مؤيد.
تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة واقعية للمشهد، توازن بين المكاسب والفرص من جهة، وبين التحديات والمخاطر من جهة أخرى، وتضع توصيات عملية للحفاظ على المنجزات وتعزيز المسار السياسي.
ثانيًا: التحديات المرتبطة بإعلان دولة الجنوب قبل استكمال المؤسسات
1 . عدم اكتمال البناء المؤسسي.
ما يزال الجنوب بحاجة إلى استكمال مؤسسات الدولة، مثل:
حكومة جنوبية واضحة المهام.
جهاز قضائي وأجهزة رقابية فاعلة.
تعزيز القيادة الجنوبية عبر مجلس أعلى مساعد يمثل المحافظات الست، يدعم رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في إدارة المرحلة الانتقالية، ويعزز الشراكة الوطنية ويطمئن الداخل والخارج بأن الجنوب القادم مختلف عن الماضي:
- مجلس وطني/ تشريعي فعلي.
- توحيد القوات تحت قيادة واحدة.
- تعزيز الخدمات والاقتصاد والإدارة التنفيذية للدولة.
إعلان الدولة دون هذا البناء قد يجعلها "دولة بلا مؤسسات"، مما يمنح خصوم الجنوب فرصة للنيل منها ويفتح المجال لصراع مبكر على السلطة كما حدث قبل 1967م أو في تجارب دولية أخرى.
2 . تعزيز الشرعية الجنوبية الداخلية الشاملة
لا يزال الحوار الجنوبي في مرحلة البناء، وبعض المحافظات والمكونات تحتاج لضمانات واضحة حول:
- توزيع السلطة والشراكة.
- شكل الدولة والصلاحيات المحلية.
- الموارد والثروات.
إعلان الدولة قبل اكتمال هذا الحوار سيجعل الشرعية الداخلية ناقصة ويمنح القوى المناوئة فرصة لشق الصف الجنوبي.
3 . الإطار القانوني الدولي
- لا يزال القرار الدولي 2216 يشكل المرجعية القانونية للوضع في اليمن.
- إعلان دولة الجنوب دون تعديل أو تجاوز هذا القرار قد يعقّد الاعتراف الدولي ويعرّض الجنوب لضغوط كبيرة.
ثالثًا: المخاطر في حال الإعلان الآن
1 . مخاطر داخلية:
- ردود فعل قبلية أو سياسية لم تُستوعَب بعد.
- استغلال الخصوم لأي قصور خدماتي أو اقتصادي لتأليب الشارع.
- احتمال افتعال توترات في محافظات ذات حساسية مثل حضرموت والمهرة وأبين.
2 . مخاطر خارجية:
- عدم الاعتراف الدولي بالدولة الجديدة.
- ضغوط سياسية واقتصادية محتملة.
- استغلال صنعاء (الحوثي) للخطوة للادعاء بأنها الممثل الشرعي الوحيد.
3 . مخاطر مؤسساتية:
- تضارب الصلاحيات وازدواج السلطة.
- ضعف الإدارة العامة.
- عجز مؤقت في تقديم الخدمات.
وكل ذلك قد يُستغل لتصوير الجنوب كغير قادر على إدارة دولة مستقلة.
رابعًا: الفرص التاريخية التي يملكها الجنوب اليوم
1 . سيطرة ميدانية غير مسبوقة:
- القوات الجنوبية الأكثر تماسكًا وتنظيمًا مقارنة ببقية الأطراف.
- التقدم في وادي حضرموت والمهرة تغيّر جوهري لصالح الجنوب.
2 . ترحيب شعبي واسع:
- مزاج مساند لمشروع الدولة الجنوبية في كل المحافظات.
3 . تغير في المواقف الإقليمية:
- ميل سعودي وإماراتي ودعم دولي لإعادة ترتيب المشهد بما يحقق استقرار الإمدادات والطاقة.
4 . تراجع الشرعية الشمالية:
- أضعف مراحلها منذ 2015 سياسيًا وعسكريًا.
5 . رغبة دولية في الاستقرار البحري:
- أمن البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب أصبح أولوية عالمية.
خامسًا: السيناريوهات المحتملة إذا أُعلنت الدولة الآن
السيناريو الأول: إعلان الدولة الفوري سينتج عنه الاحتمال التالي:
- رفض دولي لإعلان الدولة بشكل مفاجئ.
- انقسام داخلي جنوبي لوجود قوى ماتزال ترى انها بعيدة عن القرار والشراكة.
- تحريك احتجاجات من الخصوم.
- ضغط اقتصادي يضر بالجنوب.
- مكاسب سياسية لصنعاء فهي ستؤكد بطلان تدخل التحالف في اليمن وسقوط الحكومة
المعترف بها دوليًّا.
- اضطراب في العلاقة مع السعودية.
النتيجة: غير مناسب حاليًا.
السيناريو الثاني: إدارة مرحلية تمهّد لإعلان الدولة (الأفضل حاليًا).
يركز على:
- استكمال بناء المؤسسات.
- بناء توافق جنوبي واسع.
- تهيئة البيئة الدولية تدريجيًا.
السيناريو الثالث: إعلان مشروط ضمن تسوية سياسية شاملة
يتحقق عبر:
- تعديل أو تجاوز القرار 2216.
- موافقة إقليمية ودولية.
- اتفاق جنوبي–شمالي برعاية أممية.
- أو استفتاء جنوبي معترف به.
سادسًا: توصيات للحفاظ على المكاسب الميدانية
1 . بناء منظومة أمنية وعسكرية موحدة:
- توحيد القوات والتشكيلات.
- تعزيز الوجود الأمني.
2 . دعم السلطات المحلية وتحييدها عن الصراع:
- دعم التنمية والخدمات المحلية.
- تشكيل لجان مجتمعية داعمة للاستقرار.
3 . تحييد القوى المناوئة دون صدام معها:
- الاحتواء والتواصل مع الجميع.
- منح ضمانات لبعض القوى والمحافظات ولاسيما في حضرموت المهرة شبوة أبين.
- إدارة هادئة للمرحلة.
سابعًا: التوفيق بين العمل الميداني والسياسي والحوار المجتمعي
1 . العمل العسكري يخدم السياسي:
- خطاب متزن.
- عدم الثقة المفرطة.
- عدم استفزاز الإقليم.
- العمل وفق رؤية استراتيجية.
2 . جعل الحوار الجنوبي مظلة جامعة:
- يشمل كل القوى.
- يحترم الخصوصيات المحلية.
- يضمن صلاحيات المحافظات.
3 . بناء نموذج إداري ناجح:
- نجاح الإدارة في عدن وحضرموت بوصفهما أكبر محافظات الجنوب أهم من إعلان الدولة العاجلة، لأنه يعزز الثقة الشعبية والإقليمية والدولية بمشروع الجنوب.
ثامنًا: توصيات لتعزيز ثقة الشعب.
1 . مواصلة البحث عن حلول لتحسين الخدمات (الكهرباء – المياه – الأمن – الرواتب).
2 . حملة إعلامية موحدة تؤكد أهمية الشراكة الوطنية والميثاق الوطني الجنوبي والبناء على ما تحقق.
3 . برامج مصالحة مجتمعية خاصة في مناطق التوتر منذ 2019.
4 . تعزيز بناء المجلس الانتقالي بمزيد من التقييم لفاعلية هيئاته.
5 - استقلالية ملف الحوار عن بقية الهيئات بوصف الحوار قاسم مشترك لتواصل الجميع وليس طرفاً في الخلافات البينية.
6 . تنسيق الخطاب الإعلامي:
- منع الخطاب المستفز للآخر، في الجنوب أو للشعب الشمالي.
تاسعًا: توصيات سياسية خارجية:
1 . الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع السعودية والإمارات وتعزيز العلاقة مع دول الخليج ومصر.
2 . التواصل مع الولايات المتحدة وبريطانيا والأمم المتحدة بما يخدم الجنوب.
3 . إبقاء باب التفاوض مفتوحًا مع القوى الشمالية التي تمتلك قرارًا فعليًا.
4 . التعامل الحذر والمتوازن مع التحركات الروسية والصينية.
عاشرًا: الخلاصة الاستراتيجية
- الجنوب يعيش أقوى لحظاته منذ 1994.
- إعلان الدولة ممكن شعبيًا لكنه عالي المخاطر دوليًا.
الأولوية الآن هي:
- تثبيت الأمن والاستقرار.
- بناء المؤسسات الجنوبية.
- تعزيز الشراكة في إدارة الجنوب.
- الحفاظ على العلاقة مع التحالف والحكومة المعترف بها دوليا لضمان الانتقال الأمن وعدم دخول الجنوب في نفق الحرب كما حصل في جنوب السودان.
- استكمال الحوار الجنوبي مع القوى التي لم توقع الميثاق وتفعيل الشراكة مع المكونات الموقعة على الميثاق.
- تهيئة البيئة الإقليمية والدولية للاعتراف بقضية شعب الجنوب والعودة لخيار الدولتين.
- التنسيق مع القوى الشمالية الوطنية بما يخدم المصالح المشتركة.
- يمكن البدء بإعلان الحكومة الجنوبية والحكم الذاتي لضمان بناء الجنوب واستقراره.
انتهى.
قسم الدراسات.. منبر عدن للحوار والسلام والتنمية.
ملحق: قراءة مختصرة لأهمية ما تضمنته الورقة:
تُبرز الورقة أهمية المرحلة الحالية باعتبارها أكثر لحظة قوة يمتلكها الجنوب منذ ثلاثة عقود، لكنها في الوقت نفسه مرحلة حساسة تتطلب إدارة دقيقة للمكاسب العسكرية والسياسية.
أهم ما تضيفه الورقة هو خلق توازن بين الطموح الشعبي بالإعلان الفوري للدولة وبين الضرورات المؤسسية والقانونية والإقليمية اللازمة لإنجاح هذا الإعلان مستقبلًا.
كما تركز الورقة على:
- أن الاعتراف الدولي لن يُنتزع بالقوة الميدانية وحدها، بل يعززه حسن الإدارة السياسية وتكامل المؤسسات.
- ضرورة الحوار الجنوبي الشامل كأرضية لتعزيز الجبهة الداخلية.
- أهمية بناء نموذج إداري ناجح يقدم دليلًا عمليًا على قدرة الجنوب على إدارة دولته القادمة.
- التحذير من المخاطر المحتملة داخليًا وخارجيًا في حال الاستعجال.
- التأكيد على الفرصة التاريخية المتاحة للجنوب إذا أُديرت المرحلة بعقلانية.
- وباختصار، تؤكد الورقة أن الجنوب قريب من هدفه لكنه يحتاج إلى خطوات محسوبة تضمن الاستدامة والاعتراف الدولي.














