منذ إعلان الوحدة اليمنية عام 1990، لم تكن المشكلة في الفكرة ذاتها، بل في العقول التي أدارتها. فالوحدة التي كان يمكن أن تكون مشروعًا تاريخيًا لبناء دولة حديثة، تحولت بفعل حماقة النخب السياسية إلى مدخل لصراعات، وحروب، وانقسامات لا تزال اليمن تدفع ثمنها حتى اليوم.
  • أولًا: خطيئة ما بعد الوحدة – عفاش والبيض
دخل علي عبد الله صالح وعلي سالم البيض مشروع الوحدة دون رؤية حقيقية لبناء دولة، بل كصفقة سياسية بين سلطتين، لا بين شعبين. لم تُبنَ الوحدة على مؤسسات، ولا على عقد اجتماعي واضح، بل على توازن قوى هش سرعان ما انهار.

• صالح تعامل مع الوحدة كغنيمة، لا كمسؤولية وطنية، فعمل على تفريغها من مضمونها عبر الإقصاء، واحتكار السلطة، وإعادة إنتاج نظام الفرد.

• البيض، من جهته، لم يكن أقل خطأً؛ إذ انسحب من العملية السياسية بدل خوض معركة إصلاح الدولة، ثم لجأ إلى خيار الانفصال عام 1994، وهو خيار لم يكن واقعيًا ولا مدروسًا، وفتح الباب لحرب مدمرة.

كانت حرب 1994 النتيجة الطبيعية لهذا الفشل: لا منتصر فيها سوى الخراب. صالح خرج منها متغلبًا عسكريًا، لكنه خسر أخلاقيًا وسياسيًا، والجنوب خسر شراكته في الدولة، واليمن خسر فرصة تاريخية.
  • ثانيًا: من دولة فاشلة إلى انهيار شامل
بعد 1994، كرّس صالح حكمًا قائمًا على:

• تفكيك المؤسسات.

• شراء الولاءات.

• عسكرة السياسة.

• تهميش المجتمع.

هذه السياسات لم تؤدِّ فقط إلى إضعاف الدولة، بل مهّدت الطريق لصعود جماعات مسلحة، وعلى رأسها الحوثيون، الذين استثمروا في المظلومية والفشل العام، حتى أسقطوا صنعاء عام 2014 بمساعدة صالح نفسه، في مفارقة تلخّص عمق الحماقة السياسية.
  • ثالثًا: تكرار الخطأ بأسماء جديدة – العليمي والزبيدي
اليوم، وبعد كل هذا الدمار، كان يُفترض أن تكون النخب الجديدة أكثر وعيًا بدروس الماضي. لكن ما نراه هو إعادة إنتاج للأخطاء نفسها:

• رشاد العليمي يقود مجلسًا قرويا رئاسيًا بلا مشروع وطني واضح، أقرب إلى إدارة توازنات خارجية منه إلى قيادة دولة. الغموض، والشللية، والعجز عن بناء مؤسسات حقيقية، كلها مؤشرات على فشل مبكر.

• عيدروس الزبيدي، بدوره، يكرر خطأ البيض ولكن في سياق أكثر تعقيدًا وخطورة. وأكثر غبا وضيق أفق فالدفع نحو الانفصال دون دولة، ودون توافق داخلي جنوبي، ودون قراءة واقعية للتوازنات، ليس مشروع تحرير، بل مغامرة قد ترقى إلى جريمة سياسية بحق الجنوب واليمن معًا.

المشكلة هنا ليست في حق تقرير المصير، بل في تحويل القضايا الوطنية إلى أدوات سلطة شخصية.
  • رابعًا: جوهر الأزمة
ما يجمع صالح والبيض، والعليمي والزبيدي، هو أنهم:

• لم يضعوا الدولة فوق السلطة.

• ولم يضعوا الوطن فوق الجماعة.

• ولم يتعلموا من فشل من سبقهم.

كلهم يتحدثون باسم اليمن أو الجنوب، لكنهم يفشلون في بناء نموذج حكم عادل، شفاف، ومؤسسي. والنتيجة أن اليمن يدور في حلقة مفرغة: نخب تفشل، وشعب يدفع الثمن.
  • خاتمة: هل هي حماقة أم جريمة؟
قد يكون ما ارتكبه قادة اليمن منذ الوحدة حماقة سياسية في بداياتها، لكن تكرارها، رغم وضوح نتائجها الكارثية، يجعلها أقرب إلى جريمة أخلاقية ووطنية. فالأخطاء التي تُرتكب عن جهل تُغتفر، أما الأخطاء التي تُرتكب عن وعي وتجربة، فهي خيانة لمستقبل بلد بأكمله.

لن ينهض اليمن بتغيير الوجوه، بل بتغيير العقل السياسي نفسه: عقل يؤمن بالدولة، لا بالغلبة، وبالشراكة، لا بالإقصاء، وبالمستقبل، لا بإعادة إنتاج المأساة وخلاصة الخلاصة لا شيء يبعث على التفاؤل.