في بلادنا العربية، وربما في أرضنا الشرق أوسطية، لا تموت الحرائق.. هي فقط تؤجل.. تترك جمرات صغيرة تحت رماد السياسة إلى أن يحين وقت النفخ فيها من جديد. ولهذا لم يكن مستغربًا أن دولًا ظنت أنها نجت من زلزال ما سمّي بـ"الربيع العربي"، بدأت اليوم تشعر بأن الأرض تهتز تحت أقدامها، فالعاصفة التي بدت وكأنها هدأت، لم تكن سوى فصلٍ من فصول اضطرابٍ أطول في تاريخ هذه المنطقة.
خلال العقد الماضي، جرى التعامل مع ما حدث في العالم العربي باعتباره انفجارًا داخليًّا خالصًا، شعوب تثور وأنظمة تتساقط. غير أن القراءة الأهدأ للتاريخ تقول إن الأمر كان أكثر تعقيدًا من مجرد موجة غضب شعبي. فالشرق الأوسط، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، لم يكن ساحةً لتفاعلاته المحلية فقط، بل ميدانًا تتقاطع فيه مشاريع القوى الكبرى..
منذ اتفاقيات رسمت الحدود بعد سقوط الدولة العثمانية، ظلت المنطقة تعيش داخل خرائط سياسية لم تصنعها بالكامل. ومع كل مرحلة تاريخية كانت تلك الخرائط تتعرض لاختبار جديد، مرة تحت عنوان الحرب الباردة، ومرة تحت شعار مكافحة الإرهاب، ومرة أخرى تحت لافتة نشر الديمقراطية.
وفي أمعاء هذه الجغرافيا المضطربة يقف العراق بوصفه المثال الأكثر وضوحًا على هذا التشابك بين التاريخ والسياسة.
فالعراق لم يكن يومًا مجرد دولة في خريطة الشرق الأوسط، بل كان دائماً نقطة التقاء للصراعات الكبرى.
منذ العصور الإسلامية المبكرة حين تحولت الكوفة والبصرة وبغداد إلى مراكز للصراع السياسي والفكري، مرورًا بالمنافسة العثمانية الصفوية التي جعلت من بلاد الرافدين خط تماس دائم بين إمبراطوريتين، وصولًا إلى العصر الحديث حيث أصبح العراق ساحة لتجارب القوى الدولية والإقليمية على حد سواء.
من هنا يمكن فهم لماذا يبدو العراق في كل أزمة وكأنه يعود إلى موقعه القديم، أراض تدار فوقها المعارك الرمزية قبل المعارك المادية.
فالتاريخ في هذه المنطقة يحلق فوق الذاكرة، لأنه باختصار مادة سياسية قابلة للاستخدام. ولهذا تعود الرموز القديمة إلى التداول كلما اشتدت المنافسة بين القوى الإقليمية. فجأة يصبح الماضي حاضرًا، أسماء مثل يزيد وزيد، التي يفترض أنها تنتمي إلى سجالات القرون الأولى، تُستدعى من جديد في الخطاب السياسي والطائفي.
لكن استدعاء التاريخ هنا لا يعني إحياءه بقدر ما يعني توظيفه. فالسياسة الحديثة في الشرق الأوسط اكتشفت منذ زمن أن الذاكرة الدينية والمذهبية يمكن أن تكون وقودًا فعَّالًا للصراع، خصوصًا حين تتقاطع مع مشاريع النفوذ الإقليمي.
في هذه اللحظة بالذات، يبدو المشهد وكأن المنطقة تعيش مرحلة إعادة ترتيب للقوة.
الولايات المتحدة تحاول إدارة تراجعها النسبي من دون أن تفقد قدرتها على التحكم بالمعادلات الأساسية، بينما تسعى قوى إقليمية مثل إيران وتركيا إلى توسيع مجالات نفوذها في الفراغات التي خلفتها التحولات الدولية.
وبين هذه القوى، تتحول دول المنطقة إلى ساحات تنافس غير مباشر. ليس بالضرورة عبر الجيوش، بل عبر أدوات أكثر تعقيدًا، جماعات مسلحة، اصطفافات طائفية، صراعات إعلامية، وحروب سرديات لا تقل خطورة عن الحروب العسكرية.
وسط هذه الشبكة المتشابكة من المصالح، يجد المواطن العادي نفسه أمام أسئلة تبدو بسيطة لكنها في الحقيقة جزء من لعبة أكبر هي.. مع أي طرف نقف؟ ومن يمثل الحق في هذه المعركة؟.
غير أن هذه الأسئلة غالبًا ما تكون مضللة، لأن المعركة الحقيقية لا تدور بين الرموز التي ترفع في الشوارع أو على المنابر، بل بين مشاريع سياسية تسعى إلى إعادة صياغة توازنات المنطقة.
في مثل هذه اللحظات، تظهر ما يمكن تسميته بـ"الكعبات السياسية" الجديدة، مراكز نفوذ تبنى حولها الولاءات، ويطلب من الشعوب أن تدور في فلكها كما لو كانت قدرًا لا مفر منه.
لكن التجربة التاريخية للشرق الأوسط تقول شيئًا آخر، هو أن كل مشروع حاول إخضاع المنطقة بالكامل انتهى إلى الفشل أو إلى إعادة إنتاج صراع جديد..
نعم من الإمبراطوريات القديمة إلى القوى الحديثة، ظل الشرق الأوسط عصيًّا على الاستقرار الكامل، لأنه ببساطة نقطة التقاء لمصالح متناقضة لا يمكن جمعها بسهولة.
لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه المنطقة اليوم ليس من ينتصر في هذه الجولة من الصراع، بل ما إذا كان الشرق الأوسط سيظل يدور في الحلقة نفسها،
مجرد تاريخ يُستدعى كلما احتاجت السياسة إلى وقود، وجغرافيا تتحول إلى ساحة اختبار لمشاريع الآخرين، وشعوب تجد نفسها مرة بعد أخرى في قلب معارك لم تخترها.
وربما كانت المأساة الكبرى أن المنطقة تعرف هذه الحقيقة جيدًا… لكنها لم تجد بعد الطريق للخروج منها.
خلال العقد الماضي، جرى التعامل مع ما حدث في العالم العربي باعتباره انفجارًا داخليًّا خالصًا، شعوب تثور وأنظمة تتساقط. غير أن القراءة الأهدأ للتاريخ تقول إن الأمر كان أكثر تعقيدًا من مجرد موجة غضب شعبي. فالشرق الأوسط، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، لم يكن ساحةً لتفاعلاته المحلية فقط، بل ميدانًا تتقاطع فيه مشاريع القوى الكبرى..
منذ اتفاقيات رسمت الحدود بعد سقوط الدولة العثمانية، ظلت المنطقة تعيش داخل خرائط سياسية لم تصنعها بالكامل. ومع كل مرحلة تاريخية كانت تلك الخرائط تتعرض لاختبار جديد، مرة تحت عنوان الحرب الباردة، ومرة تحت شعار مكافحة الإرهاب، ومرة أخرى تحت لافتة نشر الديمقراطية.
وفي أمعاء هذه الجغرافيا المضطربة يقف العراق بوصفه المثال الأكثر وضوحًا على هذا التشابك بين التاريخ والسياسة.
فالعراق لم يكن يومًا مجرد دولة في خريطة الشرق الأوسط، بل كان دائماً نقطة التقاء للصراعات الكبرى.
منذ العصور الإسلامية المبكرة حين تحولت الكوفة والبصرة وبغداد إلى مراكز للصراع السياسي والفكري، مرورًا بالمنافسة العثمانية الصفوية التي جعلت من بلاد الرافدين خط تماس دائم بين إمبراطوريتين، وصولًا إلى العصر الحديث حيث أصبح العراق ساحة لتجارب القوى الدولية والإقليمية على حد سواء.
من هنا يمكن فهم لماذا يبدو العراق في كل أزمة وكأنه يعود إلى موقعه القديم، أراض تدار فوقها المعارك الرمزية قبل المعارك المادية.
فالتاريخ في هذه المنطقة يحلق فوق الذاكرة، لأنه باختصار مادة سياسية قابلة للاستخدام. ولهذا تعود الرموز القديمة إلى التداول كلما اشتدت المنافسة بين القوى الإقليمية. فجأة يصبح الماضي حاضرًا، أسماء مثل يزيد وزيد، التي يفترض أنها تنتمي إلى سجالات القرون الأولى، تُستدعى من جديد في الخطاب السياسي والطائفي.
لكن استدعاء التاريخ هنا لا يعني إحياءه بقدر ما يعني توظيفه. فالسياسة الحديثة في الشرق الأوسط اكتشفت منذ زمن أن الذاكرة الدينية والمذهبية يمكن أن تكون وقودًا فعَّالًا للصراع، خصوصًا حين تتقاطع مع مشاريع النفوذ الإقليمي.
في هذه اللحظة بالذات، يبدو المشهد وكأن المنطقة تعيش مرحلة إعادة ترتيب للقوة.
الولايات المتحدة تحاول إدارة تراجعها النسبي من دون أن تفقد قدرتها على التحكم بالمعادلات الأساسية، بينما تسعى قوى إقليمية مثل إيران وتركيا إلى توسيع مجالات نفوذها في الفراغات التي خلفتها التحولات الدولية.
وبين هذه القوى، تتحول دول المنطقة إلى ساحات تنافس غير مباشر. ليس بالضرورة عبر الجيوش، بل عبر أدوات أكثر تعقيدًا، جماعات مسلحة، اصطفافات طائفية، صراعات إعلامية، وحروب سرديات لا تقل خطورة عن الحروب العسكرية.
وسط هذه الشبكة المتشابكة من المصالح، يجد المواطن العادي نفسه أمام أسئلة تبدو بسيطة لكنها في الحقيقة جزء من لعبة أكبر هي.. مع أي طرف نقف؟ ومن يمثل الحق في هذه المعركة؟.
غير أن هذه الأسئلة غالبًا ما تكون مضللة، لأن المعركة الحقيقية لا تدور بين الرموز التي ترفع في الشوارع أو على المنابر، بل بين مشاريع سياسية تسعى إلى إعادة صياغة توازنات المنطقة.
في مثل هذه اللحظات، تظهر ما يمكن تسميته بـ"الكعبات السياسية" الجديدة، مراكز نفوذ تبنى حولها الولاءات، ويطلب من الشعوب أن تدور في فلكها كما لو كانت قدرًا لا مفر منه.
لكن التجربة التاريخية للشرق الأوسط تقول شيئًا آخر، هو أن كل مشروع حاول إخضاع المنطقة بالكامل انتهى إلى الفشل أو إلى إعادة إنتاج صراع جديد..
نعم من الإمبراطوريات القديمة إلى القوى الحديثة، ظل الشرق الأوسط عصيًّا على الاستقرار الكامل، لأنه ببساطة نقطة التقاء لمصالح متناقضة لا يمكن جمعها بسهولة.
لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه المنطقة اليوم ليس من ينتصر في هذه الجولة من الصراع، بل ما إذا كان الشرق الأوسط سيظل يدور في الحلقة نفسها،
مجرد تاريخ يُستدعى كلما احتاجت السياسة إلى وقود، وجغرافيا تتحول إلى ساحة اختبار لمشاريع الآخرين، وشعوب تجد نفسها مرة بعد أخرى في قلب معارك لم تخترها.
وربما كانت المأساة الكبرى أن المنطقة تعرف هذه الحقيقة جيدًا… لكنها لم تجد بعد الطريق للخروج منها.



















