المشهد في اليمن مرتبط بشكل وثيق بالتوازنات الإقليمية أكثر مما هو مرتبط بقدرة القوى المحلية على تقرير مصيرها. فالدولة اليمنية منذ سنوات تعاني من ضعف شديد في مؤسساتها، والحكومة المعترف بها دوليًا بالكاد تمتلك أدوات التأثير في مسار الأحداث الكبرى، ناهيك عن قدرتها على حماية المواطنين أو توفير الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والمعيشي. هذا الفراغ في السلطة جعل اليمن ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، بحيث أصبحت القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم تُصنع خارج حدوده أكثر مما تُصنع داخله.

في هذا السياق برز الحوثيون كقوة مرتبطة بمحور إقليمي تقوده إيران، حيث تحوّلوا عمليًا إلى جزء من شبكة النفوذ التي تستخدمها طهران في المنطقة. هذا الارتباط جعل قرار الحوثي الاستراتيجي مرتبطًا إلى حد كبير بحسابات إيران في صراعاتها مع الولايات المتحدة وحلفائها، وليس فقط بالحسابات اليمنية الداخلية. لذلك فإن أي تحولات كبيرة في وضع إيران الإقليمي - سواء عبر إضعافها أو بقائها قوية - ستنعكس مباشرة على وضع الحوثيين وعلى شكل الصراع في اليمن.

إذا تعرضت إيران لهزيمة استراتيجية كبيرة أو تراجع نفوذها بشكل حاد، فمن المرجح أن يتعرض الحوثيون لضغط سياسي وعسكري كبير، لأن جزءًا مهمًا من قدرتهم على الصمود يعتمد على الدعم السياسي والعسكري والتقني القادم من طهران. في مثل هذا السيناريو قد نشهد إعادة ترتيب للقوى داخل اليمن، وقد تبرز محاولات لإعادة بناء سلطة مركزية أو فرض تسويات سياسية جديدة. لكن ذلك لن يحدث بسهولة، لأن اليمن لم يعد ساحة صراع ثنائي فقط، بل هو خليط من قوى محلية متعددة ومصالح إقليمية متشابكة.

أما إذا خرجت إيران من الصراع دون هزيمة واضحة أو استطاعت الحفاظ على نفوذها الإقليمي، فإن الحوثيين سيبقون لاعبًا أساسيًا في المعادلة اليمنية وربما أكثر ثقة في تثبيت واقع سياسي وعسكري دائم في شمال اليمن. في هذه الحالة قد يتحول الوضع إلى نوع من التوازن المجمد، حيث تستمر حالة الانقسام بين شمال يسيطر عليه الحوثيون وجنوب تحكمه ترتيبات مختلفة تتداخل فيها القوى المحلية مع الدعم الإقليمي.

الجنوب العربي تحديدًا قد يكون أحد أهم مناطق إعادة التشكل في المرحلة القادمة، لأن موقعه الجغرافي وثرواته المحتملة وموانئه الاستراتيجية تجعل منه نقطة اهتمام إقليمي ودولي. ومع تراجع الدولة المركزية، أصبح الجنوب ساحة تتقاطع فيها مشاريع سياسية مختلفة، بعضها يدفع نحو استعادة دولة جنوبية مستقلة، وبعضها يفضل بقاء اليمن موحدًا ضمن صيغة جديدة. لذلك فإن أي تسوية إقليمية كبرى قد تدفع باتجاه إعادة رسم شكل الدولة اليمنية نفسها، سواء عبر نظام فيدرالي واسع الصلاحيات أو عبر واقع انفصال فعلي.

في الأفق الأوسع، إذا انتهت المواجهات الكبرى في المنطقة بتفاهمات أو تسويات بين القوى الدولية والإقليمية، فمن المحتمل أن نشهد إعادة ترتيب في خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. تاريخ المنطقة يظهر أن الحروب الكبرى غالبًا ما تنتهي بإعادة صياغة التوازنات والحدود السياسية أو على الأقل إعادة تعريف مناطق النفوذ. في مثل هذه اللحظات تحاول الدول الكبرى تثبيت مصالحها الاستراتيجية، بينما تسعى القوى الإقليمية إلى توسيع هامش نفوذها.

ضمن هذه التحولات قد تجد إسرائيل نفسها مستفيدة من أي إعادة ترتيب إقليمي تقلص نفوذ خصومها وتعيد تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها. ليس بالضرورة عبر تغيير مباشر للحدود، ولكن عبر إعادة رسم موازين القوة والتحالفات في المنطقة، بما يقلل من التهديدات الاستراتيجية ويخلق واقعًا سياسيًا جديدًا أكثر توافقًا مع مصالحها.

في النهاية يبدو اليمن، والجنوب العربي من أكثر الأماكن حساسية لأي تغير كبير في موازين القوى الإقليمية. ضعف الدولة، وتعدد القوى المحلية، وارتباط بعض هذه القوى بمشاريع إقليمية، كلها عوامل تجعل مستقبل اليمن مرتبطًا بشكل مباشر بمألات الصراع الأكبر في الشرق الأوسط. لذلك فإن نهاية أي حرب إقليمية كبيرة لن تكون مجرد نهاية صراع عسكري، بل قد تكون بداية مرحلة جديدة يعاد فيها تشكيل المشهد السياسي والجغرافي لعدة دول، واليمن بلا جنوب سيكون بلا شك في قلب هذه التحولات.

* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي