يشكّل تاريخ العلاقة بين الجنوب العربي والسلطة المركزية في عهد علي عبد الله صالح مسارًا طويلًا من التوتر والرفض الشعبي الذي لم يكن لحظة عابرة، بل تراكمًا عميقًا لتجارب سياسية واجتماعية رسخت شعورًا واسعًا لدى كثير من أبناء جنوب اليمن بأنهم خارج معادلة الشراكة الحقيقية. فمنذ ما بعد حرب 1994، برزت ملامح هذا الرفض بشكل أوضح، حيث اعتبر قطاع واسع من الجنوبيين أن نتائج تلك الحرب كرّست واقعًا جديدًا قائمًا على الهيمنة أكثر من كونه وحدة قائمة على التوافق، وهو ما جعل الذاكرة الجمعية تحتفظ بإحساس مستمر بعدم العدالة.
هذا الشعور لم يتراجع بمرور الوقت، بل ظل يتجدد مع كل حدث يُنظر إليه باعتباره امتدادًا لذلك المسار، ومع كل حادثة عنف أو قمع تُفسَّر في سياق العلاقة المختلة بين السلطة والمجتمع في الجنوب. وما جرى مؤخرًا في المكلا من سقوط ضحايا بين متظاهرين مدنيين يعيد إلى الواجهة هذا الإحساس المتجذر، حيث يرى كثيرون أن استهداف المحتجين، مهما كانت مبرراته، يعكس استمرار التعامل الأمني مع مطالب سياسية واجتماعية يفترض أن تُقابل بالحوار لا بالقوة. وبدل أن تُسهم مثل هذه الأحداث في إخماد المطالب، فإنها غالبًا ما تعمّق القناعة لدى فئات واسعة بأن خيار التعبير السلمي لا يزال يواجه تحديات كبيرة. قد يجر إلى التعامل مع سلطة الأمر الواقع بلغة أخرى وفي هذا الإطار، يبرز أيضًا انتقاد واضح لأداء السلطات المحلية في حضرموت، حيث يرى كثيرون أن طريقة التعامل مع المتظاهرين لم تكن منسجمة مع الأطر القانونية التي تكفل حق التظاهر السلمي، وهو حق معترف به في القوانين والمواثيق، ويُفترض أن يُصان لا أن يُقابل بإجراءات قمعية. ويعزز هذا التصور شعورًا بأن هناك فجوة بين النصوص القانونية والتطبيق على الأرض، وهو ما يزيد من حدة الاحتقان ويدفع نحو مزيد من فقدان الثقة بين المواطن ومؤسسات السلطة.
في هذا السياق، يتشكل وعي جمعي لدى الجنوبيين بأن قضيتهم لم تُحل بعد، وأنها تتجاوز الأبعاد السياسية المباشرة لتلامس جوانب نفسية وأخلاقية تتعلق بالكرامة والاعتراف والعدالة. فالشعور بأنهم يُعاملون وكأنهم خارج إطار الشراكة الوطنية يعزز الإصرار على الاستمرار في المطالبة بالحقوق، سواء تم توصيف هذه المطالب في إطار إصلاح الدولة أو إعادة صياغة العلاقة بين اليمن والجنوب العربي أو حتى في طرح خيارات سياسية أكثر جذرية مثل تقرير المصير، وهو مبدأ حاضر في القانون الدولي لكنه يبقى مرتبطًا بتعقيدات الواقع السياسي والإقليمي.
ومن أبرز ما يتردد في الخطاب الجنوبي اليوم هو المطالبة الصريحة بفك الارتباط مع اليمن باعتبار أن تجربة الوحدة قد انتهت بحرب 94م ولم تعد هناك، شراكة حقيقية مأمولة، بل أدت إلى اختلالات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة. وفي هذا الإطار، يطرح كثير من الجنوبيين رؤية لإقامة دولة جنوبية ذات نظام فيدرالي، تقوم على توزيع عادل للسلطة والثروة بين الأقاليم، وتضمن تمثيلًا سياسيًا أوسع، وتعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس حديثة تتجاوز مركزية القرار التي كانت محل انتقاد واسع. ويُنظر إلى هذا الطرح، لدى مؤيديه، كحل يحقق الاستقرار الداخلي ويحفظ الخصوصيات المحلية، ويؤسس لعلاقة متوازنة مع الإقليم والعالم.
وفي خضم هذه التطورات، يبرز أيضًا تساؤل لدى كثيرين حول مواقف القوى الإقليمية، ومنها الرياض، حيث يترقب البعض مواقف أكثر وضوحًا تجاه أحداث العنف، خاصة عندما يتعلق الأمر بسقوط ضحايا مدنيين. هذا الترقب لا ينفصل عن طبيعة الدور الذي تلعبه هذه الأطراف في الملف اليمني عمومًا، وما إذا كانت ستدفع نحو تهدئة حقيقية تقوم على حماية المدنيين وفتح مسارات سياسية، أو ستظل مواقفها أقل وضوحًا مما يأمله الشارع الجنوبي.
ورغم كل ما سبق، فإن التجارب التاريخية تشير إلى أن الحركات الشعبية التي تستند إلى شعور عميق بالعدالة لا تتلاشى بسهولة، بل قد تمر بمراحل من الهدوء والتصعيد، لكنها تبقى حاضرة في الوعي العام. وما حدث في المكلا، بالنسبة لكثير من الجنوبيين، لا يُنظر إليه كحادثة معزولة، بل كحلقة جديدة في سلسلة طويلة، قد تدفع قطاعات أوسع من المجتمع إلى إعادة التفكير في أساليب التعبير والنضال، مع تمسك واضح بالاستمرار في المطالبة بالحقوق.
في النهاية، تبقى هذه القضية مفتوحة على احتمالات متعددة، لكن المؤكد أن أي مسار مستقبلي مستقر يتطلب معالجة الجذور العميقة للمشكلة، والاعتراف بالمظالم، وفتح قنوات حقيقية للحوار، لأن الاستمرار في تجاهل هذه العوامل لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج التوتر بأشكال مختلفة، بينما يظل الأمل قائمًا لدى الناس في الوصول إلى واقع أكثر عدلًا وإنصافًا يضمن كرامتهم وحقوقهم، شهدا المكلا الطريق السريع نحو دولة الجنوب من المهرة إلى باب المندب.
هذا الشعور لم يتراجع بمرور الوقت، بل ظل يتجدد مع كل حدث يُنظر إليه باعتباره امتدادًا لذلك المسار، ومع كل حادثة عنف أو قمع تُفسَّر في سياق العلاقة المختلة بين السلطة والمجتمع في الجنوب. وما جرى مؤخرًا في المكلا من سقوط ضحايا بين متظاهرين مدنيين يعيد إلى الواجهة هذا الإحساس المتجذر، حيث يرى كثيرون أن استهداف المحتجين، مهما كانت مبرراته، يعكس استمرار التعامل الأمني مع مطالب سياسية واجتماعية يفترض أن تُقابل بالحوار لا بالقوة. وبدل أن تُسهم مثل هذه الأحداث في إخماد المطالب، فإنها غالبًا ما تعمّق القناعة لدى فئات واسعة بأن خيار التعبير السلمي لا يزال يواجه تحديات كبيرة. قد يجر إلى التعامل مع سلطة الأمر الواقع بلغة أخرى وفي هذا الإطار، يبرز أيضًا انتقاد واضح لأداء السلطات المحلية في حضرموت، حيث يرى كثيرون أن طريقة التعامل مع المتظاهرين لم تكن منسجمة مع الأطر القانونية التي تكفل حق التظاهر السلمي، وهو حق معترف به في القوانين والمواثيق، ويُفترض أن يُصان لا أن يُقابل بإجراءات قمعية. ويعزز هذا التصور شعورًا بأن هناك فجوة بين النصوص القانونية والتطبيق على الأرض، وهو ما يزيد من حدة الاحتقان ويدفع نحو مزيد من فقدان الثقة بين المواطن ومؤسسات السلطة.
في هذا السياق، يتشكل وعي جمعي لدى الجنوبيين بأن قضيتهم لم تُحل بعد، وأنها تتجاوز الأبعاد السياسية المباشرة لتلامس جوانب نفسية وأخلاقية تتعلق بالكرامة والاعتراف والعدالة. فالشعور بأنهم يُعاملون وكأنهم خارج إطار الشراكة الوطنية يعزز الإصرار على الاستمرار في المطالبة بالحقوق، سواء تم توصيف هذه المطالب في إطار إصلاح الدولة أو إعادة صياغة العلاقة بين اليمن والجنوب العربي أو حتى في طرح خيارات سياسية أكثر جذرية مثل تقرير المصير، وهو مبدأ حاضر في القانون الدولي لكنه يبقى مرتبطًا بتعقيدات الواقع السياسي والإقليمي.
ومن أبرز ما يتردد في الخطاب الجنوبي اليوم هو المطالبة الصريحة بفك الارتباط مع اليمن باعتبار أن تجربة الوحدة قد انتهت بحرب 94م ولم تعد هناك، شراكة حقيقية مأمولة، بل أدت إلى اختلالات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة. وفي هذا الإطار، يطرح كثير من الجنوبيين رؤية لإقامة دولة جنوبية ذات نظام فيدرالي، تقوم على توزيع عادل للسلطة والثروة بين الأقاليم، وتضمن تمثيلًا سياسيًا أوسع، وتعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس حديثة تتجاوز مركزية القرار التي كانت محل انتقاد واسع. ويُنظر إلى هذا الطرح، لدى مؤيديه، كحل يحقق الاستقرار الداخلي ويحفظ الخصوصيات المحلية، ويؤسس لعلاقة متوازنة مع الإقليم والعالم.
وفي خضم هذه التطورات، يبرز أيضًا تساؤل لدى كثيرين حول مواقف القوى الإقليمية، ومنها الرياض، حيث يترقب البعض مواقف أكثر وضوحًا تجاه أحداث العنف، خاصة عندما يتعلق الأمر بسقوط ضحايا مدنيين. هذا الترقب لا ينفصل عن طبيعة الدور الذي تلعبه هذه الأطراف في الملف اليمني عمومًا، وما إذا كانت ستدفع نحو تهدئة حقيقية تقوم على حماية المدنيين وفتح مسارات سياسية، أو ستظل مواقفها أقل وضوحًا مما يأمله الشارع الجنوبي.
ورغم كل ما سبق، فإن التجارب التاريخية تشير إلى أن الحركات الشعبية التي تستند إلى شعور عميق بالعدالة لا تتلاشى بسهولة، بل قد تمر بمراحل من الهدوء والتصعيد، لكنها تبقى حاضرة في الوعي العام. وما حدث في المكلا، بالنسبة لكثير من الجنوبيين، لا يُنظر إليه كحادثة معزولة، بل كحلقة جديدة في سلسلة طويلة، قد تدفع قطاعات أوسع من المجتمع إلى إعادة التفكير في أساليب التعبير والنضال، مع تمسك واضح بالاستمرار في المطالبة بالحقوق.
في النهاية، تبقى هذه القضية مفتوحة على احتمالات متعددة، لكن المؤكد أن أي مسار مستقبلي مستقر يتطلب معالجة الجذور العميقة للمشكلة، والاعتراف بالمظالم، وفتح قنوات حقيقية للحوار، لأن الاستمرار في تجاهل هذه العوامل لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج التوتر بأشكال مختلفة، بينما يظل الأمل قائمًا لدى الناس في الوصول إلى واقع أكثر عدلًا وإنصافًا يضمن كرامتهم وحقوقهم، شهدا المكلا الطريق السريع نحو دولة الجنوب من المهرة إلى باب المندب.



















