لم يكن أحمد شابًا مختلفًا عن آلاف الشباب في عدن، سوى أنه كان يحمل في قلبه إيمانًا عميقًا بأن العلم هو الطريق الأقصر إلى مستقبل كريم. أمضى سنوات عمره بين قاعات الدراسة، يطارد النجاح ويقاوم صعوبات الحياة، حتى تخرج من الجامعة وهو يظن أن أبواب الأمل ستُفتح له، وأن سنوات الكفاح ستثمر وظيفةً تحفظ كرامته، وراتبًا يعينه على بناء مستقبله.
كان يحلم ببيت صغير يضم أسرةً دافئة، وزوجةٍ تشاركه أفراح الحياة وأعباءها، وأن يكون سندًا لوالديه اللذين أفنيا العمر في سبيل تعليمه. لم تكن أحلامه كبيرة، بل كانت أبسط ما يتمناه أي شاب: عملٌ شريف، وحياةٌ مستقرة، ومستقبلٌ يليق بإنسان اجتهد ونال شهادته؛ لكن الواقع كان أكثر قسوة من أحلامه.
ظل يحمل ملفه الجامعي من مؤسسة إلى أخرى، ومن مكتب إلى آخر، يطرق الأبواب التي بقي معظمها موصدًا. وكلما عاد إلى منزله، ازداد إحساسه بأن شهادته أصبحت ورقةً لا تجد من يقرأها، وأن سنوات الدراسة الطويلة لم تشفع له أمام ندرة فرص العمل.
ومع مرور الأيام، أدرك أن انتظار الوظيفة قد يطول، وأن الجلوس بلا عمل ليس خيارًا لمن يريد أن يحفظ كرامته. فخلع ثوب الخريج، وارتدى ثياب العامل، ونزل إلى ميادين الأعمال الشاقة، يحمل الأثقال تحت لهيب الشمس، ويكدح ساعات طويلة مقابل أجرٍ بالكاد يسد رمق يومه.
لم يكن يخجل من العمل، فالعمل شرف مهما كان نوعه، لكنه كان يتألم حين يرى سنوات العلم تنحني أمام قسوة الحاجة، وحين يشعر أن المجتمع خسر طاقةً كان يمكن أن تكون معلمًا أو مهندسًا أو باحثًا أو إداريًا ناجحًا.
وحين يعود مع غروب الشمس، مثقل الجسد، كان يبتسم في وجه والديه حتى لا يزرع الحزن في قلبيهما، ويخفي خلف ابتسامته أمنياتٍ مؤجلة، وأسئلةً لا تجد جوابًا: متى يأتي اليوم الذي أعمل فيه في تخصصي؟ ومتى أستطيع أن أبني بيتًا وأسرةً كما حلمت؟
ولم تكن حكاية أحمد سوى صورةٍ مصغرة لواقع آلاف شباب عدن، الذين أنهوا تعليمهم حاملين آمالًا كبيرة، ثم اصطدموا بواقع البطالة، وندرة الفرص، وتراجع عجلة التنمية. فوجد كثيرٌ منهم أنفسهم بين خيارين أحلاهما مرّ: انتظارٌ قد يطول بلا أفق، أو أعمالٌ شاقة لا تمت بصلة إلى سنوات الدراسة ولا إلى طموحاتهم.
إن المأساة الحقيقية ليست في أن يعمل الشاب عملًا يدويًا، فكل عملٍ شريف محل احترام، وإنما في أن تتحول البطالة إلى قدرٍ يبدد طاقات الشباب، ويؤخر أحلامهم، ويجعل الزواج والاستقرار وتكوين الأسرة أهدافًا بعيدة المنال.
وشباب عدن لا يطلبون المستحيل، ولا يبحثون عن رفاهية زائدة، وإنما يريدون حقهم الطبيعي في فرصة عمل تحفظ كرامتهم، وتمكنهم من المشاركة في بناء وطنهم. فهم الثروة الحقيقية لأي مجتمع، وإذا ضاعت طاقاتهم ضاع معها جزء كبير من مستقبل المدينة.
وستظل عدن، رغم ما تعانيه، تنجب شبابًا لا يستسلمون، يؤمنون بأن الكرامة في العمل، وأن الأمل لا يموت مهما اشتدت الأزمات. غير أن الأوطان لا تُبنى بالصبر وحده، بل بتوفير الفرص، وإحياء الاقتصاد، وإطلاق مشاريع التنمية، حتى يعود العلم طريقًا إلى العمل، ويعود الحلم ممكنًا بعد أن طال انتظاره.
فما بين الضياع ومكابدة الحياة، يقف شباب عدن اليوم حاملين شهاداتهم في يد، وأعباء الحياة في اليد الأخرى، منتظرين فجرًا يعيد للأحلام مكانها، وللإنسان كرامته، ولعدن وجهها الذي تستحقه.
كان يحلم ببيت صغير يضم أسرةً دافئة، وزوجةٍ تشاركه أفراح الحياة وأعباءها، وأن يكون سندًا لوالديه اللذين أفنيا العمر في سبيل تعليمه. لم تكن أحلامه كبيرة، بل كانت أبسط ما يتمناه أي شاب: عملٌ شريف، وحياةٌ مستقرة، ومستقبلٌ يليق بإنسان اجتهد ونال شهادته؛ لكن الواقع كان أكثر قسوة من أحلامه.
ظل يحمل ملفه الجامعي من مؤسسة إلى أخرى، ومن مكتب إلى آخر، يطرق الأبواب التي بقي معظمها موصدًا. وكلما عاد إلى منزله، ازداد إحساسه بأن شهادته أصبحت ورقةً لا تجد من يقرأها، وأن سنوات الدراسة الطويلة لم تشفع له أمام ندرة فرص العمل.
ومع مرور الأيام، أدرك أن انتظار الوظيفة قد يطول، وأن الجلوس بلا عمل ليس خيارًا لمن يريد أن يحفظ كرامته. فخلع ثوب الخريج، وارتدى ثياب العامل، ونزل إلى ميادين الأعمال الشاقة، يحمل الأثقال تحت لهيب الشمس، ويكدح ساعات طويلة مقابل أجرٍ بالكاد يسد رمق يومه.
لم يكن يخجل من العمل، فالعمل شرف مهما كان نوعه، لكنه كان يتألم حين يرى سنوات العلم تنحني أمام قسوة الحاجة، وحين يشعر أن المجتمع خسر طاقةً كان يمكن أن تكون معلمًا أو مهندسًا أو باحثًا أو إداريًا ناجحًا.
وحين يعود مع غروب الشمس، مثقل الجسد، كان يبتسم في وجه والديه حتى لا يزرع الحزن في قلبيهما، ويخفي خلف ابتسامته أمنياتٍ مؤجلة، وأسئلةً لا تجد جوابًا: متى يأتي اليوم الذي أعمل فيه في تخصصي؟ ومتى أستطيع أن أبني بيتًا وأسرةً كما حلمت؟
ولم تكن حكاية أحمد سوى صورةٍ مصغرة لواقع آلاف شباب عدن، الذين أنهوا تعليمهم حاملين آمالًا كبيرة، ثم اصطدموا بواقع البطالة، وندرة الفرص، وتراجع عجلة التنمية. فوجد كثيرٌ منهم أنفسهم بين خيارين أحلاهما مرّ: انتظارٌ قد يطول بلا أفق، أو أعمالٌ شاقة لا تمت بصلة إلى سنوات الدراسة ولا إلى طموحاتهم.
إن المأساة الحقيقية ليست في أن يعمل الشاب عملًا يدويًا، فكل عملٍ شريف محل احترام، وإنما في أن تتحول البطالة إلى قدرٍ يبدد طاقات الشباب، ويؤخر أحلامهم، ويجعل الزواج والاستقرار وتكوين الأسرة أهدافًا بعيدة المنال.
وشباب عدن لا يطلبون المستحيل، ولا يبحثون عن رفاهية زائدة، وإنما يريدون حقهم الطبيعي في فرصة عمل تحفظ كرامتهم، وتمكنهم من المشاركة في بناء وطنهم. فهم الثروة الحقيقية لأي مجتمع، وإذا ضاعت طاقاتهم ضاع معها جزء كبير من مستقبل المدينة.
وستظل عدن، رغم ما تعانيه، تنجب شبابًا لا يستسلمون، يؤمنون بأن الكرامة في العمل، وأن الأمل لا يموت مهما اشتدت الأزمات. غير أن الأوطان لا تُبنى بالصبر وحده، بل بتوفير الفرص، وإحياء الاقتصاد، وإطلاق مشاريع التنمية، حتى يعود العلم طريقًا إلى العمل، ويعود الحلم ممكنًا بعد أن طال انتظاره.
فما بين الضياع ومكابدة الحياة، يقف شباب عدن اليوم حاملين شهاداتهم في يد، وأعباء الحياة في اليد الأخرى، منتظرين فجرًا يعيد للأحلام مكانها، وللإنسان كرامته، ولعدن وجهها الذي تستحقه.


















