هناك عبارة تتكرر في الخطاب الرسمي العربي، وفي اليمن على وجه الخصوص، حتى أصبحت جزءًا من اللغة اليومية للأخبار الحكومية، تتصدرها: "بتوجيهات..." بتوجيهات رئيس مجلس القيادة.. بتوجيهات أحد أعضاء مجلس القيادة.. بتوجيهات رئيس الوزراء.. بتوجيهات المحافظ...
ثم تأتي بقية الخبر: صيانة طريق، صرف مرتبات، إصلاح شبكة مياه، إزالة مخلفات، تشكيل لجنة، أو إعداد دراسة هندسية لمشروع خدمي.
قد تبدو هذه الصياغة، للوهلة الأولى، دليلًا على اهتمام القيادة بمتابعة شؤون المواطنين. غير أن القراءة المؤسسية تكشف دلالة مختلفة تماماً. إذ إن تكرار هذه العبارة في الأعمال التنفيذية اليومية لا يعكس قوة القيادة، بل يعكس ضعف المؤسسة.
وهنا ينبغي التمييز بين القيادة والإدارة. فالقيادة السياسية تُعنى بصناعة الرؤية، ورسم السياسات العامة، وتحديد الأولويات الوطنية، واتخاذ القرارات السيادية، وإدارة الأزمات الكبرى. أما الإدارة العامة، فوظيفتها تحويل تلك السياسات إلى أعمال يومية من خلال مؤسسات تمتلك اختصاصات محددة وصلاحيات واضحة، وتعمل وفق القانون والخطط والميزانيات، لا وفق التعليمات الشخصية.
وعندما يصبح إصلاح طريق، أو صرف مرتبات، أو فتح مجرى للصرف الصحي، أو حتى إعداد دراسة فنية، مرهوناً بتوجيه صادر من أعلى هرم السلطة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت أبسط الأعمال تحتاج إلى توجيه، فما وظيفة المؤسسات؟
لقد قامت الدولة الحديثة على فكرة ثورية في تاريخ الإدارة، وهي أن السلطة لا تُمارس عبر الأشخاص، بل عبر المؤسسات. وهذا ما عبّر عنه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر عندما وصف البيروقراطية الحديثة بأنها تقوم على قواعد قانونية، واختصاصات محددة، وتسلسل إداري واضح، بحيث تستمر الدولة في أداء وظائفها بغض النظر عن الأشخاص الذين يشغلون المناصب.
أما عندما يصبح كل نشاط إداري مرتبطاً بتدخل شخصي من القيادة العليا، فإن الدولة تبدأ تدريجياً في فقدان أهم خصائصها المؤسسية. ويتحول الجهاز التنفيذي إلى جهاز ينتظر التعليمات، بدلاً من أن يبادر إلى تنفيذ القانون.
ولا تقتصر خطورة هذا النمط على تعطيل العمل الإداري، بل تمتد إلى تشكيل ثقافة مؤسسية جديدة قوامها الانتظار. فالموظف لا يسأل: "ما الذي يوجبه عليّ النظام؟"، وإنما يسأل: "هل صدرت توجيهات؟". والمسؤول التنفيذي لا يقيس نجاحه بمدى التزامه باختصاصاته، وإنما بقدرته على الحصول على دعم أو تدخل من جهة أعلى.
وهكذا تنتقل الدولة، دون أن تشعر، من ثقافة المسؤولية إلى ثقافة التوجيه.
ولعل الأخطر من ذلك أن المواطن نفسه يعيد صياغة علاقته بالدولة. فبدلًا من المطالبة بتفعيل القانون، يبدأ بالبحث عن مسؤول نافذ يصدر توجيهًا استثنائيًا. ومع مرور الوقت، تتحول الحقوق إلى امتيازات، ويصبح الوصول إلى الخدمة مرتبطًا بالقرب من مراكز النفوذ، لا بالمواطنة المتساوية.
ولا شك أن ظروف الحروب، والأزمات الاقتصادية، وضعف المؤسسات، قد تدفع القيادات السياسية إلى التدخل المباشر لتجاوز التعقيدات أو كسر الجمود الإداري. غير أن هذا التدخل يجب أن يبقى استثناءً تفرضه الضرورة، لا أن يتحول إلى قاعدة دائمة لإدارة الدولة.
فالقيادة التي تضطر إلى التدخل في كل صغيرة وكبيرة، ليست بالضرورة قيادة قوية، بل قد تكون أمام جهاز إداري فقد قدرته على أداء وظائفه بصورة طبيعية.
ومن هنا فإن معيار نجاح الدولة لا ينبغي أن يكون عدد التوجيهات التي تصدرها القيادة، وإنما عدد الإجراءات التي تنفذها المؤسسات من تلقاء نفسها، وفي الوقت المناسب، ووفق القانون.
إن الدول المتقدمة لا تفتخر بأن رئيسها وجّه بإصلاح حفرة في طريق، أو بصرف رواتب موظفين، أو بإرسال فريق لفحص شبكة صرف صحي. بل تفتخر بأن هذه الأعمال تتم تلقائيًا، لأنها جزء من الوظيفة الطبيعية للمؤسسات، ولأن أي تقصير فيها يستدعي المساءلة الإدارية قبل أن يستدعي تدخلًا سياسيًا.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل:
كلما ازدادت كفاءة المؤسسات، قلّت الحاجة إلى التوجيهات.
وكلما ازداد الاعتماد على التوجيهات، كان ذلك مؤشرًا على أن المؤسسة لم تعد قادرة على أداء دورها الطبيعي.
إن الدولة المؤسسية ليست الدولة التي يعمل فيها الجميع بأوامر القائد، بل الدولة التي يستطيع فيها كل مسؤول أن يؤدي واجبه لأن القانون منحه الصلاحية، ولأن النظام يحمّله المسؤولية، ولأن آليات الرقابة والمساءلة تضمن سلامة الأداء.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإصدار مزيد من التوجيهات، وإنما يبدأ ببناء مؤسسات لا تحتاج إليها إلا في الظروف الاستثنائية.
فالفرق بين الدولة التقليدية والدولة الحديثة ليس في عدد القرارات الصادرة من القيادة، بل في عدد الأعمال التي تنجزها المؤسسات دون انتظار قرار.
وفي نهاية المطاف، نتساءل: هل نريد دولة تُدار بالتوجيهات، أم دولة تعمل بالمؤسسات؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد مستقبل الإدارة العامة، وجودة الخدمات، وثقة المواطن، وقدرة الدولة على الاستمرار.
فالدول التي تراهن على الأشخاص تبقى رهينة حضورهم. أما الدول التي تراهن على المؤسسات، فإنها تبني نظامًا يستمر ويؤدي وظائفه، مهما تغيرت القيادات وتعاقبت الحكومات.
ثم تأتي بقية الخبر: صيانة طريق، صرف مرتبات، إصلاح شبكة مياه، إزالة مخلفات، تشكيل لجنة، أو إعداد دراسة هندسية لمشروع خدمي.
قد تبدو هذه الصياغة، للوهلة الأولى، دليلًا على اهتمام القيادة بمتابعة شؤون المواطنين. غير أن القراءة المؤسسية تكشف دلالة مختلفة تماماً. إذ إن تكرار هذه العبارة في الأعمال التنفيذية اليومية لا يعكس قوة القيادة، بل يعكس ضعف المؤسسة.
وهنا ينبغي التمييز بين القيادة والإدارة. فالقيادة السياسية تُعنى بصناعة الرؤية، ورسم السياسات العامة، وتحديد الأولويات الوطنية، واتخاذ القرارات السيادية، وإدارة الأزمات الكبرى. أما الإدارة العامة، فوظيفتها تحويل تلك السياسات إلى أعمال يومية من خلال مؤسسات تمتلك اختصاصات محددة وصلاحيات واضحة، وتعمل وفق القانون والخطط والميزانيات، لا وفق التعليمات الشخصية.
وعندما يصبح إصلاح طريق، أو صرف مرتبات، أو فتح مجرى للصرف الصحي، أو حتى إعداد دراسة فنية، مرهوناً بتوجيه صادر من أعلى هرم السلطة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت أبسط الأعمال تحتاج إلى توجيه، فما وظيفة المؤسسات؟
لقد قامت الدولة الحديثة على فكرة ثورية في تاريخ الإدارة، وهي أن السلطة لا تُمارس عبر الأشخاص، بل عبر المؤسسات. وهذا ما عبّر عنه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر عندما وصف البيروقراطية الحديثة بأنها تقوم على قواعد قانونية، واختصاصات محددة، وتسلسل إداري واضح، بحيث تستمر الدولة في أداء وظائفها بغض النظر عن الأشخاص الذين يشغلون المناصب.
أما عندما يصبح كل نشاط إداري مرتبطاً بتدخل شخصي من القيادة العليا، فإن الدولة تبدأ تدريجياً في فقدان أهم خصائصها المؤسسية. ويتحول الجهاز التنفيذي إلى جهاز ينتظر التعليمات، بدلاً من أن يبادر إلى تنفيذ القانون.
ولا تقتصر خطورة هذا النمط على تعطيل العمل الإداري، بل تمتد إلى تشكيل ثقافة مؤسسية جديدة قوامها الانتظار. فالموظف لا يسأل: "ما الذي يوجبه عليّ النظام؟"، وإنما يسأل: "هل صدرت توجيهات؟". والمسؤول التنفيذي لا يقيس نجاحه بمدى التزامه باختصاصاته، وإنما بقدرته على الحصول على دعم أو تدخل من جهة أعلى.
وهكذا تنتقل الدولة، دون أن تشعر، من ثقافة المسؤولية إلى ثقافة التوجيه.
ولعل الأخطر من ذلك أن المواطن نفسه يعيد صياغة علاقته بالدولة. فبدلًا من المطالبة بتفعيل القانون، يبدأ بالبحث عن مسؤول نافذ يصدر توجيهًا استثنائيًا. ومع مرور الوقت، تتحول الحقوق إلى امتيازات، ويصبح الوصول إلى الخدمة مرتبطًا بالقرب من مراكز النفوذ، لا بالمواطنة المتساوية.
ولا شك أن ظروف الحروب، والأزمات الاقتصادية، وضعف المؤسسات، قد تدفع القيادات السياسية إلى التدخل المباشر لتجاوز التعقيدات أو كسر الجمود الإداري. غير أن هذا التدخل يجب أن يبقى استثناءً تفرضه الضرورة، لا أن يتحول إلى قاعدة دائمة لإدارة الدولة.
فالقيادة التي تضطر إلى التدخل في كل صغيرة وكبيرة، ليست بالضرورة قيادة قوية، بل قد تكون أمام جهاز إداري فقد قدرته على أداء وظائفه بصورة طبيعية.
ومن هنا فإن معيار نجاح الدولة لا ينبغي أن يكون عدد التوجيهات التي تصدرها القيادة، وإنما عدد الإجراءات التي تنفذها المؤسسات من تلقاء نفسها، وفي الوقت المناسب، ووفق القانون.
إن الدول المتقدمة لا تفتخر بأن رئيسها وجّه بإصلاح حفرة في طريق، أو بصرف رواتب موظفين، أو بإرسال فريق لفحص شبكة صرف صحي. بل تفتخر بأن هذه الأعمال تتم تلقائيًا، لأنها جزء من الوظيفة الطبيعية للمؤسسات، ولأن أي تقصير فيها يستدعي المساءلة الإدارية قبل أن يستدعي تدخلًا سياسيًا.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل:
كلما ازدادت كفاءة المؤسسات، قلّت الحاجة إلى التوجيهات.
وكلما ازداد الاعتماد على التوجيهات، كان ذلك مؤشرًا على أن المؤسسة لم تعد قادرة على أداء دورها الطبيعي.
إن الدولة المؤسسية ليست الدولة التي يعمل فيها الجميع بأوامر القائد، بل الدولة التي يستطيع فيها كل مسؤول أن يؤدي واجبه لأن القانون منحه الصلاحية، ولأن النظام يحمّله المسؤولية، ولأن آليات الرقابة والمساءلة تضمن سلامة الأداء.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإصدار مزيد من التوجيهات، وإنما يبدأ ببناء مؤسسات لا تحتاج إليها إلا في الظروف الاستثنائية.
فالفرق بين الدولة التقليدية والدولة الحديثة ليس في عدد القرارات الصادرة من القيادة، بل في عدد الأعمال التي تنجزها المؤسسات دون انتظار قرار.
وفي نهاية المطاف، نتساءل: هل نريد دولة تُدار بالتوجيهات، أم دولة تعمل بالمؤسسات؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد مستقبل الإدارة العامة، وجودة الخدمات، وثقة المواطن، وقدرة الدولة على الاستمرار.
فالدول التي تراهن على الأشخاص تبقى رهينة حضورهم. أما الدول التي تراهن على المؤسسات، فإنها تبني نظامًا يستمر ويؤدي وظائفه، مهما تغيرت القيادات وتعاقبت الحكومات.


















