> د. سعيد شرياف:
قد يبدو الحديث عن الرغيف حديثًا عن لقمة العيش، لكنه في جوهره حديث عن الكرامة والسيادة والقدرة على اتخاذ القرار.
فالإنسان الذي لا يملك قوت يومه يظل عرضة للحاجة، والمجتمع الذي لا يملك أدوات إنتاجه يظل عرضة للتبعية، والدولة التي لا تمتلك اقتصادًا قادرًا على توفير احتياجاتها وتعزيز قدرتها على الصمود، تظل مساحتها في صناعة قرارها الوطني أضيق مما ينبغي.
ومن هنا تكتسب العبارة القائلة:«لن يكون لرأيك وزن حتى تمتلك رغيفك بيدك» معناها السياسي الأوسع. فالرغيف ليس مجرد خبز؛ إنه رمز للقدرة على الإنتاج، والاعتماد على الذات، وصيانة القرار الوطني.
وحين تعتمد دولة بصورة مفرطة على الخارج في غذائها، أو طاقتها، أو مواردها الأساسية، أو تمويل احتياجاتها، فإنها لا تواجه مشكلة اقتصادية فحسب؛ بل قد تجد نفسها أمام خيارات سياسية أكثر صعوبة.
ولهذا فإن بناء اقتصاد منتج ليس ترفًا، ولا مشروعًا مؤجلًا إلى ما بعد اكتمال بناء الدولة، بل هو جزء من مشروع بناء الدولة نفسها.
فالدولة القوية لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل، وفرص العمل إلى استقرار، والاستقرار إلى قوة وطنية تحمي استقلال القرار.
فنحن أمام جغرافيا استثنائية تتقاطع فيها طرق التجارة والملاحة، وموانئ يمكن أن تكون رافعة لاقتصاد إقليمي، وثروات وموارد طبيعية، وأراضٍ وقطاعات قابلة للتطوير، وقبل ذلك كله طاقات بشرية يمكن أن تكون أهم موارد أي مشروع نهضوي.
لكن امتلاك المقومات لا يعني امتلاك القوة؛ فالموقع الجغرافي لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ اقتصادي، والثروة الطبيعية لا تتحول تلقائيًا إلى تنمية، والميناء لا يصبح مركزًا تجاريًا بمجرد وجوده على الخريطة.
القوة تبدأ عندما توجد رؤية اقتصادية واضحة، ومؤسسات كفؤة، وتشريعات مستقرة، وبيئة استثمارية جاذبة، وبنية تحتية حديثة، وإدارة شفافة للموارد.
وهنا يجب أن ننتقل من سؤال: ماذا نملك؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا نستطيع أن نصنع بما نملك؟
وهذا يتطلب إعادة الاعتبار للقطاعات الإنتاجية، وتطوير الزراعة والثروة السمكية، وتشجيع الصناعات المحلية، والاستثمار في الطاقة، وتطوير الموانئ والمناطق الاقتصادية، وربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل، وخلق بيئة تسمح للقطاع الخاص بأن يكون شريكًا حقيقيًا في التنمية.
كما يتطلب إدارة الموارد العامة باعتبارها ملكًا للمجتمع، لا موردًا للمصالح الضيقة.
فالثروة التي لا تنعكس على حياة الناس، ولا تتحول إلى بنية تحتية وتعليم وصحة وفرص عمل، تظل ثروة معطلة مهما كانت قيمتها.
ولا يمكن أن تكون هناك تنمية مستدامة في بيئة يصبح فيها القانون انتقائيًا، أو تتداخل فيها المصالح العامة والخاصة، أو تغيب عنها قواعد واضحة للمنافسة والاستثمار وإدارة المال العام.
ولهذا فإن مشروع التنمية الاقتصادية يجب أن يسير بالتوازي مع مشروع بناء الدولة.
نحن بحاجة إلى دولة قانون ومؤسسات؛ دولة تحمي الملكية، وتصون المال العام، وتكافح الفساد، وتضمن تكافؤ الفرص، وتوفر الأمن والاستقرار، وتضع قواعد واضحة لا تتغير بتغير الأشخاص.
فالمؤسسات هي التي تجعل التنمية قابلة للاستمرار، وتحول الإنجاز من مبادرة فردية إلى سياسة دولة.
إن إعادة بناء عدن اقتصاديًا يجب ألا تُختزل في إصلاح بعض الخدمات أو المنشآت، بل ينبغي أن تكون جزءًا من تصور أوسع يجعلها مركزًا للموانئ والخدمات اللوجستية والتجارة والصناعة والاستثمار.
والأمر نفسه ينطبق على بقية محافظات الجنوب، بحيث تتكامل أدوارها الاقتصادية بدل أن تتنافس على الموارد المحدودة.
فالجنوب لا يحتاج إلى اقتصاد مدينة واحدة، بل إلى منظومة اقتصادية متكاملة، لكل منطقة فيها دورها، ولكل مورد قيمته، ولكل مواطن فرصة للمشاركة في الإنتاج.
فالموانئ والطرق والمصانع والطاقة مهمة، لكن الإنسان هو الذي يديرها ويطورها ويحسن استخدامها.
ولهذا فإن الاستثمار في التعليم والتدريب والتأهيل المهني ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل استثمار مباشر في مستقبل الدولة.
نحن بحاجة إلى جيل يمتلك المعرفة والمهارة وروح المبادرة، ويستطيع أن يعمل في اقتصاد حديث، وأن ينافس في سوق إقليمية ودولية، وأن يحول التكنولوجيا والمعرفة إلى قيمة مضافة داخل وطنه.
ومن هنا، فإن معركة التنمية ليست فقط معركة بناء منشآت، وإنما معركة بناء الإنسان القادر على إدارة هذه المنشآت وصناعة المستقبل.
السيادة ليست فقط أن نرفع علمًا، أو نمتلك مؤسسات رسمية، أو نعلن استقلال القرار.
السيادة الحقيقية هي أن تكون لديك القدرة على اتخاذ القرار، والقدرة على تحمل كلفته، والقدرة على حماية مصالح شعبك، والقدرة على الاستمرار عندما تتغير الظروف من حولك.
ولهذا فإن الأمن الاقتصادي والغذائي، وإدارة الموارد، وتنويع مصادر الدخل، وبناء المؤسسات، وتطوير الإنسان، كلها أجزاء من مشروع السيادة الوطنية.
ومن الخطأ أن ننظر إلى الاقتصاد باعتباره شأنًا منفصلًا عن السياسة. فالاقتصاد القوي يمنح السياسة مساحة أوسع للحركة، بينما الاقتصاد الهش يجعل القرار السياسي أكثر عرضة للضغوط والابتزاز.
بل يجب أن يكون أيضًا: أي دولة نريد أن نبني؟
نريد دولة لا تكون فيها الثروة سببًا للصراع، بل وسيلة للتنمية.
دولة لا تكون فيها الموانئ مجرد منافذ بحرية، بل محركات للنمو.
دولة لا يكون فيها النفط والغاز والموارد الطبيعية مجرد إيرادات، بل أدوات لبناء اقتصاد متنوع ومستدام.
دولة لا يكون فيها المواطن متلقيًا للمساعدة، بل شريكًا في الإنتاج.
دولة لا تعتمد على الخارج في كل احتياجاتها، ولا تغلق أبوابها أمام العالم، بل تتعامل مع العالم من موقع الشراكة والمصلحة المتبادلة.
وهذه الدولة لا تُبنى بقرار واحد، ولا خلال عام أو عامين، وإنما عبر مشروع وطني طويل النفس، تتعاقب عليه الحكومات والمؤسسات، وتحكمه رؤية واضحة تتجاوز الأشخاص والمراحل السياسية.
ولا تبدأ السيادة من الخطاب السياسي، بل من المدرسة والمصنع والمزرعة والميناء، ومن مؤسسة تحترم القانون، ومن اقتصاد يوفر العمل، ومن دولة تدير مواردها بشفافية ومسؤولية.
وعندما نمتلك أسباب إنتاج رغيفنا، ونبني اقتصادنا، ونحمي مواردنا، ونؤسس دولة القانون والمؤسسات، يصبح قرارنا الوطني أكثر حرية، وتصبح شراكتنا مع العالم أكثر توازنًا، ويصبح مستقبلنا أقرب إلى أن يكون صناعة أيدينا لا انعكاسًا لإرادة غيرنا.
إنتاجٌ يقود إلى اقتصاد، واقتصادٌ يسند دولة، ودولةٌ تحمي سيادة، وسيادةٌ تمنح الإنسان حقه في أن يصنع مستقبله بحرية وكرامة.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للاستقلال.
فالإنسان الذي لا يملك قوت يومه يظل عرضة للحاجة، والمجتمع الذي لا يملك أدوات إنتاجه يظل عرضة للتبعية، والدولة التي لا تمتلك اقتصادًا قادرًا على توفير احتياجاتها وتعزيز قدرتها على الصمود، تظل مساحتها في صناعة قرارها الوطني أضيق مما ينبغي.
ومن هنا تكتسب العبارة القائلة:«لن يكون لرأيك وزن حتى تمتلك رغيفك بيدك» معناها السياسي الأوسع. فالرغيف ليس مجرد خبز؛ إنه رمز للقدرة على الإنتاج، والاعتماد على الذات، وصيانة القرار الوطني.
- الاقتصاد ليس ملفًا خدميًا..بل قضية سيادة
وحين تعتمد دولة بصورة مفرطة على الخارج في غذائها، أو طاقتها، أو مواردها الأساسية، أو تمويل احتياجاتها، فإنها لا تواجه مشكلة اقتصادية فحسب؛ بل قد تجد نفسها أمام خيارات سياسية أكثر صعوبة.
ولهذا فإن بناء اقتصاد منتج ليس ترفًا، ولا مشروعًا مؤجلًا إلى ما بعد اكتمال بناء الدولة، بل هو جزء من مشروع بناء الدولة نفسها.
فالدولة القوية لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل، وفرص العمل إلى استقرار، والاستقرار إلى قوة وطنية تحمي استقلال القرار.
- الجنوب… من الجغرافيا إلى القوة الاقتصادية
فنحن أمام جغرافيا استثنائية تتقاطع فيها طرق التجارة والملاحة، وموانئ يمكن أن تكون رافعة لاقتصاد إقليمي، وثروات وموارد طبيعية، وأراضٍ وقطاعات قابلة للتطوير، وقبل ذلك كله طاقات بشرية يمكن أن تكون أهم موارد أي مشروع نهضوي.
لكن امتلاك المقومات لا يعني امتلاك القوة؛ فالموقع الجغرافي لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ اقتصادي، والثروة الطبيعية لا تتحول تلقائيًا إلى تنمية، والميناء لا يصبح مركزًا تجاريًا بمجرد وجوده على الخريطة.
القوة تبدأ عندما توجد رؤية اقتصادية واضحة، ومؤسسات كفؤة، وتشريعات مستقرة، وبيئة استثمارية جاذبة، وبنية تحتية حديثة، وإدارة شفافة للموارد.
وهنا يجب أن ننتقل من سؤال: ماذا نملك؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا نستطيع أن نصنع بما نملك؟
- من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج
وهذا يتطلب إعادة الاعتبار للقطاعات الإنتاجية، وتطوير الزراعة والثروة السمكية، وتشجيع الصناعات المحلية، والاستثمار في الطاقة، وتطوير الموانئ والمناطق الاقتصادية، وربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل، وخلق بيئة تسمح للقطاع الخاص بأن يكون شريكًا حقيقيًا في التنمية.
كما يتطلب إدارة الموارد العامة باعتبارها ملكًا للمجتمع، لا موردًا للمصالح الضيقة.
فالثروة التي لا تنعكس على حياة الناس، ولا تتحول إلى بنية تحتية وتعليم وصحة وفرص عمل، تظل ثروة معطلة مهما كانت قيمتها.
- لا اقتصاد قويًا من دون دولة قوية
ولا يمكن أن تكون هناك تنمية مستدامة في بيئة يصبح فيها القانون انتقائيًا، أو تتداخل فيها المصالح العامة والخاصة، أو تغيب عنها قواعد واضحة للمنافسة والاستثمار وإدارة المال العام.
ولهذا فإن مشروع التنمية الاقتصادية يجب أن يسير بالتوازي مع مشروع بناء الدولة.
نحن بحاجة إلى دولة قانون ومؤسسات؛ دولة تحمي الملكية، وتصون المال العام، وتكافح الفساد، وتضمن تكافؤ الفرص، وتوفر الأمن والاستقرار، وتضع قواعد واضحة لا تتغير بتغير الأشخاص.
فالمؤسسات هي التي تجعل التنمية قابلة للاستمرار، وتحول الإنجاز من مبادرة فردية إلى سياسة دولة.
- عدن..بوابة اقتصادية لا مجرد مدينة
إن إعادة بناء عدن اقتصاديًا يجب ألا تُختزل في إصلاح بعض الخدمات أو المنشآت، بل ينبغي أن تكون جزءًا من تصور أوسع يجعلها مركزًا للموانئ والخدمات اللوجستية والتجارة والصناعة والاستثمار.
والأمر نفسه ينطبق على بقية محافظات الجنوب، بحيث تتكامل أدوارها الاقتصادية بدل أن تتنافس على الموارد المحدودة.
فالجنوب لا يحتاج إلى اقتصاد مدينة واحدة، بل إلى منظومة اقتصادية متكاملة، لكل منطقة فيها دورها، ولكل مورد قيمته، ولكل مواطن فرصة للمشاركة في الإنتاج.
- الإنسان هو رأس المال الحقيقي
فالموانئ والطرق والمصانع والطاقة مهمة، لكن الإنسان هو الذي يديرها ويطورها ويحسن استخدامها.
ولهذا فإن الاستثمار في التعليم والتدريب والتأهيل المهني ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل استثمار مباشر في مستقبل الدولة.
نحن بحاجة إلى جيل يمتلك المعرفة والمهارة وروح المبادرة، ويستطيع أن يعمل في اقتصاد حديث، وأن ينافس في سوق إقليمية ودولية، وأن يحول التكنولوجيا والمعرفة إلى قيمة مضافة داخل وطنه.
ومن هنا، فإن معركة التنمية ليست فقط معركة بناء منشآت، وإنما معركة بناء الإنسان القادر على إدارة هذه المنشآت وصناعة المستقبل.
- نحو مفهوم جديد للسيادة
السيادة ليست فقط أن نرفع علمًا، أو نمتلك مؤسسات رسمية، أو نعلن استقلال القرار.
السيادة الحقيقية هي أن تكون لديك القدرة على اتخاذ القرار، والقدرة على تحمل كلفته، والقدرة على حماية مصالح شعبك، والقدرة على الاستمرار عندما تتغير الظروف من حولك.
ولهذا فإن الأمن الاقتصادي والغذائي، وإدارة الموارد، وتنويع مصادر الدخل، وبناء المؤسسات، وتطوير الإنسان، كلها أجزاء من مشروع السيادة الوطنية.
ومن الخطأ أن ننظر إلى الاقتصاد باعتباره شأنًا منفصلًا عن السياسة. فالاقتصاد القوي يمنح السياسة مساحة أوسع للحركة، بينما الاقتصاد الهش يجعل القرار السياسي أكثر عرضة للضغوط والابتزاز.
- من الرغيف إلى الدولة
بل يجب أن يكون أيضًا: أي دولة نريد أن نبني؟
نريد دولة لا تكون فيها الثروة سببًا للصراع، بل وسيلة للتنمية.
دولة لا تكون فيها الموانئ مجرد منافذ بحرية، بل محركات للنمو.
دولة لا يكون فيها النفط والغاز والموارد الطبيعية مجرد إيرادات، بل أدوات لبناء اقتصاد متنوع ومستدام.
دولة لا يكون فيها المواطن متلقيًا للمساعدة، بل شريكًا في الإنتاج.
دولة لا تعتمد على الخارج في كل احتياجاتها، ولا تغلق أبوابها أمام العالم، بل تتعامل مع العالم من موقع الشراكة والمصلحة المتبادلة.
وهذه الدولة لا تُبنى بقرار واحد، ولا خلال عام أو عامين، وإنما عبر مشروع وطني طويل النفس، تتعاقب عليه الحكومات والمؤسسات، وتحكمه رؤية واضحة تتجاوز الأشخاص والمراحل السياسية.
- الاستقلال الذي نريده
ولا تبدأ السيادة من الخطاب السياسي، بل من المدرسة والمصنع والمزرعة والميناء، ومن مؤسسة تحترم القانون، ومن اقتصاد يوفر العمل، ومن دولة تدير مواردها بشفافية ومسؤولية.
وعندما نمتلك أسباب إنتاج رغيفنا، ونبني اقتصادنا، ونحمي مواردنا، ونؤسس دولة القانون والمؤسسات، يصبح قرارنا الوطني أكثر حرية، وتصبح شراكتنا مع العالم أكثر توازنًا، ويصبح مستقبلنا أقرب إلى أن يكون صناعة أيدينا لا انعكاسًا لإرادة غيرنا.
- فالرغيف ليس مجرد لقمة عيش.
إنتاجٌ يقود إلى اقتصاد، واقتصادٌ يسند دولة، ودولةٌ تحمي سيادة، وسيادةٌ تمنح الإنسان حقه في أن يصنع مستقبله بحرية وكرامة.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للاستقلال.

















