ما استفزني اليوم ليس خلافًا على تبرعات، ولا اتهامات بين من جمعوا المال، بقدر ما استفزني ذلك المشهد الذي أصبح يتكرر كثيرًا: مريض يتألم ويبكي، فيُصوَّر ويُنشر وجهه وحاله لجمع التبرعات، ومحتاج يقف أمام الكاميرا ليشكر من أعانه، وكأن حاجته أصبحت إعلانًا لمن ساعده.

من أعطاكم الحق أن تجعلوا ضعف الإنسان مادةً للنشر؟

يقولون: «نصوّر حتى لا يتهمنا الناس بالكذب».

وثّقوا التقارير الطبية، والفواتير، وتكاليف العلاج، والمساعدات. أما المريض نفسه، فليس وثيقة إثبات، ودموعه ليست إيصالًا، وكرامته ليست ثمنًا لإقناع الناس.

وثّقوا الحاجة، لا الإنسان.

والأشد إيلامًا أن تتحول معاناة الإنسان إلى فيديوهات متكررة، ودموع وشكر، ثم تنهال عبارات: «أنت عظيم.. أنت إنسان رائع».

عظيم في ماذا؟

في أنك استطعت أن تجعل إنسانًا مكسورًا أمام الكاميرا دليلًا على عظمتك؟

لا يا سادة.

الإنسانية أن تساعد الإنسان وتحفظ كرامته، لا أن تعرض ضعفه أمام الناس ثم تنتظر التصفيق واللايكات.

حتى بعض المساعدات التي تصل إلى الفقراء، نرى معها تصوير المواطن البسيط وهو يشكر الجهة الداعمة.

ساعدوه، نعم، لكن لا تجعلوا المحتاج لوحة إعلانية لأعمالكم.

وهذا الكلام ليس ضد متبرع أو جمعية أو دولة أو فرد بعينه، بل ضد كل من يرى إنسانًا في أضعف لحظاته، ثم يرى في ضعفه فرصةً للتصوير والترويج.

حتى الموتى لم يسلموا من هذا العبث؛ تُنشر صورهم ولحظات ضعفهم، وكأن الإنسان يفقد حقه في الستر والاحترام بمجرد أن يفقد القدرة على الاعتراض.

الموت لا يسقط حرمة الإنسان، والمرض لا يسقط كرامته، والحاجة لا تمنح أحدًا حق انتهاك خصوصيته.

من اضطر إلى كشف حاله بحثًا عن علاج أو أمل، لم يمنح أحدًا حق المتاجرة بضعفه.

قد تجمعون المال، وقد تحصلون على آلاف الإعجابات، وقد تسمعون: «أنت عظيم».

لكن اسألوا أنفسكم بعيدًا عن الكاميرا:

هل ساعدنا إنسانًا، أم استخدمنا إنسانًا؟

فالنية الطيبة لا تبرر كل وسيلة، والعمل الخيري لا يصبح إنسانيًا لمجرد أنه جمع المال.

ساعدوا، لكن لا تُذلّوا. تبرعوا، لكن لا تُشهّروا. وثّقوا الحاجة، لكن لا تفضحوا صاحبها.

أحيانًا يكون أعظم ما تقدمه لإنسان محتاج أن تساعده دون أن يعرف الناس أنه محتاج.

أن تفعل الخير، ثم تمضي… بلا كاميرا، بلا استعراض، بلا انتظار للتصفيق.

إنقاذ الإنسان لا يحتاج إلى كسر كرامته.

قد ينتهي المنشور، وتنتهي الحملة، وتختفي الصور والتعليقات…

لكن الأثر يبقى.