استوقفتني حكاية الأستاذة نجوى، التي اشترت الكتب لطالباتها من مالها الخاص، وأعادتني إلى يوم دخلت فيه مخيمات الحرافيش، إحدى الفئات المهمّشة في اليمن. يومها رأيت أطفالًا لا ينقصهم الذكاء ولا الرغبة في التعلّم، بل الفرصة التي تفتح أمامهم أبواب المعرفة. مدّت إليّ «ماما مريم» يدها، وقالت عبارة لم تغادر ذاكرتي:«تخيّلي أن هؤلاء أطفالك، هل ترضين أن يكبروا بلا تعليم؟». لم يكن سؤالًا ينتظر جوابًا، بل كان ضميرًا يوقظ مسؤولية. ومنذ ذلك اليوم، صرت أذهب إلى المكتبة، أحمل ما أستطيع من وسائل تعليمية، وأعود إلى أطفال الخيام لأتعلّم معهم قبل أن أعلّمهم أن المعرفة حق لا تحدده ظروف الميلاد ولا مكان السكن.

ثم جاءت الأيام بما لم أتوقعه؛ اعتُقل زوجي بسبب إيماننا بالدين البهائي، وكانت من بين الاتهامات التي وُجّهت إليه، كما ورد في قضيته، «تعليم الأسر الفقيرة والتظاهر بمكارم الأخلاق لتغيير دينهم». وما زلت أتساءل: عن أي تظاهر بمكارم الأخلاق كانوا يتحدثون؟ ومتى أصبح تعليم طفل محتاج موضع ريبة؟ وهل يحتاج الإنسان إلى غاية خفية كي يفعل خيرًا؟ إن أعظم ما في الأخلاق أنها لا تنتظر مقابلًا، ولا تسأل المحتاج عمّا يؤمن به قبل أن تمد إليه يدها.
مضت السنوات، وبقي أولئك الأطفال في اليمن، وأصبحتُ أنا اليوم هنا في أوروبا أمارس مهنتي معلمةً، وبين «هناك» و«هنا» مسافات صنعتها الحياة، لكن السؤال الذي طرحته ماما مريم لم يتغير. فلا أحد يعلم أين ستقوده الأيام، ولا تعلم نفس بأي أرض تموت غدًا؛ غير أن الإنسان يستطيع أن يختار ما يتركه في الأرض التي يمر بها: خوفًا يتوارثه الناس، أم معرفةً تنمو بعد رحيله.
ولعل أعمق ما علّمتني إياه تلك التجربة أن التعليم لا يغيّر دين الطفل، بل يفتح له أبواب الفهم والاختيار؛ وأن خدمة الإنسان لا تحتاج إلى تبرير، بل إن حرمانه من المعرفة هو ما يستحق أن نسأل عن مبرراته. فقد نفترق عن الأماكن، ونغيب عن الوجوه، ولا نعرف ما آلت إليه حياة من التقيناهم، لكن بذرة المعرفة التي نضعها في يد طفل قد تواصل النمو في غيابنا. وما أجمل أن يرحل الإنسان عن مكان، ويبقى فيه شيء من النور الذي حاول أن يشعله.

وهكذا أعادتني حكاية الأستاذة نجوى اليوم إلى أطفال الخيام، وإلى يد ماما مريم التي امتدت نحوي يومًا لتوقظ في قلبي سؤالًا لم تنطفئ إجابته حتى الآن. لقد اشترت نجوى الكتب من مالها، كما حملتُ يومًا وسائل التعليم إلى أطفال لم تجمعني بهم قرابة، لكن جمعتني بهم إنسانيتنا المشتركة. وبين الحكايتين سنوات ومسافات وأقدار لا نملكها، ومعنى واحد لا يتغير: أن التعليم ليس ما نعطيه للطفل من معلومات فحسب، بل ما نمنحه من قدرة على أن يصنع غدًا قد لا نكون نحن جزءًا منه.
واليوم، لا أعلم أين أصبح أولئك الأطفال، ولا ماذا ستصنع الأيام بطالبات نجوى، ولا إلى أي أرض ستقودنا الحياة؛ «وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت». لكنني أدرك أن الإنسان قد يغادر المكان، ولا تغادره آثار ما زرع فيه. ولعل أعظم درس في حكاية نجوى وحكاية ماما مريم أن الخير الحقيقي لا يُقاس بما نراه من ثماره، بل بما نزرعه دون أن نشترط حضورنا يوم الحصاد. فليس ضروريًا أن نعرف إلى أين سيصل الأطفال الذين علّمناهم؛ يكفينا ألّا نكون ممن أغلقوا الطريق أمامهم.
ودمتم سالمين.








