ماذا لو جعل اليمن التعليم أكبر مشروع وطني لإعادة بناء الإنسان والدولة، بدلًا من الاكتفاء بمعالجة الأزمات بعد وقوعها؟، أقترح إطلاق (مشروع المجمعات التعليمية الوطنية المتكاملة)، بإنشاء مجمعات حديثة في جميع مناطق اليمن دون استثناء، من خلال بناء مدارس جديدة حيث تقتضي الحاجة، وترميم المدارس القائمة وتوسعتها وتحديثها حيث يكون ذلك أكثر جدوى.

تضم هذه المجمعات مدارس متكاملة، ومختبرات علمية، ومكتبات، ومراكز تقنية، ومرافق رياضية، وقاعات للابتكار، إضافة إلى ((سكن داخلي متكامل يقيم فيه الطلاب طوال أيام الدراسة))، ويعودون إلى أسرهم في الإجازة الأسبوعية. ويشمل السكن التغذية والرعاية الصحية والإشراف التربوي والحماية اللازمة، مع توفير بيئة آمنة ومتكافئة للفتيات والفتيان. ويُراعى اختيار النموذج السكني وفق أعمار الطلاب واحتياجات المناطق، مع إعطاء الأولوية للمناطق النائية والمحرومة.

ولا ينجح المشروع بالمباني وحدها؛ بل يحتاج إلى (استقطاب أفضل المعلمين اليمنيين)، والاستفادة من الكفاءات اليمنية في الخارج، والتعاقد مع خبراء دوليين عند الحاجة، وتوفير رواتب عادلة وبرامج مستمرة للتأهيل والتطوير المهني، كما ينبغي (تحديث المناهج) بالاستفادة من تجارب دول مثل سنغافورة وإستونيا، وإدماج العلوم والبرمجة والذكاء الاصطناعي والتفكير النقدي والبحث العلمي وريادة الأعمال، وربط المعرفة بمشكلات اليمن في الطاقة والمياه والزراعة والصناعة.

أما (التمويل)، فيمكن تأسيس صندوق وطني مستقل للتعليم تتعدد موارده بين الإيرادات العامة، ومساهمات عادلة من الأنشطة الاقتصادية الكبرى، والأوقاف التعليمية، والشراكات مع القطاع الخاص، والسندات التعليمية الطوعية للمغتربين، والمنح الدولية، مع رقابة مستقلة وشفافية كاملة في الإيرادات والمصروفات، وتقدم تجارب الدول التي استثمرت في تأهيل المعلمين وتحديث المناهج وتطوير البيئة المدرسية دروساً مهمة لليمن، شريطة تكييفها مع إمكاناته وظروفه، لا استنساخها دون دراسة.

ويبدأ التنفيذ بحصر الاحتياجات، ثم إطلاق مشروعات تجريبية في مناطق متنوعة، وتقييم نتائجها، والتوسع تدريجيًا وفق الموارد المتاحة ومؤشرات التحصيل العلمي والعدالة التعليمية، إن المشروع ليس مجرد بناء مدارس، بل إنشاء بيئات تعليمية متكاملة تمنح الطلاب الوقت والمكان والمعلم والموارد التي يحتاجون إليها للتعلم والإبداع، وتخفف أثر الفقر وبُعد المسافة على فرصهم المستقبلية.

إن أعظم استثمار يستطيع اليمن تقديمه لأبنائه هو أن يجعل التعليم الجيد حقًا متاحًا لكل طفل، وأن يحوّل المدرسة إلى نقطة انطلاق لبناء جيل يقود نهضة الوطن بالعلم والمعرفة والابتكار، فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالعقول التي تصنع من العلم قوة، ومن المعرفة إنتاجًا، ومن الأمل مستقبلًا.