مصادمات المكلا ومدن حضرمية أخرى تذكرني بقصة صاحب السمن الذي ندرسه في زمن التعليم الابتدائي، ذلك الصبي الفقير الذي يبيع قوارير السمن في السوق ومن شدة فقره حلم للحظات أنه باع السمن واشترى بيتًا وزوجة، ونهاية الحكاية أن أحد أولاده في حلمه عصاه فضربه بالعصا، وهنا كسر كل قوارير السمن التي أمامه وخسر كل شيء لغبائه أو شدة تماديه وانزلاق أفكاره المتطرفة بمفهوم اليوم.

كنا قبل ثلاثين سنة قلة منّا نتحرك في حضرموت نجاهر بالحراك المقاوم في الشارع ضد انحرافات النظام الشمالي وعسكره ورجال مخابراته، وكنا فقراء للغاية ولا يوجد معنا مال نصرفه على شراء قماش أو التنقل لأنصارنا أو مداواة جريح لمن يناصر الحراك من خارج المكلا، لم يكن معنا يناصرنا بقوة إلا عزيمتنا وصحيفة الأيام والتي بها رجل أصيل وصاحب قلب صلب ومخلص ولديه رؤية لمفهوم الحراك الجنوبي في عدن وحضرموت ووظف كل قدراته وصوت جريدته وجعل صفحاتها ميدانًا لنا، وهو الأستاذ الراحل الأب هشام محمد باشراحيل، وكانت هي منبرنا الوحيد وظهرنا ومترسنا العميق، وظلت إلى أن ضُرِبت في يوم مشهود لن يُنسى.

كانت المكلا مدرسة الحراك ضد الجيوش الغازية لنا في 1994م، وما تطور من أحداث عقب ذلك. وبها ارتفعت مكانة النضال كله، كنا نقاوم ونتظاهر وندخل السجن ونهرب من بيوتنا من أجل وقف الانتهاكات وتجاوز الحريات والبحث عن بصيص أمل أن يُسمع صوتنا في المكلا أولاً وأن نحصل على من يرد الصوت علينا ونبحث في ظل حصار وقمع شديد، بل غليظ الشدة عن نافذة ينظر العالم إلينا من خلالها ولو بنصف ما نريد حينذاك، ولم تكن سوى الأيام أقرب، والتي كانت لسان حالنا وتبشر وتدافع عن كل الحراك من عدن إلى المهرة، وكانت حضرموت وخصوصًا المكلا مركزًا يشتعل في وجه التنكيل بنا والقمع لنا ولم نتوقف، وكان تماسكنا لأننا فقراء لا نحصل على المال الذي أتى فيما بعد من عواصم الجوار ويسخر لأشخاص وللمكونات في الوقت الحاضر بدلاً من توظيفه بصدق للنضال وصدق النوايا من أجل التحرير، بل وخصصت مرتبات مالية شهرية بالريال السعودي وصرفت أكوام النقود لدعم الحراك ومكوناته واختلف عما كان الحال عليه منذ البدايات وسنوات الجمر التي مرت علينا.

ما يحرك من يتصادمون اليوم برغم تضييق الخناق أو دون ذلك هو تدفق التمويل والدعم المالي الخارجي، وهناك الحراك الذي ترعاه السلطات الرسمية وهو يمول من صندوق هذه السلطة ويعتبر الوجه الرسمي البديل في وجه النضال الجنوبي الذي تمزقه الولاءات والأموال وقادة أحبوا البريق والوجاهة والترف مثلهم مثل رجال الشرعية المترفين في عواصم الدول من الشرق إلى الغرب، وقال المثل: (من شابه أباه فما ظلم).

وما يثير الاستغراب ويضع أسئلة كثيرة: ما سبب المصادمات في المكلا أو غيرها؟ كنا متماسكين بقوة يوم كان الفقر والإخلاص رأس مالنا والإرادة تقودنا ونبحث عن من يدفع ثمن معالجة جريح أو مصاب نعجز عن إسعافه في بعض الأحيان.

ما سبب النهيق والقصب واحد، وأيش يدفع إلى التشابك والتخوين والمقاتلين يسقطون تسابقًا في الشهادة في ميادين القتال في حرب لا نعلم متى تنتهي، ونبحث عن الجنوب ولا ندري من أي باب ندخله.

هو الشبع والتخمة في امتلاء الجيوب بالمال والتبعية لكل المكونات، لا أحد بريء، وكما يقال فما الداعي لكل هذا الصراخ والضرب والمداهمات فيما بينكم البين؟ لن تصدق الأفعال وسنغوص في بحر التبعية والطمع والتمزق، وربما سنظل ننتظر جيلاً قادمًا يقودنا إلى الطريق التي أضعنا معالمها، بسبب تحولنا إلى سكة الجشع والثراء من المال السياسي الذي شوه النضال وأضاع معالمه، أليس كذلك؟