أخر تحديث للموقع
الأحد, 28 يونيو 2026 - 12:16 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • حين يصبح استقرار الجار ضمانة للمستقبل

    نبيل خالد ميسري




    العظمة لله وحده، أما قوة الدول فليست دائمة. فالنفط والمال والسلاح والتحالفات تتغير، بينما تبقى الجغرافيا والجوار والمصالح المشتركة.

    ومن أخطر الأوهام أن ضعف الجار يصنع القوة. قد تستفيد دولة مؤقتًا من ضعف جارتها، لكنها تدفع الثمن لاحقًا في صورة حروب وحدود مضطربة وتهريب ونزوح وتدخلات خارجية وأعباء مالية متزايدة.

    وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن تدركه المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان والجنوب والشمال: لا يستطيع أي طرف أن يبني مستقبله منفردًا فوق ضعف الآخرين. 
    • الفكرة
    نقترح تكاملًا تدريجيًّا يبدأ بين المملكة وسلطنة عُمان والجنوب، ثم ينضم إليه الشمال عندما تنتهي الحرب، وتقوم فيه دولة تحتكر السلاح والقرار العسكري.

    ولا يعني التكامل إقامة دولة واحدة أو إلغاء سيادة أي طرف. تحتفظ كل دولة بنظامها وقواتها ومواردها وعلاقاتها الدولية، وتتعاون الدول الأربع في:

    أمن الحدود والممرات البحرية.

    الموانئ والطرق والتجارة.

    الطاقة والمياه والغذاء.

    الاستثمار والتعليم والتكنولوجيا.

    حماية المنطقة من الحروب والتدخلات الخارجية.

    لماذا يبدأ من الجنوب؟

    لأن الجنوب يقع بين المملكة وعُمان، ويطل على باب المندب وخليج عدن وبحر العرب، ويمتلك موانئ وموارد وفرصًا كبيرة. لكنه يحتاج أولًا إلى بناء دولة عادلة وقادرة.

    ويبدأ النموذج من عدن والمحافظات الجاهزة، مع منح المحافظات صلاحيات واسعة، وتوحيد المؤسسات والمال والسلاح، ثم الانتقال إلى نظام اتحادي يتوافق عليه الجنوبيون.

    وتبقى عدن مركزًا اقتصاديًّا وتجاريًّا وبحريًّا، بينما تكون العاصمة الاتحادية في منطقة مستقلة مجاورة لها. 
    • ماذا عن الشمال؟
    الشمال ليس عدوًا دائمًا ولا طرفًا مستبعدًا. يُفتح أمامه طريق واضح للانضمام، يبدأ بوقف الحرب والهجمات، ثم انتقال السلاح الاستراتيجي إلى الدولة، وقبول التعددية واحترام الجنوب والجوار.

    ولا يُطلب منه قطع علاقاته مع إيران أو غيرها، بل تحويلها إلى علاقات رسمية بين دول، لا علاقة تسليح وتبعية مع جماعة مسلحة.

    ويمكن لعُمان أن تساعد في إنجاح هذا الانتقال، بضمانات سعودية وجنوبية ودولية. 
    • ماذا يكسب كل طرف؟
    المملكة: حدود مستقرة، وكلفة أمنية أقل، وأسواق وممرات أوسع، وحماية لتحولها الاقتصادي بعد النفط.

    عُمان: أمن حدودها الغربية، وتوسيع دور موانئها، وتحويل وساطتها إلى شراكة مؤسسية مؤثرة.

    الجنوب: بناء دولته، وحماية قراره وموارده، وتطوير عدن والموانئ وتوفير فرص العمل.

    الشمال: إنهاء الحرب والعزلة، وإعادة الإعمار، واستعادة الدولة، والدخول في سوق إقليمية واسعة. 
    • كيف نبدأ؟
    لا نبدأ بإعلان تحالف ضخم، بل بخطوات عملية:

    تفاهم سعودي عُماني.

    توافق جنوبي على شكل الدولة.

    مجموعة اتصال سعودية عُمانية جنوبية.

    معالجة الكهرباء والمياه في عدن.

    تأمين الحدود وتطوير الموانئ والجمارك.

    فتح قناة عُمانية للتسوية مع الشمال.

    تقييم التجربة بعد عام قبل توسيعها. 
    • النتيجة:
    بعد خمسة وعشرين عامًا، يمكن أن تصبح المنطقة أربع دول مستقلة ومتكاملة، تربطها الموانئ والطرق والطاقة والتجارة والمعرفة، وتحمي معًا البحر الأحمر وباب المندب وبحر العرب.

    أما استمرار الوضع الراهن، فيعني بقاء المملكة وعُمان أمام حدود قلقة، والجنوب ساحة للتنافس، والشمال أسير الحرب، والمنطقة مفتوحة أمام تدخل الآخرين. 
    • الخلاصة:
    الخيار ليس بين التكامل والاستقرار؛ لأن الاستقرار الحالي مؤقت وهش. الخيار الحقيقي هو بين بناء المستقبل اليوم أو دفع ثمن أزمات أكبر غدًا.

    من يساعد جاره على بناء دولة مستقرة، لا يقدم له منحة، بل يبني لنفسه أمنًا دائمًا وسوقًا أوسع وشريكًا أقوى.

    * نائب وزير الخارجية الأسبق

المزيد من مقالات (نبيل خالد ميسري)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال