السبت, 27 يونيو 2026
118
يشهد العالم العربي، منذ انكسار الحقبة الاستعمارية وما أعقبها من ولادة دول وطنية هشة، سيولة تاريخية عميقة لا تكف عن إعادة تشكيل الخرائط والمعاني وموازين القوة. في القرن الواحد والعشرين لم تعد الحدود وحدها موضوعاً للتعديل، بل صارت الدولة ذاتها ـ بوصفها فكرة ومؤسسة وعقداً اجتماعياً ـ موضع اختبار قاسٍ في مختبرات "الفوضى الخلاقة".
مع نهاية الحرب الباردة ثم عودة التنافس الدولي بأشكال أكثر خشونة وحِدّة، دخل العالم العربي طوراً جديداً من الاضطراب؛ طوراً تتداخل فيه إرادات الداخل مع حسابات الخارج، وتتصارع فيه مشاريع البناء مع غرائز التفكيك.
في هذا المشهد، تتجاور دول عربية تسعى إلى النهوض عبر تحديث مؤسساتها وإعادة تعريف موقعها في العالم، مع دول تتآكل ببطء حتى تكاد تتحول إلى خرائط ممزقة في أذهان الآخرين. وبين هذين المسارين يقف اليمن بوصفه أحد أكثر النماذج مأساوية وكشفاً لحقيقة اللحظة العربية الراهنة، والمؤامرات الخارجية.
يبدو اليمن ساحة مكثفة لاختبار سؤال الدولة في العالم العربي: لماذا تنهض دول، بينما تأفل أخرى داخل الإقليم نفسه وتحت الشروط والمعادلات الدولية ذاتها؟ لم تعد معادلة القوة والضعف تُقاس بالثروة وحدها، ولا بالموقع الجغرافي، ولا حتى بامتلاك القوة العسكرية، بل بمزيج أعقد: صلابة المؤسسات، وشرعية الحكم، والقدرة على إدارة التنوع، وكفاءة الاقتصاد، وحيوية المجتمع، ثم قدرة الدولة على قراءة التحولات العالمية من دون أن تصبح مجرد مستمع وتابع لها.
كما لا يمكن تجاهل المقاربة الجيوسياسية للقوى الكبرى، إذ كثيراً ما تحولت الدول الضعيفة إلى ساحات نفوذ لا إلى فاعلين مستقلين. هنا يصبح اليمن مرآة كاشفة لا لحاله الرديء فقط، بل لخلل عربي أوسع في معنى السيادة وبنية السلطة وشروط النهوض.
لم يكن اليمن، منذ مطلع القرن العشرين، دولة قوية بالمعنى المؤسسي الصارم، لكنه كان دولة قابلة للحياة مثله مثل كثير من دول المنطقة في ذلك الزمن.. غير أن هذه القابلية أخذت تتآكل حين أُديرت السياسة بوصفها توازناً بين قوى متنازعة لا عقداً للمواطنة، وحين تقدمت العصبيات الضيقة على فكرة الدولة الجامعة.
ومع انقلاب الحادي والعشرين من سبتمبر 2014 لم يقع مجرد تحول في السلطة، بل انكسرت القاعدة المؤسسة لأي دولة حديثة: احتكار العنف الشرعي. ومنذ تلك اللحظة أخذ الأفول اليمني شكلاً أكثر انحداراً؛ إذ لم تعد الأزمة أزمة حكومة أو نظام، بل أزمة معنى الدولة نفسها.
ليست الحرب في اليمن وحدها هي المأساة الكبرى؛ فالحروب قد تنتهي، والدول قد تنهض من ركامها إذا بقيت لديها ذاكرة جامعة ومؤسسات قابلة للترميم.
المأساة الأعمق أن الدولة اليمنية تحولت إلى سؤال مفتوح: من يملك القرار؟ ومن يحتكر السلاح؟ ومن يمثل الشعب؟ ومن يصوغ المستقبل؟ هناك دول تُهزم ثم تستعيد توازنها، ودول تتعثر ثم تصلح مسارها، لكن الأخطر أن يكثر المتحدثون باسم الشعب اليمني برايات وعناوين مختلفة، وأن تأفل الدولة بهدوء، بلا لحظة سقوط مدوية، وبلا جنازة رسمية.. وهذا ما يجعل اليمن أكثر من بلد منكوب؛ يجعله إنذاراً مبكراً لما يحدث حين تفشل السياسة في أن تكون فناً للبناء، وتتحول إلى تقنية للهدم وإدارة الخراب.
في اليمن لم تعد الميليشيا المدعومة من الخارج عارضاً طارئاً في جسد الدولة، بل صارت بنية موازية ومنافسة، بل بديلة في بعض المناطق. كما لم يعد السلاح أداة في يد السياسة، بل غدت السياسة ظلاً للسلاح.
عند هذه العتبة تتبدل وظائف الدولة: تتحول الشرعية إلى رمزية بلا قدرة، والمؤسسات إلى واجهات بلا سلطة، والاقتصاد إلى شبكات ريعية تتغذى على استمرار النزاع. حينئذ يصبح السلام ذاته تهديداً لمصالح تشكلت في زمن الحرب، ويغدو الخراب مورداً لمن لا يستطيعون العيش إلا داخل الفوضى.
هنا تتجلى إحدى أخطر ديناميات الأفول في اليمن: حين يصبح استمرار الأزمة أكثر ربحاً لبعض القوى السياسية والنخب المحلية من إنهائها.
وحين نتحدث عن الدول الناهضة والدول الآفلة، فإننا لا نقصد بالنهوض نمواً اقتصادياً، ولا بالأفول ركوداً، بل نتحدث عن مسارات تاريخية طويلة. الدولة الناهضة هي تلك القادرة على تحويل مواردها الاقتصادية والبشرية والثقافية والرمزية إلى قوة مؤسسية مستدامة، وعلى إنتاج شرعية داخلية، وصياغة رؤية مستقبلية قابلة للتنفيذ.
أما الدولة الآفلة فهي التي تعجز عن إدارة تناقضاتها، وتستنزف مواردها في صراعات صفرية، وتتحول تدريجياً إلى ساحة نفوذ لقوى مسلحة في الداخل وأطراف طامعة في الخارج.
الفرق بين النمو والانهيار ليس في وفرة الإمكانات، بل في طريقة إدارتها وفي وجود مشروع وطني جامع يضع الدولة فوق الجماعة، والقانون فوق الغلبة، والمصلحة العامة فوق الغنيمة.
رغم اختلاف التجارب العربية، يمكن تمييز مقومات مشتركة في الدول التي أظهرت مؤشرات نهوض كالسعودية ودولة الإمارات الشقيقتين على سبيل المثال.
يبدأ النهوض حين تتقدم المؤسسات على الأشخاص، وحين تُدار الدولة بمنطق القواعد لا بمنطق الولاءات المغلقة. تلك الدول استثمرت في تحديث جهازها الإداري، وإصلاح التعليم، وتعزيز كفاءة القضاء، وتوسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية والاجتماعية، فاستطاعت أن تبني قدراً من الاستقرار الوظيفي والسياسي.
الشرعية لا تُستمد فقط من التاريخ وحده، ولا من الجغرافيا، ولا من العلم المرفرف من على السارية، بل من القدرة على الإنجاز وتقديم الخدمات وفتح أفق المستقبل أمام الأجيال الجديدة.
في هذا السياق تبرز تجربة المملكة العربية السعودية بوصفها نموذجاً عربياً لافتاً في الانتقال من ثقل الأيديولوجيا إلى منطق التنمية، ومن الانكفاء إلى إعادة التموضع في شبكة المصالح الدولية.
فقد أحدثت التحولات التي قادها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان نقلة اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة وواسعة، نقلت المملكة إلى طور جديد من الثقة بالذات والقدرة على التأثير الإقليمي والدولي.
في المقابل، تتشابه مسارات الدول الآفلة في ديناميات مدمرة: تفكك احتكار الدولة للعنف، تعاظم أزمة الشرعية، وانهيار الثقة بين المجتمع والسلطة. واليمن اليوم أحد أبرز النماذج لهذا المسار.
فقد فقدت الدولة سيطرتها على السلاح، وتكاثرت فيها الهويات والميلشيات المسلحة، المناطقية منها والسلالية والمذهبية، وغدت السياسة امتداداً للحرب لا طريقاً للخروج منها.
ومع طول أمد الصراع، تحولت بعض البنى الاجتماعية والسياسية إلى شبكات بقاء تتغذى من اقتصاد الحرب، بينما أصبح القرار الوطني مكشوفاً أمام التدخلات الإقليمية والدولية.
إن أخطر ما يحدث في مثل هذه الحالات ليس فقط أن تضعف الدولة، بل أن تُفرغ من معناها، فتغدو واجهة بلا إرادة، ونخباً بلا مشروع، ومجتمعاً يفاوض على مستقبله الآخرون، كما تفعل إيران اليوم نيابة عن بعض دول وشعوب المنطقة العربية.
غير أن الانهيار اليمني لا يقف عند حدود المؤسسات. فالحروب لا تهدم المدن وحدها، بل تعيد تشكيل النفوس والروابط والمعاني. إنها تضعف الثقة، وتوسع الشروخ، وتحول الاختلاف السياسي إلى عداوة وجودية. وحين يتآكل رأس المال الاجتماعي، ويعجز الناس عن تخيل أنفسهم جماعة سياسية واحدة، يصبح الحديث عن الدولة أشبه بحلم يقظة. لذلك فإن إعادة بناء اليمن لا تبدأ من إعادة إعمار تلك المدن المهدّمة، بل من الإنسان أولاً: من استعادة الثقة، وتجديد العقد الاجتماعي، وبناء سردية وطنية تتسع للتنوع من غير أن تسمح له بأن يتحول إلى مشروع تفكيك.
بالرغم من كل ما قِيل وكُتب من تشاؤم وقنوط بشأن اليمن، فإن هذا البلد الذي وصفه الرومان ” بالبلد المبارك” ليس قدراً مغلقاً على السقوط. إنه ما زال ينبض بالحياة، وما يزال يراوح في منطقة رمادية تتصارع فيها احتمالات الأفول مع إمكانات النهوض، التي يحاول مجلس الرئاسة جاهداً تفجير منابعها.
إن الخروج من هذه الحلقة يتطلب إرادة وطنية جامعة مشتركة تتضافر فيها قوى الدولة والمجتمع بكافة أطيافه وفئاته، كما يتطلب شجاعة سياسية واجتماعية لا تكتفي بإدارة الأزمة، بل تذهب إلى جذورها: تفكيك بنية الميليشيات، استعادة احتكار الدولة للعنف، بناء مؤسسات قانونية وإطلاق مصالحة وطنية تقوم على الحقيقة والعدالة والصهر الاجتماعي.
كما أن الدور الإقليمي، وفي مقدمته دور المملكة العربية السعودية الشقيقة، يظل حاسماً إذا ارتبط برؤية وبرنامج، كما هو معلن، تجعل استقرار اليمن وسيادته جزءاً من أمن الإقليم ونهضته.
إن النهوض اليمني، إن كُتب له أن يحدث بسواعد أبنائه ودعم أشقائه، لن يكون ثمرة تسوية شكلية ولا إعمار مبان هدمتها الحرب، بل مشروع إعادة تأسيس شامل: دولة قانون، ومواطنة متساوية، وشرعية تمثيلية، واقتصاد سلام، ووعي سياسي يحرر اليمن من منطق الساحات و”المليونيات الزائفة" والفوضى إلى منطق الدولة.
عندئذ فقط يمكن لليمن أن يغادر تخوم الأفول، نحو النهضة وبناء الدولة اليمنية المستقلة، المستقرة والمزدهرة.
عن "العرب اللندنية"