الاثنين, 20 يوليو 2026
130
هناك من يقرأ التاريخ باعتباره مصدرًا للعبرة والدروس، وهناك من يتعامل معه وكأنه صفحة من الماضي يمكن تجاوزها بالإرادة والقوة. غير أن التجارب الإنسانية تثبت أن تجاهل التاريخ لا يلغي آثاره، بل يؤدي غالبًا إلى إعادة إنتاج أسبابه ونتائجه بصور جديدة.
فالتاريخ ليس مجرد سجل للأحداث الماضية، وإنما هو ذاكرة الشعوب، ومفتاح لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. ومن لا يقرأ التاريخ بعمق لا يكرر أخطاءه فقط، بل يفتح الباب أمام أزمات جديدة تتغذى من تراكم التجارب والظروف السابقة.
وكذلك فإن السياسة التي تتجاهل الجغرافيا كثيرًا ما تفشل في قراءة طبيعة المجتمعات والمصالح والحقائق التي تحكم حركة الأحداث. فالتاريخ يكشف جذور القضايا، والجغرافيا تكشف وزنها وموقعها في معادلات الحاضر والمستقبل.
ومن يعتقد أن بالإمكان تجاوز إرادة مجتمع تشكلت هويته السياسية عبر عقود باستخدام أدوات القوة أو الإقصاء، فإنه لا يقرأ الواقع كما هو، بل كما يرغب أن يكون، وفي ذلك يكمن أحد أكبر أخطاء السياسة.
وهذا ما يكشفه مسار القضية الجنوبية منذ حرب صيف 1994، وما يخشى كثير من الجنوبيين تكراره اليوم بعد أحداث يناير 2026. فالتجارب السابقة تؤكد أن محاولات إنهاء القضايا السياسية بالقوة أو عبر إقصاء أصحابها لا تؤدي إلى اختفائها، بل قد تمنحها أسبابًا جديدة للحضور والاستمرار.
لقد كانت حرب 1994 نقطة تحول مفصلية في تاريخ الجنوب. فلم يقتصر أثرها على حسم الصراع عسكريًا، بل امتد إلى طبيعة إدارة الدولة بعد الحرب، وإلى شعور قطاعات واسعة من أبناء الجنوب بأن مؤسسات الدولة تحولت إلى أداة لإعادة ترتيب الواقع السياسي على نحو أدى إلى تهميش دورهم وإضعاف حضورهم في مؤسساتها.
فقد شعر كثير من الجنوبيين بعد حرب 1994 بأن سياسات الإبعاد من مواقع المسؤولية، وإحلال بدائل على أساس الولاء السياسي، طالت أعدادًا كبيرة من العسكريين والمدنيين، وأن إدارة الدولة لم تُبنَ على أساس الشراكة الوطنية التي كان يفترض أن تقوم عليها مرحلة ما بعد الوحدة، بل على أساس الغلبة التي فرضتها نتائج الحرب.
وكان الاعتقاد السائد آنذاك لدى بعض القوى المنتصرة أن السيطرة على مؤسسات الدولة واستخدام أدوات القوة كفيلان بإنهاء القضية الجنوبية. غير أن مسار الأحداث أثبت أن القضايا المرتبطة بالهوية والحقوق والذاكرة السياسية لا تُعالج بالقوة وحدها.
فالإقصاء لا ينهي القضايا الوطنية، بل قد يعيد إنتاجها. والظلم لا يمحو الذاكرة، بل يحولها إلى وعي سياسي متراكم. وهكذا تحولت سياسات ما بعد 1994، بدلًا من أن تطوي القضية الجنوبية، إلى أحد العوامل التي أسهمت في إعادة تشكيل الوعي السياسي الجنوبي وظهور الحراك الجنوبي، حتى أصبحت القضية الجنوبية واحدة من أكثر القضايا حضورًا في المشهد اليمني والإقليمي.
إن الدرس الأهم من تلك المرحلة هو أن الجنوب لم يكن مجرد مساحة جغرافية يمكن إدارتها بمنطق القوة، بل مجتمعًا له تاريخه السياسي، وتجربته الخاصة في بناء مؤسسات الدولة، وخصوصيته الاجتماعية والوطنية التي لا يمكن تجاهلها.
كما أن الجغرافيا تضيف بعدًا آخر لفهم القضية الجنوبية؛ فالجنوب يقع في موقع استراتيجي بالغ الأهمية عند ملتقى بحر العرب وخليج عدن، بالقرب من أهم طرق الملاحة الدولية، ويرتبط بصورة مباشرة بحسابات الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. ولذلك فإن تجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا لا يؤدي إلى تجاوز القضايا، بل يجعلها أكثر تعقيدًا وارتباطًا بتوازنات أوسع.
واليوم، وبعد أحداث يناير 2026، يرى كثير من الجنوبيين أن هناك مخاوف من إعادة إنتاج بعض أنماط الإقصاء السياسي بأدوات مختلفة. إذ تتداول شكاوى من موظفين وعسكريين جنوبيين بشأن تعرضهم لإجراءات إدارية مرتبطة بمواقفهم السياسية المؤيدة للقضية الجنوبية أو للمجلس الانتقالي الجنوبي، أو بسبب ارتباطهم السابق بمؤسساته، بما يشمل الإبعاد عن بعض المواقع أو التضييق الإداري، وهي ممارسات يرى أصحابها أنها تمس حقوقهم وكرامتهم.
ولا تكمن خطورة هذه الممارسات - إذا ثبتت - في آثارها الوظيفية فقط، بل في انعكاساتها السياسيةوالنفسيةوالاجتماعية؛ لأنها قد تعيد استحضار ذاكرة الماضي، وتعزز لدى قطاعات من الجنوبيين الشعور بأن منطق الإقصاء ما زال حاضرًا بأشكال جديدة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في إدارة القضايا السياسية هو الاعتقاد بأن الضغط على أصحاب الرؤى والمشاريع السياسية المختلفة يمكن أن يؤدي إلى إنهائها. فالتجارب التاريخية تثبت أن الأفكار لا تختفي بإقصاء أصحابها، وأن القضايا المرتبطة بالهوية والحقوق لا تُعالج بالإجراءات الإدارية أو الأمنية، وإنما بالحوار والاعتراف بجذور المشكلة والبحث عن حلول سياسية عادلة.
ومن هنا فإن تكرار النهج الذي ساد بعد عام 1994، أو إعادة إنتاجه بأشكال جديدة، لن يؤدي إلى نتائج مختلفة. فالقضايا السياسية لا تُهزم بالإقصاء، بل تُعالج بمعالجة أسبابها، واحترام إرادة المجتمعات، والبحث عن ترتيبات سياسية تستجيب للحقائق القائمة على الأرض.
إن الدفاع عن حق الإنسان الجنوبي، أينما كان موقعه في مؤسسات الدولة المدنية أو العسكرية، في التمتع بحقوقه الوظيفية والمدنية دون تمييز أو إقصاء بسبب رأيه السياسي، ليس دفاعًا عن فصيل سياسي، بل هو دفاع عن مبدأ عالمي يقوم على المساواة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان. فلا يجوز أن يُحرم أي مواطن من حقه في العمل، أو تُمس كرامته، أو يُعامل على أساس انتمائه أو موقفه السياسي، فهذه حقوق تكفلها المواثيق الدولية، ولا يجوز الانتقاص منها تحت أي مبرر،
أن الاختلاف السياسي لا يجوز أن يكون سببًا للعقوبة أو التمييز أو الإقصاء.
ومن هذا المنطلق، فإن المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية معنيون بمتابعة أي انتهاكات موثقة للحقوق والحريات، لأن بناء السلام لا يبدأ فقط من طاولات المفاوضات السياسية، بل يبدأ أيضًا من احترام الإنسان، وصيانة حقوقه، وتهيئة بيئة قائمة على الثقة المتبادلة بين الأطراف.
إن قراءة مستقبل الجنوب لا يمكن أن تقوم فقط على موازين القوة المؤقتة، لأن المشاريع السياسية لا تولد من اللحظة الراهنة وحدها، وإنما تتشكل عبر تراكم التاريخ والتجارب والوعي والمصالح والموقع الجغرافي. ولهذا فإن أي مقاربة جادة لمستقبل المنطقة تحتاج إلى فهم عميق لجذور القضية الجنوبية، لا باعتبارها حالة طارئة، بل باعتبارها نتاج مسار تاريخي وسياسي طويل.
لقد أثبتت تجربة ما بعد 1994 أن فرض واقع سياسي بالقوة قد يحقق سيطرة مؤقتة، لكنه لا يستطيع بالضرورة صناعة قبول دائم. فالقوة قد تحسم معركة، لكنها لا تحسم دائمًا قضايا ترتبط بالهوية والحقوق والذاكرة الجماعية.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي استيعابه اليوم: أن أي مستقبل مستقر في اليمن لا يمكن أن يُبنى على تجاهل إرادة أي مكون اجتماعي أو سياسي، ولا على محاولة فرض حلول لا تأخذ في الاعتبار التحولات التي شهدها الواقع خلال العقود الماضية.
فالقضية الجنوبية، في نظر قطاعات واسعة من أبناء الجنوب، لم تستمر بسبب وجود مكون سياسي محدد فقط، وإنما بسبب تراكم تجربة تاريخية وشعور واسع بوجود حق سياسي وهوية وطنية خاصة ومظالم وقضايا لم تجد طريقها إلى معالجة عادلة، والبحث عن مستقبل سياسي يعبر عن تطلعاتهم ويحفظ حقوقهم وكرامتهم وإرادتهم الحرة.
ومن ثم فإن إعادة إنتاج سياسات الإقصاء لن تؤدي إلى إغلاق ملف القضية الجنوبية، بل قد تمنحها أسبابًا جديدة للحضور والاستمرار. أما الطريق الأكثر واقعية لبناء السلام، فهو الاعتراف بحقائق الواقع، وفتح المجال أمام حلول سياسية تستند إلى الحوار والضمانات والاحترام المتبادل.
إن التاريخ لا ينتقم من أحد، لكنه لا يرحم من يكرر أخطاءه، ولا يجامل من يرفض التعلم من دروسه. فقد تنتصر القوة في معركة، لكنها لا تستطيع أن تنتصر على التاريخ إذا ظلت تعيد إنتاج الأسباب التي أشعلت الصراع.
ولهذا فإن أي مشروع لبناء السلام والاستقرار في اليمن والمنطقة يجب أن ينطلق من فهم حقيقة بسيطة: أن معالجة آثار الماضي لا تكون بإنكارها، وأن تجاوز الأزمات لا يكون بإقصاء أصحابها، وإنما بالاعتراف المتبادل بالحقوق، والبحث عن صيغة سياسية عادلة تحفظ مصالح الجميع وتستجيب لمتطلبات ألامن والسلام والمصالح المشتركة في المنطقة.