السبت, 01 أغسطس 2026
72
إلى جلالة الملك.. حين تدعو أبناء المغرب الذين اختاروا الهجرة، ولا سيما إلى إسبانيا وأوروبا، إلى العودة إلى وطنهم، فإنك تخاطب عاطفتهم، لكنك تتجاوز السؤال الذي يسبق كل دعوة من هذا النوع: لماذا غادروا أصلًا؟
وقبل ذلك، اسمح لي أن أطرح سؤالًا أكثر صراحة: ماذا قدمت لمن بقي في المغرب، حتى تغري من غادروه بالعودة؟ هل وجد الشاب المغربي الذي لم يغادر فرصة عمل تحفظ كرامته؟ وهل وجد رب الأسرة ما يكفي ليعيش حياة مستقرة؟ وهل يشعر المواطن أن مستقبله في وطنه أكثر إشراقًا من مستقبله خارجه؟.
إذا كان من بقي في المغرب لا يزال يحلم بالهجرة، فبأي منطق يمكن إقناع من نجح في بناء حياته في الخارج أن يعود؟
فالإنسان لا يودع وطنه كما يودع مدينة عابرة. الوطن هو ذاكرة العمر، وملامح الطفولة، وقبور الآباء، ورائحة الأزقة، ولهجة الأم، ووجوه الأحبة. لا أحد يقطع هذه الصلة بإرادته الكاملة، ولا أحد يختار الغربة إذا كان يجد في وطنه حياة تحفظ له كرامته وتصون مستقبل أطفاله.
الهجرة ليست ترفًا، وليست نزوة، وليست خيانة للأوطان كما يحاول البعض تصويرها. إنها في كثير من الأحيان آخر الخيارات أمام إنسان أُغلقت في وجهه أبواب العمل، وضاقت عليه سبل العيش، وفقد ثقته بأن الغد سيكون أفضل من الأمس.
لقد غادر ملايين العرب أوطانهم، ولم يكن المال وحده هو الدافع. كثير منهم هربوا من البطالة، ومن انسداد الأفق، ومن عجز السياسات العامة عن توفير فرص عادلة، أو من ظروف قاسية دفعتهم إلى البحث عن بداية جديدة في مكان آخر.
ومن الخطأ أن يُنظر إلى هؤلاء وكأنهم تخلوا عن أوطانهم. فالوطن لا يُترك في المطارات، ولا يُنسى عند أول ختم على جواز السفر. بل يبقى ساكنًا في القلب، حاضرًا في اللغة والذاكرة والحنين.
المغربي الذي يعيش في مدريد أو برشلونة أو باريس، لا يزال مغربيًا، كما أن اليمني في برلين، والسوري في ستوكهولم، والعراقي في لندن، والمصري في ميلانو.. جميعهم يحملون أوطانهم في وجدانهم، مهما حملوا من وثائق إقامة أو جنسيات جديدة.
الخروج من الوطن لا يعني اقتلاع الجذور، ولا سلخ الهوية، ولا التنكر للانتماء. إنه يعني فقط أن الإنسان قرر أن يبحث عن حياة لم يجدها في وطنه. وهذا حق طبيعي لا ينتقص من وطنيته، بل يؤكد تمسكه بالحياة وبحق أسرته في مستقبل أفضل.
إن الإنسان لا يبحث عن الرفاهية بقدر ما يبحث عن الكرامة. يريد عملاً يحفظ ماء وجهه، ومدرسة جيدة لأطفاله، ومستشفى يعالجه، وقضاءً ينصفه، ودولةً تعامل مواطنيها باعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق.
ولهذا، فإن دعوات العودة لا تكفي مهما كانت صادقة، لأن العودة ليست قرارًا عاطفيًا، بل قرار تصنعه الوقائع على الأرض. فمن استطاع أن يبني حياة مستقرة في المهجر لن يهدمها استجابةً لنداء، ما لم يرَ أن وطنه تغير فعلًا.
جلالة الملك.. إن من غادروا لم يحملوا معهم كراهية للمغرب، بل حملوا حبًا لوطن تمنوا أن يمنحهم ما وجدوه في بلاد أخرى. لم يتخلوا عن هويتهم، ولم ينسوا علمهم، ولم يتوقفوا عن الحنين إلى مدنهم وقراهم، لكن الحنين وحده لا يصنع مستقبلًا، ولا يطعم طفلًا، ولا يوفر وظيفة.
وهنا لا تعود الرسالة موجهة إلى المغرب وحده، بل إلى كل حاكم عربي يعتقد أن مناشدة المهاجرين بالعودة تكفي لحل المشكلة.
أيها الحكام العرب.. لا تنتظروا أن يهاجر أبناؤكم ثم تناشدوهم العودة.
لا تجعلوا البحر هو الحلم، والغربة هي الخطة البديلة، وجواز السفر هو طوق النجاة.
ابنوا أوطانًا يخشى الناس مغادرتها، بدلًا من أن يحلموا بالفرار منها.
ازرعوا الأمل في قلوب الشباب قبل أن يزرعوا أحلامهم في بلاد الآخرين. وفروا لهم العمل قبل الوعود، والعدالة قبل الشعارات، والكرامة قبل الخطب، وسيبقون في أوطانهم بإرادتهم.
تذكروا أن الإنسان لا يهاجر لأنه توقف عن حب وطنه، بل لأنه فقد ثقته بقدرته على أن يعيش فيه حياة تليق بإنسانيته.
والأوطان لا تُقاس بعدد من يغادرها، بل بعدد من يختار البقاء فيها وهو قادر على الرحيل.
فإذا أردتم ألا تتكرر مشاهد الهجرة الجماعية في بلدانكم، فلا تكتفوا بدعوات العودة، بل اصنعوا أوطانًا لا يفكر أبناؤها في مغادرتها أصلًا.
حينها فقط، لن يكون المهاجرون بحاجة إلى من يدعوهم للعودة، لأن الوطن الذي يمنح أبناءه الكرامة والعدالة والأمل، هو الوطن الذي يعودون إليه ولو بعد حين.