أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:03 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • حربنا كلّنا.. حين يصبح الصمت خدمةً للحوثي

    عبدالله الشرفي




    ليست المعركة التي تدور اليوم في جبهات تعز والساحل الغربي مجرد مواجهة عسكرية محدودة بين قوات تتبادل المواقع والنيران، كما يحاول البعض تصويرها، وإنما هي فصل جديد من معركة اليمنيين في مواجهة مشروع يسعى إلى انتزاع الدولة من أيدي أبنائها، وتحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة لمشروع المليشيا والسلاح والطائفة.

    ولهذا فإن ما يجري في الميدان لا ينبغي أن يُقرأ فقط من خلال خرائط السيطرة العسكرية، ولا من خلال أخبار مواقع التواصل الاجتماعي المتسارعة، بل من خلال سؤال أكبر: من يقف اليوم مع بقاء الدولة والجمهورية، ومن يساهم، بقصد أو من دون قصد، في إضعاف الجبهة التي تقاتل من أجل استعادتهما؟.

    الهجمات الحوثية الأخيرة على محاور القتال تؤكد أن المليشيا لا تزال تراهن على عنصر المفاجأة، وعلى كثافة النيران، وعلى الدفع بأعداد كبيرة من المقاتلين إلى خطوط المواجهة، في محاولة لإحداث اختراق سريع وإرباك القوات المدافعة قبل أن تستعيد توازنها.

    لكن المعركة لا تُحسم دائمًا بالصدمة الأولى.

    ففي اللحظة التي ظن فيها الحوثيون أن بإمكانهم فرض أمر واقع جديد، أثبت المقاتلون في الميدان أن للجمهورية رجالًا يعرفون كيف يمتصون الهجوم، وكيف يحافظون على تماسكهم، وكيف يحولون الدفاع إلى هجوم مضاد.

    وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.

    الأبطال الذين يقفون في الخنادق لا يملكون ترف التنظير الذي نمارسه نحن خلف الشاشات.

    هم الذين يسمعون المدافع، ويرون الخطر أمامهم، ويواجهون الموت دفاعًا عن مواقعهم ورفاقهم وعن فكرة الدولة التي يؤمنون بها.

    ومن حق هؤلاء الرجال علينا أن نكون عونًا لهم، لا عبئًا عليهم.

    ليس المطلوب من المدنيين أن يحملوا السلاح، لكن المطلوب منهم ألا يحملوا معاول الهدم في الفضاء الإعلامي. وليس المطلوب من الصحفي أو الناشط أو السياسي أن يتخلى عن رأيه أو نقده، وإنما المطلوب أن يعرف الفرق بين النقد المسؤول وبين نشر رواية تخدم العدو في لحظة حرب.

    فالخلاف مع الحكومة، أو مع أي مسؤول، لا يعني الخلاف مع الجمهورية. وانتقاد أداء مؤسسة أو قيادة لا يعني إسقاط الدولة. أما تحويل كل إخفاق إلى مادة لتثبيط المقاتلين، وكل إشاعة إلى حقيقة، وكل خلاف سياسي إلى انقسام عسكري، فهذه ليست ممارسة سياسية بريئة حين تكون النتيجة النهائية هي إضعاف الجبهة في مواجهة الحوثي.



    المعركة ليست ملكًا لحزب

    من أخطر الأخطاء أن نحاول اختزال الحرب في أسماء الأحزاب أو الأشخاص أو التشكيلات.

    المعركة أكبر من ذلك كله.

    قد نختلف سياسيًا، وقد نختلف في تقييم أداء الحكومة، وقد نختلف حول الأولويات والقيادات، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع يبحث عن دولة مستقرة. لكن هناك خطوطًا لا ينبغي تجاوزها: الدولة مقابل المليشيا، الجمهورية مقابل مشروع الإمامة، الجيش مقابل التشكيلات المسلحة الخارجة عن مؤسسات الدولة، والحقيقة مقابل آلة التضليل.

    ومن هنا فإن دعم المقاتلين في الجبهات لا يعني منح صك براءة لأحد، ولا يعني إغلاق باب النقد والمساءلة، وإنما يعني وضع الأولويات في مكانها الصحيح.

    يمكننا أن نختلف بعد المعركة على تفاصيل كثيرة، لكن لا يجوز أن يتحول اختلافنا إلى هدية مجانية للحوثي في قلب المعركة.



    معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الميدان

    الحوثي لا يقاتل بالسلاح وحده.

    هناك معركة أخرى تجري على الهواتف والشاشات والمنصات، هدفها صناعة اليأس، وتضخيم الخلافات، ونشر أخبار غير موثقة، وإقناع الناس بأن المقاومة بلا جدوى، وأن الجيش منهار، وأن الجبهات متناحرة، وأن الانتصار مستحيل.

    وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الإعلاميين والناشطين والسياسيين والمواطنين.

    ليس كل ما يصلنا عبر مواقع التواصل حقيقة. وليس كل تسجيل مصور دليلًا على انهيار جبهة. وليس كل منشور مجهول المصدر يستحق إعادة النشر. وفي زمن الحرب، قد تتحول مشاركة واحدة غير مسؤولة إلى أداة في الحرب النفسية التي يريدها الخصم.

    والأخطر من ذلك أن بعض الأصدقاء قد يجدون أنفسهم، من دون قصد، يرددون خطابًا يخدم الحوثي، بسبب الغضب أو الخصومة السياسية أو الاعتماد على مصادر غير موثوقة.

    النية الحسنة وحدها لا تكفي في زمن الحرب؛ فالمعلومة الخاطئة قد تؤدي وظيفة المعلومة المعادية حتى لو نشرها صاحبها بحسن نية.

    لذلك، فإن المسؤولية الوطنية اليوم تبدأ من سؤال بسيط قبل الضغط على زر «نشر»:

    هل ما أقوله حقيقة موثقة؟

    هل يخدم وعي الناس أم يزرع اليأس؟

    هل ينتقد الخطأ بهدف إصلاحه، أم يمنح الخصم مادة دعائية؟

    وهل أساعد المقاتل الذي يواجه النار، أم أضعف معنوياته من خلف الشاشة؟



    لنختلف.. لكن لا نكسر الجبهة

    اليمن بحاجة إلى دولة، والدولة لا تُبنى بالشائعات، ولا تُستعاد بالتحريض، ولا تنتصر بتفكيك الصف الجمهوري.

    نعم، هناك أخطاء. نعم، هناك فساد وقصور، وهناك ملفات سياسية وعسكرية تحتاج إلى إصلاح ومحاسبة. لكن معالجة هذه القضايا يجب ألا تتحول إلى معركة جانبية تبتلع المعركة الأساسية.

    فالذين يقاتلون الحوثي اليوم ليسوا مسؤولين عن كل أخطاء السياسيين، وليس من العدل أن ندفعهم ثمن صراعات لا علاقة لهم بها.

    إن الجندي الذي يقف في موقعه لا يحتاج منا إلى مزيد من التشكيك، بل يحتاج إلى أن يعرف أن خلفه مجتمعًا يؤمن بأن تضحياته لن تذهب سدى.

    ومن حق كل مقاتل في الجيش الوطني والمقاومة وكل القوى الجمهورية التي تواجه الحوثي أن يسمع كلمة واضحة من المجتمع: لسنا متفرجين على معركتكم.. هذه معركتنا جميعًا.

    معركة من أجل دولة لا مليشيا.

    معركة من أجل الجمهورية لا السلالة.

    معركة من أجل مستقبل أبنائنا لا من أجل صراعات الماضي.

    ولذلك، فإن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع الجيش، والنقد لا ينبغي أن يتحول إلى تثبيط، والحرية الإعلامية لا تعني منح الإشاعة حصانة، والوطنية لا تُقاس بعدد المنشورات، وإنما بالموقف الذي يتخذه الإنسان عندما تكون بلاده في أصعب لحظاتها.

    قد يختلف اليمنيون في كثير من الأشياء، لكن عليهم أن يتفقوا على شيء واحد: لا مستقبل لليمن مع مشروع الحوثي.

    وسيظل الطريق إلى صنعاء، وإلى دولة يمنية يتساوى فيها المواطنون تحت القانون، يمر عبر صمود الرجال في الميدان، ووعي المجتمع خلفهم، وإعلام لا يتحول إلى منصة مجانية للحرب النفسية.

    اليوم هو وقت المساندة والوعي والثبات.

    أما الحسابات السياسية، وتصحيح الأخطاء، والمراجعات، والمحاسبة، فلكل ذلك وقته.

    أما الجبهة الجمهورية، فلا يجوز أن نتركها وحدها.

المزيد من مقالات (عبدالله الشرفي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال