> سليمان العقيلي:
لم تعد معركة الساحل الغربي في اليمن مجرد جولة جديدة من الحرب بين الحوثيين والقوات الحكومية، بل تقترب من أن تكون فصلا حاسما في صراع أوسع على التحكم بأهم مفاتيح الاقتصاد والتجارة العالميين.
فالأهداف الحقيقية لم تعد تتعلق بالسيطرة على مدينة أو ميناء، وإنما بمن يمتلك القدرة على التأثير في حركة الملاحة بين البحر الأحمر وخليج عدن، وبالتالي التأثير في الطريق البحري الذي يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس.
وهنا تكمن أهمية التصعيد الحوثي الأخير. فالمعلومات المتداولة عن تحركات الجماعة باتجاه الساحل الممتد من الخوخة إلى المخا وصولا إلى باب المندب، بالتزامن مع تكثيف الضربات الصاروخية والمسيّرات، تشير إلى أن الجغرافيا البحرية أصبحت مرة أخرى هدفا مركزيا في الحسابات العسكرية الحوثية. والقراءة الأوسع لهذه التطورات تقود حتما إلى إيران.
مضيق هرمز هو النموذج الإيراني الأصلي: نقطة جغرافية ضيقة تستطيع إيران، من خلال موقعها وقدراتها الصاروخية والبحرية، التأثير في أمن الطاقة وحركة التجارة العالمية. أما باب المندب، فيمثل النسخة المقابلة على الطرف الآخر من الجزيرة العربية.
وبالتالي فإن امتلاك إيران، بصورة مباشرة أو عبر حليف محلي، القدرة على الضغط على هرمز وباب المندب في الوقت نفسه، يمنحها ورقة إستراتيجية هائلة: تستطيع التأثير في شريان الطاقة الخارج من الخليج، وفي الشريان التجاري الذي يصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس. وهذا تحديدا ما يجعل باب المندب، في الحساب الإيراني، أكثر من مجرد جبهة يمنية.
وهذا هو بالضبط ما حدث خلال أزمة البحر الأحمر منذ عام 2023، عندما أدت هجمات الحوثيين على السفن إلى دفع شركات شحن إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، بما رفع كلفة النقل وأطال زمن الرحلات. وفي الوضع الراهن، تزداد أهمية المسألة لأن اضطراب هرمز جعل باب المندب أكثر حساسية بالنسبة إلى أسواق الطاقة والتجارة.
وتكشف بيانات الملاحة الحديثة أن حركة السفن في باب المندب ما زالت قائمة، لكنها تعرضت أيضا للتراجع في ظل التصعيد الإقليمي.
لذلك، فإن معركة المخا ليست معركة مخا فقط. المخا تقع في منطقة شديدة الحساسية من الناحية الجغرافية؛ والسيطرة عليها أو إخراجها من الخدمة يتيح للحوثيين الاقتراب من المسرح البحري الفاصل بين الساحل اليمني وباب المندب. ولهذا فإن استهداف الميناء، ورفع مستوى العمليات على الساحل الغربي، وتحريك القوات باتجاه الجنوب، يمكن قراءتها باعتبارها محاولة لتحسين الموقع العسكري قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر خطورة.
الأولى: خلق ورقة ضغط مقابلة في البحر الأحمر. إذا أصبح هرمز ورقة ضغط إيرانية في الخليج، فإن وجود قوة حليفة لطهران على باب المندب يخلق ورقة مقابلة في البحر الأحمر. وبذلك تستطيع إيران توسيع نطاق الضغط من الخليج إلى المحيط الهندي والبحر الأحمر، بدلا من حصر المواجهة في جغرافيتها المباشرة.
الثانية: الضغط على السعودية تحديدا؛ إذ إن التحول في مسارات تصدير النفط السعودي بعد اضطراب هرمز يجعل الساحل الغربي وباب المندب أكثر أهمية. فكلما ازدادت الحاجة إلى البحر الأحمر لتصدير الطاقة، ازدادت قيمة القدرة على تهديد هذا المسار. ولهذا فإن إعلان الحوثيين حصار السفن السعودية لم يكن مجرد خطاب دعائي؛ فهو يضرب في نقطة إستراتيجية دولية أصبحت أكثر حساسية بعد اضطراب الملاحة في الخليج.
الثالثة: تحويل الحوثيين من ورقة يمنية إلى أداة ضغط دولية.
أما الثانية فهي أكثر واقعية بكثير بالنسبة لهم. فحتى عمليات محدودة ومتقطعة يمكن أن ترفع تكلفة التأمين، وتدفع بعض شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، وتخلق حالة من عدم اليقين في أسواق الطاقة والتجارة.
ولهذا فإن الهدف الإيراني المحتمل ليس بالضرورة إغلاق باب المندب بالكامل، وإنما امتلاك القدرة على إغلاقه أو تعطيله عند الحاجة. وهذه نقطة جوهرية في فهم الإستراتيجية الإيرانية. فالقوة الإستراتيجية لا تكمن دائما في استخدام الورقة، بل في القدرة على استخدامها. هرمز نموذج واضح لذلك؛ وباب المندب يمكن أن يصبح النموذج المقابل.
وبالتالي، فإن المعركة المقبلة في اليمن قد لا يكون عنوانها صنعاء وحدها، كما كانت في مراحل سابقة. ولكن قد يصبح عنوانها باب المندب.
فالذي يسيطر على الجغرافيا المحيطة بالمضيق لا يملك اليمن فقط؛ بل يملك القدرة على التأثير في أحد أكثر الاختناقات البحرية أهمية في العالم.
وإذا اجتمعت هذه الورقة مع الاضطراب في هرمز، فإن إيران تكون قد نجحت في بناء قوس ضغط بحري مزدوج: هرمز من الشرق، وباب المندب من الغرب. وغيرت وجهتي الصراع في البلدين من النووي الإيراني إلى الملاحة في هرمز. ومن شرعية الحكم في صنعاء إلى أمن الملاحة في باب المندب!
وإذا صح أن التصعيد الحالي يستهدف فعلا خط الخوخة -المخا- باب المندب، فإن معركة الساحل الغربي ستكون مؤشرا مبكرا على انتقال الصراع اليمني من حرب على السلطة داخل اليمن إلى حرب على وظيفة اليمن الجيوسياسية: من يملك ساحله، يملك جزءا من القرار في واحد من أهم الممرات البحرية بين الشرق والغرب.
والخلاصة السياسية أن القراءة الأكثر أهمية للتصعيد الحوثي ليست أنه محاولة لاستعادة أراض أو تحسين خطوط التماس فحسب، بل إنه جزء من إستراتيجية إيرانية لإعادة توزيع أوراق القوة البحرية بعد اضطراب هرمز.
عن "الجزيرة"
محلل وكاتب وباحث سياسي متخصص في الشوؤن السعودية والخليجية وخاصة قضايا الأمن القومي وقضايا الجيوبوليتيك
فالأهداف الحقيقية لم تعد تتعلق بالسيطرة على مدينة أو ميناء، وإنما بمن يمتلك القدرة على التأثير في حركة الملاحة بين البحر الأحمر وخليج عدن، وبالتالي التأثير في الطريق البحري الذي يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس.
وهنا تكمن أهمية التصعيد الحوثي الأخير. فالمعلومات المتداولة عن تحركات الجماعة باتجاه الساحل الممتد من الخوخة إلى المخا وصولا إلى باب المندب، بالتزامن مع تكثيف الضربات الصاروخية والمسيّرات، تشير إلى أن الجغرافيا البحرية أصبحت مرة أخرى هدفا مركزيا في الحسابات العسكرية الحوثية. والقراءة الأوسع لهذه التطورات تقود حتما إلى إيران.
- إيران وباب المندب.. النسخة المقابلة لهرمز
مضيق هرمز هو النموذج الإيراني الأصلي: نقطة جغرافية ضيقة تستطيع إيران، من خلال موقعها وقدراتها الصاروخية والبحرية، التأثير في أمن الطاقة وحركة التجارة العالمية. أما باب المندب، فيمثل النسخة المقابلة على الطرف الآخر من الجزيرة العربية.
وبالتالي فإن امتلاك إيران، بصورة مباشرة أو عبر حليف محلي، القدرة على الضغط على هرمز وباب المندب في الوقت نفسه، يمنحها ورقة إستراتيجية هائلة: تستطيع التأثير في شريان الطاقة الخارج من الخليج، وفي الشريان التجاري الذي يصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس. وهذا تحديدا ما يجعل باب المندب، في الحساب الإيراني، أكثر من مجرد جبهة يمنية.
وقد ظهرت خلال الأشهر الأخيرة الماضية مؤشرات صريحة على هذا الترابط؛ إذ أفادت تقارير بأن إيران طلبت من الحوثيين الاستعداد لتعطيل حركة ناقلات النفط في البحر الأحمر إذا تعرضت منشآت الطاقة الإيرانية لهجمات، بينما أعلن الحوثيون لاحقا ما وصفوه بحصار بحري على السعودية. كما حذرت الحكومة اليمنية من أن الحوثيين يسعون إلى محاكاة النموذج الإيراني في هرمز عبر التأثير في حركة الملاحة في باب المندب.
- السباق نحو باب المندب.. السيطرة على الجغرافيا أم على الحركة؟
وهذا هو بالضبط ما حدث خلال أزمة البحر الأحمر منذ عام 2023، عندما أدت هجمات الحوثيين على السفن إلى دفع شركات شحن إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، بما رفع كلفة النقل وأطال زمن الرحلات. وفي الوضع الراهن، تزداد أهمية المسألة لأن اضطراب هرمز جعل باب المندب أكثر حساسية بالنسبة إلى أسواق الطاقة والتجارة.
وتكشف بيانات الملاحة الحديثة أن حركة السفن في باب المندب ما زالت قائمة، لكنها تعرضت أيضا للتراجع في ظل التصعيد الإقليمي.
لذلك، فإن معركة المخا ليست معركة مخا فقط. المخا تقع في منطقة شديدة الحساسية من الناحية الجغرافية؛ والسيطرة عليها أو إخراجها من الخدمة يتيح للحوثيين الاقتراب من المسرح البحري الفاصل بين الساحل اليمني وباب المندب. ولهذا فإن استهداف الميناء، ورفع مستوى العمليات على الساحل الغربي، وتحريك القوات باتجاه الجنوب، يمكن قراءتها باعتبارها محاولة لتحسين الموقع العسكري قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر خطورة.
- الفوائد الإستراتيجية الثلاث للمسار الإيراني
الأولى: خلق ورقة ضغط مقابلة في البحر الأحمر. إذا أصبح هرمز ورقة ضغط إيرانية في الخليج، فإن وجود قوة حليفة لطهران على باب المندب يخلق ورقة مقابلة في البحر الأحمر. وبذلك تستطيع إيران توسيع نطاق الضغط من الخليج إلى المحيط الهندي والبحر الأحمر، بدلا من حصر المواجهة في جغرافيتها المباشرة.
الثانية: الضغط على السعودية تحديدا؛ إذ إن التحول في مسارات تصدير النفط السعودي بعد اضطراب هرمز يجعل الساحل الغربي وباب المندب أكثر أهمية. فكلما ازدادت الحاجة إلى البحر الأحمر لتصدير الطاقة، ازدادت قيمة القدرة على تهديد هذا المسار. ولهذا فإن إعلان الحوثيين حصار السفن السعودية لم يكن مجرد خطاب دعائي؛ فهو يضرب في نقطة إستراتيجية دولية أصبحت أكثر حساسية بعد اضطراب الملاحة في الخليج.
الثالثة: تحويل الحوثيين من ورقة يمنية إلى أداة ضغط دولية.
وهذه هي النقطة الأهم. إيران لا تحتاج إلى نشر قواتها في باب المندب كي تحصل على تأثير جيوسياسي هناك. يكفي أن تمتلك جماعة حليفة القدرة على تعطيل الملاحة أو تهديدها. بذلك تصبح تكلفة الرد موزعة بين المتمردين اليمنيين والإيرانيين والقوى الدولية، بينما تحصل طهران على ورقة تفاوضية إضافية.
- الفارق الجوهري.. القدرة على الإغلاق لا الإغلاق نفسه
أما الثانية فهي أكثر واقعية بكثير بالنسبة لهم. فحتى عمليات محدودة ومتقطعة يمكن أن ترفع تكلفة التأمين، وتدفع بعض شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، وتخلق حالة من عدم اليقين في أسواق الطاقة والتجارة.
ولهذا فإن الهدف الإيراني المحتمل ليس بالضرورة إغلاق باب المندب بالكامل، وإنما امتلاك القدرة على إغلاقه أو تعطيله عند الحاجة. وهذه نقطة جوهرية في فهم الإستراتيجية الإيرانية. فالقوة الإستراتيجية لا تكمن دائما في استخدام الورقة، بل في القدرة على استخدامها. هرمز نموذج واضح لذلك؛ وباب المندب يمكن أن يصبح النموذج المقابل.
- من يملك الساحل يملك القرار
وبالتالي، فإن المعركة المقبلة في اليمن قد لا يكون عنوانها صنعاء وحدها، كما كانت في مراحل سابقة. ولكن قد يصبح عنوانها باب المندب.
فالذي يسيطر على الجغرافيا المحيطة بالمضيق لا يملك اليمن فقط؛ بل يملك القدرة على التأثير في أحد أكثر الاختناقات البحرية أهمية في العالم.
وإذا اجتمعت هذه الورقة مع الاضطراب في هرمز، فإن إيران تكون قد نجحت في بناء قوس ضغط بحري مزدوج: هرمز من الشرق، وباب المندب من الغرب. وغيرت وجهتي الصراع في البلدين من النووي الإيراني إلى الملاحة في هرمز. ومن شرعية الحكم في صنعاء إلى أمن الملاحة في باب المندب!
- معركة إيرانية
وإذا صح أن التصعيد الحالي يستهدف فعلا خط الخوخة -المخا- باب المندب، فإن معركة الساحل الغربي ستكون مؤشرا مبكرا على انتقال الصراع اليمني من حرب على السلطة داخل اليمن إلى حرب على وظيفة اليمن الجيوسياسية: من يملك ساحله، يملك جزءا من القرار في واحد من أهم الممرات البحرية بين الشرق والغرب.
والخلاصة السياسية أن القراءة الأكثر أهمية للتصعيد الحوثي ليست أنه محاولة لاستعادة أراض أو تحسين خطوط التماس فحسب، بل إنه جزء من إستراتيجية إيرانية لإعادة توزيع أوراق القوة البحرية بعد اضطراب هرمز.
وإذا تمكن الحوثيون من الاقتراب عسكريا من باب المندب، فإن طهران لن تكون قد أغلقت المضيق بالضرورة، لكنها ستكون قد امتلكت شيئا أكثر قيمة من الإغلاق المؤقت: القدرة المستدامة على تهديده، وبالتالي التأثير في الاقتصاد العالمي، وهي ورقة من الصعب انتزاعها لاحقا.
محلل وكاتب وباحث سياسي متخصص في الشوؤن السعودية والخليجية وخاصة قضايا الأمن القومي وقضايا الجيوبوليتيك













