الأربعاء, 23 سبتمبر 2026
101
إن البيان الصادر عن مجلس وزارة الخدمة المدنية والتأمينات برئاسة الوزير سالم العولقي، وما تضمنه من إعلان إنجاز 85 % على مستوى السلطة المحلية و40 % على مستوى السلطة المركزية في ملف العلاوات السنوية 2021-2025 وبدل غلاء المعيشة 20 %، يمثل من الناحية الإدارية إقرارًا بوجود فجوة بين المسار الإجرائي والمسار المالي، فالإنجاز المعلن هو إنجاز إجرائي توثيقي يتمثل في استكمال الكشوفات والمخاطبات، أما الإنجاز المالي المتمثل في الصرف الفعلي في كشف الراتب فما زال معلقًا، وهو ما أكده البيان نفسه حين أحال الملف إلى ما أسماه القضايا العالقة في الباب الأول.
ومن منظور دستوري وقانوني، فإن هذا التعليق يتعارض مع مرجعيات حاكمة، فدستور الجمهورية اليمنية كفل مبدأ العدالة في الأجور وكفالة الدولة لتحسين أوضاع الموظفين، وألزم السلطة التنفيذية بإعداد الحساب الختامي وعرضه على مجلس النواب، وقانون الخدمة المدنية رقم 19 لسنة 1991م ولائحته التنفيذية يقرر أن العلاوة السنوية حق دوري يمنح بقوة القانون عند استيفاء شروط تقييم الأداء، وقانون نظام الوظائف والأجور رقم 43 لسنة 2005م عرف العلاوة بأنها مبلغ مالي محدد تمنح لمن استوفى شروطها، والقانون المالي رقم 8 لسنة 1990م ألزم وزارة المالية بإعداد الحسابات الختامية سنويا، وهو التزام لم يتم الوفاء به بنشر تفصيلي منذ 2017م.
والملاحظة الجوهرية التي لم يتضمنها بيان الاجتماع على الإطلاق هي ملف التظلمات الإدارية بنوعيها، فالبيان لم يتطرق لا للتظلمات المتعلقة بالعلاوات والتسويات على مستوى الجهاز الإداري للدولة، ولا للتظلمات الداخلية الخاصة بموظفي الوزارة نفسها.
فمن الثابت قانونا وفقا لقانون الخدمة المدنية لائحة الجزاءات وقواعد التظلم أن أي معالجة للعلاوات لا تكتمل شرعيتها إلا بفتح باب التظلم أمام الموظفين المتضررين ممن سقطت أسماؤهم سهوا أو تم احتساب علاواتهم بشكل مجتزأ أو حرموا من الأثر الرجعي، وغياب هذه الآلية يعني أن الإنجاز المعلن هو إنجاز أحادي الجانب غير قابل للطعن، وهو ما يخالف مبدأ الشفافية والمواجهة في العمل الإداري.
أما الجانب الأكثر حساسية والذي يمثل اختلالا داخليا يتعارض مع روح القانون، فيتمثل في ما يتعرض له بعض موظفي الوزارة أنفسهم من تعثر في تمكينهم من مهامهم أو إقصاء وظيفي أو تهميش إداري دون تفعيل الآليات القانونية للتظلم وفحص الشكوى والبت فيها وفقا للقانون واللوائح، فالموظف العام وفقا للمادة 18 من قانون الخدمة المدنية له حق أصيل في التظلم من أي قرار إداري يمس مركزه القانوني، وللوزارة كجهة منظمة للوظيفة العامة أن تكون القدوة في تطبيق هذا المبدأ على منتسبيها قبل مطالبتها للجهات الأخرى بتطبيقه، فلا يستقيم أن تتحدث الوزارة عن إنجاز 85 % في حقوق موظفي الدولة بينما لا تزال تظلمات بعض موظفيها الداخلية معلقة دون لجنة تظلمات مفعلة وآجال محددة للبت، وهذا الوضع يضعف مصداقية الخطاب الإصلاحي ويجعل الإصلاح يبدأ من الداخل أولا إعمالا لمبدأ ما لا يدرك كله لا يترك جله.
ومن زاوية الرقابة والتقييم، تتمثل الإشكالية في خمسة اختلالات بنيوية، أولها اختلال التنسيق المؤسسي بين الخدمة والمالية، وإعادة تفعيل اللجنة المشتركة تعني أنها كانت غير مفعلة منذ يناير 2021م، وثانيها اختلال تحديد الأولويات بالتركيز على التجهيزات والدليل الإرشادي دون حل جوهري للراتب، وثالثها اختلال إدارة الباب الأول نتيجة التعاقد خارج الموازنة وتراكم ملف المتقاعدين ممن بلغوا أحد الأجلين، ورابعها إغفال تظلمات الموظفين في الجهاز الإداري للدولة بشأن العلاوات، وخامسها وهو المعيار الأخلاقي والقانوني للإصلاح، عدم معالجة التظلمات الإدارية الداخلية لموظفي الوزارة نفسها وفقًا للقانون، ففاقد الشيء لا يعطيه.
إن مقارنة مخرجات اجتماع المالية الذي لم يتضمن تمويل الباب الأول مع اجتماع الخدمة الذي جعله محور تقريره تكشف أن الملف يدار بمنطق الجزر المنفصلة، كما أن ارتفاع الإيرادات بعد رفع الدولار الجمركي يفترض أن ينعكس على تغطية الباب الأول.
أما المعالجة وفقا لقرار رئيس الوزراء رقم 14 لسنة 2026م فهي معالجة لاحقة لا تتضمن الأثر الرجعي وهي تسوية مجتزأة، والحق المكتسب لا يسقط بالتقادم الإداري، والمقتضى يوجب النص على بقائه كدين مستحق.
وعليه، فإن المدخل الصحيح يبدأ بنشر الحسابات الختامية، وببيان توضيحي من المالية حول منحة المرتبات، وبالتعامل مع العلاوات كحق متكامل، وبتفعيل ملزم للجنة المشتركة، وبقرار يضبط التعاقدات وينهي ملف المتقاعدين، وبفتح باب التظلمات بنوعيها، تظلمات الموظفين في الجهاز الإداري بشأن العلاوات، وتظلمات موظفي الوزارة الداخلية بشأن التمكين والإنصاف الوظيفي، كضمانة قانونية لأي إصلاح معلن، فالإصلاح الذي لا يبدأ من داخل الوزارة لا يمكن أن يمتد إلى خارجها.
إن الإنجاز الحقيقي لا يقاس بنسبة على الورق، بل يقاس بأثره في كشف الراتب وبقدرته على إنصاف الموظف داخل الوزارة وخارجها.